لا جدوى من استثمار مزيد من الموارد العربية في تحالف مع الولايات المتحدة — حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران

لعقود افترضت دول الخليج أن الشريك الاستراتيجي الأهم لها هو الولايات المتحدة. بنت شراكة متعددة الأبعاد مع واشنطن شملت الأمن والطاقة والتمويل والدبلوماسية، فتوفرت أرضية تعاون واسعة وطويلة الأمد.

لكن عندما خاضت الولايات المتحدة حرباً إلى جانب إسرائيل ضد إيران، تم تهميش شركائها الخليجيين، وتجاهلت نداءاتهم ومخاوفهم. والآن، فيما تحاول إدارة ترامب التفاوض مع إيران، يبدو أن مصالح إسرائيل تحتل الأولوية مجدداً، بينما تُهمَل مخاوف الحلفاء العرب مرة أخرى. مهما فعلت هذه الدول أو عرضت تقديمه، ستبقى مصالحها قابلة للتصرف في واشنطن كلما تعارضت مع مصالح إسرائيل.

تحالف الاستقرار

قلة من التحالفات الحديثة كانت بهذه العمق والتكامل كما العلاقة بين الخليجج والولايات المتحدة، حيث فتحت دول الخليج أراضيها لوجود عسكري أميركي شبه غير مشروط. تجاوز حجم التبادل التجاري بين الجانبين 120 مليار دولار في 2024، مدعوماً باستثمارات خليجية في الاقتصاد الأميركي، كما أن حضور الشركات الأميركية في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية في المنطقة كان بارزاً. ثم تجلّى هذا الترابط بقوة في قمة الرياض 2025، التي أسفرت عن اتفاقات تجارة واستثمار تجاوزت قيمتها 2 تريليون دولار، وفي العام نفسه ضخّت صناديق الثروة السيادية الخليجية نحو 70 مليار دولار في أصول أميركية.

بعيداً عن الأرقام، لعبت دول الخليج دوراً مستمراً في تمويل الولايات المتحدة عبر تدوير سندات الخزانة، ما ساهم في إبقاء تكاليف الاقتراض منخفضة وتعزيز هيمنة الدولار، وفي دعم مئات آلاف الوظائف الأميركية في قطاعات التصنيع والدفاع والتكنولوجيا.

مقابل ذلك كانت الحكومات الخليجية تتوقع أمراً أساسياً: أن تُحصَل مصالحها الجوهرية على الاعتراف، إن لم تكن الأولوية.

لقد توافقت هذه المصالح مع سياسات أميركية لوقت طويل، ويمكن اختصارها في ثلاثة أعمدة: أولاً، التنويع الاقتصادي كتحول استراتيجي للابتعاد عن الاعتماد على الهيدروكربونات نحو نماذج اقتصادية مستدامة ومرنة؛ ثانياً، الاستقرار الإقليمي كشرط لجذب الاستثمارات وتمكين النمو والحفاظ على التنمية الطويلة الأمد؛ ثالثاً، أمن الطاقة عبر تدفق مستمر للنفط والغاز باعتباره ركيزة للاستقرار الاقتصادي العالمي.

يقرأ  قادة يحذّرون في منتدى «الجزيرة»: إبادة إسرائيل في غزة تهدّد النظام الدولي أخبار «جرائم ضد الإنسانية»

وفي سبيل هذه الغايات استثمرت دول الخليج كثيراً مالياً وسياسياً في بناء ترتيب إقليمي أكثر استقراراً، مفضِّلة الدبلوماسية على المواجهة. فقد تحركت السعودية، على سبيل المثال، لإنهاء الحرب في اليمن، وفتحت قنوات مع إيران وتركيا وعزّزت الروابط مع دول مثل باكستان. لم تكن هذه خطوات تكتيكية عابرة، بل أجزاء من استراتيجية أوسع لبناء هندسة إقليمية مرنة وتعاونية.

كل ذلك بدا متقاطعاً مع المصالح الأميركية المعلنة: تأمين سلاسل إمداد الطاقة، استقرار أسواق النفط، وضمان بيئة إقليمية مستقرة تسمح للولايات المتحدة بالتحول نحو آسيا. ورغم ذلك اختارت إدارة ترامب أن تسلك مساراً معاكساً.

اختيار الفوضى على الاستقرار

اليوم بات واضحاً أن واشنطن اختارت دعم أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي تميل إلى زرع عدم الاستقرار والسعي للهيمنة الإقليمية. بتقديم الدعم لأهداف نتنياهو التوسعية، حتى على حساب مصالحها، ضاعفت الولايات المتحدة من المخاطر على مضيق هرمز وباب المندب—أهم عنقين بحريين للطاقة في العالم—معرّضة أسواق النفط والغاز لتقلبات حادة.

هذه الخيارات الأميركية أدخلت المنطقة بأسرها، وعلى رأسها دول الخليج، في حالة فوضى قد نعيش ارتداداتها سنوات طويلة، مدفوعة بمخاوف الدول وتفاقم اختلالات القوى.

هنا يجب أن تعي دول الخليج والدول العربية حقيقة أساسية: لا يمكن بناء استقرار إقليمي دائم على اعتماد قابل للانكفاء على الولايات المتحدة. الأميركيون ليسوا أبناء هذه الأرض ولا ينتسبون إلى هذه الجغرافيا. مهما تطورت المنظومة الدولية واتسع الترابط عبر العولمة والتقنية، ستبقى الجغرافيا والديموغرافيا عوامل حاسمة في تشكيل المصالح. قوة تقع على بعد آلاف الكيلومترات، ومنبثقة من واقع ديموغرافي وجغرافي مختلف، لا يمكن أن تُعتمد عليها في الدفاع عن المصالح العربية.

ومع ذلك ما زالت بعض الدول تراهن على «علاقة خاصة» مع واشنطن إلى حد الغموض، متجاهلة ضرورة الوحدة. فالإمارات، مثلاً، قررت مؤخراً الخروج من أوبك، وهي منظمة كانت تمنح دول النفط العربية نفوذاً تجاه الولايات المتحدة وباقي العالم. هذه الخطوة تبدو انسحاباً أكثر منها تعميقاً للتعاون ومعالجة الخلافات؛ وعلى المدى القصير قد تبدو محاولة لحفظ المصالح الوطنية، لكنها على المدى الطويل تعزّز سياسات فرق تسد التي لا تخدم مصلحة الأمة العربية.

يقرأ  فرنسا تفتتح قنصلية في غرينلاند كـ «إشارة سياسية» موجهة إلى الولايات المتحدة

بدلاً من ضخ مزيد من الموارد في تحالف باتت أهميته مشكوكاً فيها، ينبغي للدول العربية أن تركز على تنمية داخلية إقليمية تسعى إلى الاكتفاء الاقتصادي والأمني والعسكري، على غرار مشاريع تركية وإيرانية في جوانب معيّنة. لا بد من تعزيز الحوار الداخلي والتماسك، والسعي لإطار استراتيجي أوسع يؤمّن توازنات قوى مبنية على الشراكة السياسية والمنافسة البناءة، لا على الاعتماد على رعات خارجيين.

الآراء المعبر عنها هنا خاصة بالمؤلف ولا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق