أسفرت الانتخابات الإقليمية الأخيرة في الهند عن أحد أصعب وأهم الأحكام السياسية في تاريخ البلاد المعاصر، لا سيما في ولاية البنغال الغربية، ولاية حدودية يزيد عدد سكانها على 100 مليون نسمة وكانت لعقود حصناً لمقاومة توغل حزب بهاراتيا جاناتا بقيادة ناريندرا مودي.
وللمرة الأولى في تاريخ البنغال، نجح الحزب في احتلال السلطة بحصوله على 207 مقاعد من أصل 293 مُعلنة حتى الآن، مقابل تقلّص حزب ترينامول كونغرس إلى 80 مقعدًا. ما زال مقعد واحد مهدداً بإعادة الاقتراع.
حجم انتصار الحزب غير خريطة السياسة الهندية، لكنه أثار أيضاً تساؤلات جذرية حول نزاهة العملية الانتخابية ذاتها.
جاء الاقتراع بعد ما سمي بعملية «المراجعة المكثفة الخاصة» (SIR) التي أجرتها اللجنة الانتخابية الهندية، واعتُبرت خطوة إدارية لإزالة الأسماء المزدوجة والمتوفين أو «غير المؤهلين». خلال هذه العملية شُطب أو خُصّص للتدقيق أكثر من تسعة ملايين اسم في البنغال الغربية — ما يقارب 12 بالمئة من الناخبين.
وقد طالت هذه العملية بطريقة غير متناسبة المسلمين والعمّال المهاجرين والفقراء في دوائر كانت الحزب يجد فيها صعوبة انتخابية تقليدياً. وفي كثير من الدوائر التي فاز بها الحزب، تجاوز عدد الناخبين المحذوفين أو المتنازع عليهم هامش الفوز.
والنتائج المترتبة خطيرة: تبدو الهند قد انتقلت من تشوّه انتخابي إلى حرمان جماعي من حق الاقتراع.
البنغال ليست ولاية عادية؛ فقد قُسِّمت في 1947 على أسس دينية عند ولادة الهند وباكستان بعنف، ولها حدود ممتدة تزيد على 2,200 كيلومتر مع بنغلادش وتحتل مكانة مركزية في الخيال السياسي الهندي. يشكل المسلمون نحو 27 بالمئة من سكان الولاية، وكانوا تاريخياً يصوتون بشكل استراتيجي لصد صعود الحزب القومي.
وهذا بالذات ما جعل البنغال هدفاً مهماً لمودي.
توسّع الحزب بسرعة في الولاية خلال عقد مضى لكنه فشل في إسقاط رئيسة الولاية ماماتا بانيرجي في 2021. لذا اعتُبرت انتخابات 2026 استفتاءً على تآكل حكومتها وامتحاناً لمصداقية المؤسسات الانتخابية الهندية.
المعركة تمحورت حول عملية الـ SIR، التي بدأت أولاً في بيهار في يونيو 2025 ثم مُددت لتشمل تسع ولايات وثلاث مناطق اتحاد، بما فيها البنغال الغربية.
بموجب هذه العملية، قام ضباط الدوائر — المسؤولون المحليون عن سجلات الناخبين — بزيارات منزلية للتحقق من الناخبين. طُلِب من المواطنين أن يعيدوا إثبات أحقيتهم عبر مستندات خلال مهلات ضيقة جدًّا، وكان الإخفاق قد يؤدي إلى شطب الأسماء من القوائم.
ولأول مرة منذ اعتماد الهند للانتخاب العام الشامل في انتخابات 1951-1952، وُضع عبء إثبات الأهلية عملياً على كاهل المواطنين أنفسهم — انقطاع خطير في العهد الديمقراطي.
تعرّض العمّال المهاجرون لضربة خاصة: تعدّ بيهار وبنغال من أكبر مناطق تزويد الهند بالعمالة المهاجرة، وكثيرون يعملون في ولايات نائية فلم يتمكنوا من العودة ضمن نوافذ التحقق الضيقة. كما واجه آخرون مشكلات ناتجة عن اختلافات في التهجئة، نقص في الوثائق القديمة، تغيير الألقاب بعد الزواج أو اختلالات بين السجلات الرسمية.
كانت هذه المشكلات أكثر حدة بين المسلمين والنساء الفقيرات.
أصرت اللجنة الانتخابية على أن العملية إجرائية وضرورية لإزالة الإدخالات المزدوجة أو الاحتيالية، فيما قدّمها الحزب الحاكم كجهد لطرد «الداخلين غير الشرعيين»، وخصوصاً المهاجرين المسلمين المزعومين من بنغلادش.
لكن في البنغال سرعان ما اكتسبت العملية طابعاً سياسياً. شهدت دوائر ذات كثافة سكانية مسلمة معدلات شطب من أعلى المستويات، وافتقرت العملية إلى الشفافية، فيما أفرزت برمجيات مبنية على الذكاء الاصطناعي «تعارضات منطقية» أَشارت بصورة غير متناسبة إلى أسماء مسلمة نتيجة اختلافات الترجمة بين الأوردو والبنغالية والإنجليزية.
وطالب حزب ترينامول مرارًا بأن اللجنة الانتخابية تعمل أقل كمؤسسة دستورية مستقلة وأكثر كذراع لآليات السلطة الحاكمة.
تدخّلت المحكمة العليا عدة مرات لكنها سمحت في نهاية المطاف باستمرار العملية. طعن ملايين بعدما اكتشفوا اختفاء أسمائهم من القوائم، وبقي أكثر من 3.4 مليون طعن معلقاً قبل يوم الاقتراع، وتم البتّ في أقل من 2,000 منها في الوقت المناسب. حكمت المحكمة بأن الناخبين الذين لم تُحسم طعونهم سيُمنعون من التصويت في الانتخابات، على الرغم من احتمال إعادة أسمائهم لاحقاً في نظريّة.
هذا الحكم أعطى شرعية عملية لحرمان جماعي من الانتخاب على نطاق واسع.
وعلى المستوى الشخصي عايشت العملية بنفسي. اضطرّت عائلتي لإثبات أهلّيتها مجدداً لتبقى في سجلات الناخبين في ولاية أوتار براديش، حيث المهل أطول والرقابة أقل حدة بالمقارنة مع البنغال. ومع ذلك، كشفت تجربة التعامل مع الإجراءات طابعها المروع والإقصائي: المسنون، والعمّال المهاجرون، والنساء ذوات الوثائق المتباينة، والفقيرات وجدوا أنفسهم في متاهة بيروقراطية لم يتمكن كثيرون من اجتيازها.
اعترف بعض المسؤولين خصوصياً بأن الناخبين الهندوس لديهم أسباب أقل للخوف من الشطب مقارنة بالمسلمين.
في النهاية شطبت نحو 2.7 مليون ناخب في البنغال رسمياً، وبقي ملايين آخرون عالقين في طعون ونزاعات تحقق لم تُحسم قبل يوم الاقتراع.
حصل حزب بهاراتيا جاناتا على 29,224,804 صوتاً، أي بفارق 3,211,427 صوتاً عن حزب ترينامول الذي جمع 26,013,377 صوتاً. ويؤكد محللون فحصوا بيانات على مستوى الدوائر أن عدد الناخبين المحذوفين أو المتنازع عليهم في كثير من المقاعد التي فاز بها الحزب تجاوز هامش الفوز.
وبناءً عليه، يمكن القول بوجود أسباب معقولة للاشتباه في أن النتيجة «سُرقت» بمعاونة آليات الدولة، بما في ذلك اللجنة الانتخابية التي يفترض دستورياً أن تكون محايدة.
ساهم في فوز الحزب أيضاً حملة هندوسية أكثرية سخّفت من موقف ترينامول المزعوم «المؤيد للمسلمين» وأثارت شعور عدم الأمان بين الهندوس.
بعد الانتكاسة التي لحقت بالحزب في انتخابات 2024 البرلمانية، عندما فقد مودي أغلبيته المطلقة وأصبح معتمداً على شركاء تحالف، بدأ الحزب بإعادة ضبط استراتيجيته الانتخابية.
من محاور هذا التوجه اقتراح عملية إعادة ترسيم الدوائر (التقسيم)، التي قد تعيد رسم الدوائر البرلمانية ومجالس الولايات بطرق ترجّح كفة المناطق الشمالية والمناطق ذات الأغلبية الهندوسية. وفي آسام، حيث عاد الحزب إلى السلطة هذا العام أيضاً، أدت عمليات إعادة الترسيم السابقة إلى إضعاف النفوذ الانتخابي للمسلمين في بعض الدوائر.
المبادرة الثانية كانت توسيع عملية الـ SIR عبر الهند، وخلفت آثاراً سياسية تجلت بصورة درامية في البنغال.
المبادرة الثالثة كانت الدفع بمشروع «أمة واحدة، انتخابات واحدة» الذي يُطرح كإصلاح إداري لكنه من شأنه مركزية السلطة حول مودي وإضعاف قدرة الأحزاب الإقليمية على مواجهة الآلية الوطنية للحزب.
معاً، تشير هذه التطورات إلى محاولة لإعادة تشكيل هندسة الديمقراطية الهندية بصورة دائمة.
الجزء الأكبر من الهند، الآن تحت حكم الحزب، يعيش تحت طوق أيديولوجيا الهندوتفا، وقد أدى تآكل النِّزاهة الانتخابية والديمقراطية إلى تهديد فكرة الهند السائدة واستبدالها بنمط سلطوي وأغلبية هندوسية قسرية.
وجهات النظر الواردة هنا تعبر عن رأي كاتبها ولا تمثل بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.