تصاعد خطابه تجاه مالفيناس وسط تصاعد توترات عبر الأطلسي
صعد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي لهجته بشأن مطلب الأرجنتين لفرض السيادة على جزر فوكلاند (المعروفة في الأرجنتين باسم مالفيناس)، في وقت تتزايد فيه أصداء العلاقة المتينة بينه وبين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما يتبعها من احتقان متصاعد بين واشنطن ولندن حول مسار النزاع الإقليمي.
التقاؤهم وتأثيره السياسي
التقى ترامب وميلي عدّة مرات، ويظهر الزعيم الأرجنتيني بانتظام في محافل يمينية مؤيدة لترامب داخل الولايات المتحدة. وصف ترامب ميلي سابقاً بأنه “رئيسه المفضل”، في مؤشر على تقارب سياسي وشخصي قوي بين الرجلين. ميلي، الذي يقود حزب “تقدّم الحرية” ويمثل تياراً شعبوياً يمينياً متطرفاً، استغل هذا القرب لتعزيز موقفه الدولي.
لماذا الجزر مهمة وماذا تقول الأرقام؟
جزر فوكلاند هي إقليم بريطاني مُدار ذاتياً في جنوب غرب المحيط الأطلسي، يتألف أرخبيلها من جزيرتين رئيسيتين هما فوكْلاند الشرقية وغرب فوكْلاند. تبعد الجزر نحو 13 ألف كيلومتر عن بريطانيا ويقطنها حوالي 3200 نسمة فقط، فيما تعشش نحو مليون بطريق خلال الصيف الجنوبي، مما يجعلها مهمة بيئياً إلى جانب أهميتها التاريخية والجيوسياسية.
تدّعي الأرجنتين أحقيتها بالسيادة على هذه الجزر مستندة إلى ما تعتبره حقاً وراثياً من التاج الإسباني في القرن التاسع عشر. في المقابل، يؤكد الطرف البريطاني موقفه على أساس الوجود الطويل للمجتمع المحلي وتفضيله البقاء تحت الإدارة البريطانية؛ فقد أعرب سكان الجزر في استفتاء عام 2013 بأغلبية ساحقة (1513 من أصل 1517) عن رغبتهم في البقاء تابعين للمملكة المتحدة.
خلفية الصراع المسلح
بلغ النزاع ذروته في أبريل 1982 عندما سيطرت الأرجنتين مؤقتاً على الجزر، فردت حكومة رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارجريت ثاتشر بإرسال قوة عسكرية أعادت السيادة البريطانية بعد 74 يوماً من القتال، وأسفرت الحرب عن مقتل 655 فرداً أرجنتينياً و255 بريطانياً. الجدير بالذكر أن ميلي ذاته ظلّ يستلهم ثاتشر كنموذج سياسي محافظ في خطاباته.
ماذا قال ميلي مؤخراً؟
حافظ أسلاف ميلي من يسار الوسط عادة على نبرة تأكيد للمطالبة بالمالفيناس، لكنهم اتخذوا في العادة نهجاً قانويّاً ودبلوماسياً. ميلي، الذي دعا إلى مفاوضات أكثر صرامة مع لندن، تعرّض بداية لانتقادات داخلية لعدم تشدد موقفه بما فيه الكفاية. لكنه أخيراً قال في مقابلات خلال العامين الماضيين إن بلاده تحرز “تقدماً غير مسبوق” في القضية، وذلك بالتزامن مع تراجع شعبيته محلياً إلى مستويات قياسية: مؤشر الرضا عن أدائه لدى مجموعة AS/COA يشير إلى أن 61 في المئة من الأرجنتينيين غير راضين عنه — أدنى نسبة منذ توليه المنصب في ديسمبر 2023.
ما الذي تغيّر في الموقف الأميركي؟
تقليدياً تجنّبت الولايات المتحدة اتخاذ موقف قاطع بشأن سيادة الجزر، مع الاعتراف فقط بأنها تخضع للإدارة البريطانية. لكن تقارير إعلامية ومصادر في البنتاجون أوردت أخيراً أن الجيش الأمريكي أعد مذكّرة تتضمن خيارات قد تعرض موقف الحياد التاريخي للمراجعة كوسيلة للضغط الدبلوماسي على حلفاء اعتُبروا غير متعاونين خلال الحرب على إيران. من بين الاقتراحات الواردة محاولة تعليق عضوية إسبانيا في حلف شمال الأطلسي أو إعادة النظر في موقف واشنطن من حالة جزر فوكلاند.
تاريخياً، دعمت واشنطن لندن في حرب 1982 بعدما فشلت جهود الوساطة، وقد وفّرت معلومات استخبارية وإمكانات لوجستية ووقوداً وتجهيزات عسكرية، كما فرضت آنذاك عقوبات اقتصادية على الأرجنتين. اليوم، لا تبدو هذه الحماية مطلقة بالضرورة في ظل التوترات الأخيرة بين البيت الأبيض والحكومة البريطانية.
هل يمكن لمايلي استثمار علاقته بترامب؟
يرى خبراء أن علاقة ميلي القوية بترامب لا تكفي لحسم الأمر دون موافقة بريطانيا. كما قال بنيامين جيدان، مدير برنامج أمريكا اللاتينية في مركز ستيمسون بواشنطن، إن “أي تسوية لهذا الخلاف الطويل ستتطلب مفاوضات، وهذا يعني إقناع البريطانيين لا الأميركيين.” مع ذلك، لا تُخفى رغبة ميلي في استثمار هذا المحور لرفع سقف المطالب والمناورة دبلوماسياً، لا سيما بعدما دعمت الإدارة الأميركية خطوات اقتصادية مهمة للأرجنتين، مثل تسهيل اتفاق تبادل عملات بقيمة 20 مليار دولار في 2025 لتثبيت البيزو قبيل انتخابات تشريعية مهمة.
الخلاصة
تبقى معادلة مالفيناس معقدة: حقائق تاريخية، رغبة سكان محليين، حساسية قومية في الأرجنتين، ومصالح استراتيجية بريطانية وأمريكية. أي تحول فعلي في واقع السيادة يحتاج إلى تفاوضٍ مباشر مع لندن، فيما قد يظل تأثير العلاقات الشخصية بين قادة دول عامل ضغط سياسي لكنه ليس بديلاً عن الحل الدبلوماسي طويل الأمد.