الإفلات من العقاب في قضية شيرين أبو عاقلة يغذي الاعتداءات الإسرائيلية على الصحفيين — أخبار حرية الصحافة

اضطر المسعفون إلى تقييد الصحفي الفلسطيني علي السمودي أثناء إسعاف جرحه الناجم عن رصاصة، حينما وصلت جثة زميلته شيرين أبو عاقلة إلى مستشفى ابن سينا في الضفة الغربية المحتله.

«تمكنت من النظر فرأيت شيرين ملقاة بجانبي. لم أستطع تصديق ما كان يحدث. بدأت أصرخ وحاولت الوصول إليها، لكنهم منعوني»، روى السمودي لقناة الـجزير تفاصيل ما جرى في 11 مايو 2022.

لكنه أضاف: «من تجربتي الميدانية أدركت بوضوح أنها قُتِلت».

في وقت سابق من ذلك اليوم، أطلق جنود إسرائيليون النار على السمودي في ظهره قبل أن تُطلق رصاصة أخرى تزفُّ شيرين أبو عاقلة؛ المواطنة الأمريكية والمراسلة المخضرمة في قناة الجزيرة والمعروفة على مستوى العالم العربي.

يصادف يوم الاثنين الذكرى الرابعة لاغتيال أبو عاقلة.

فور وقوع الحادث ندّدت القناة بوصفه اغتيالاً «بدم بارد». ومنذ ذلك الحين قُتل المئات من الصحفيين، وأكثر من عشرة مواطنين أمريكيين في غزة ولبنان والضفة الغربية.

لم تؤد أي من هذه الحوادث، ومن بينها قضية أبو عاقلة، إلى أي توقيفات أو توجيه تهم.

يرى المدافعون عن حقوق الصحافة أن فشل واشنطن في تحقيق المساءلة عن مقتل مراسلة الجزيرة مهّد الطريق لتصاعد الانتهاكات الإسرائيلية بحق الصحفيين.

قال السمودي: «غياب المساءلة وغياب العدالة وغياب القانون وفشل محاكمة مرتكبي جريمة اغتيال شيرين أدّى إلى هذه المآسي التي نراها؛ والقتل المنهجي والواسع للصحفيين».

وأضاف: «الآن إسرائيل — وبكل سهولة — تعلن أنها تنفذ عمليات إعدام ضد صحفيين».

(هجوم شرطة إسرائيلية على المشيعين أثناء حملهم نعش الصحفية المخضرمة شيرين أبو عاقلة خلال جنازتها في شرق القدس، 13 مايو 2022 — صورة أرشيفية)

دور الولايات المتحدة

أوضح السمودي أن لدى الولايات المتحدة مسؤولية خاصة لضمان تحقيق العدالة لأبو عاقلة لأنها كانت مواطنة أمريكية ولقرب علاقات واشنطن من إسرائيل.

تقدّم الولايات المتحدة لإسرائيل مليارات الدولارات سنوياً كمساعدات عسكرية وتوفر لها غطاءً دبلوماسياً في الأمم المتحدة وغيرها من المحافل الدولية.

قال السمودي مخاطباً المسؤولين الأمريكيين: «لو أن واشنطن فرضت الإجراءات والعقوبات المناسبة على إسرائيل بعد مقتل شيرين، لكان من الممكن إنقاذ مئات الصحفيين والمدنيين الفلسطينيين. استيقظوا ووقفوا في وجه الانتهاكات».

وتابع: «كل هذا التحيز، وكل هذا الدعم لإسرائيل ثبت أنه انتهاك لحقنا في الحرية والوجود ككائنات بشرية».

يقرأ  الكاف يُخيِّب آمال مشجعي أفريقيا في كأس العالم 2026

ورداً، عبّر جيمس زغبي، رئيس المعهد الأمريكي العربي، عن تقييم مماثل: «الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة التي تملك أدوات يمكن استخدامها هنا، لكنها تختار عدم استخدامها».

وبالرغم من تأكيد مسؤولين إسرائيليين في أواخر 2022 أن الولايات المتحدة فتحت تحقيقاً في مقتل شيرين، لم يُصدر عن ذلك التحقيق أي تقارير علنية ولا اتُّخذت إجراءات جنائية.

قال السمودي، أحد الشهود القلائل على إطلاق النار، إنه اجتمع مع مسؤولين أمريكيين مرة واحدة فقط، ولم يكن هناك متابعة لاحقة.

وزارة العدل الأمريكية، التي يشرف عليها مكتب التحقيقات الفيدرالي، لم ترد على طلب القناة للتعليق حتى وقت النشر.

إدارة الرئيس السابق جو بايدن لم تؤكد تحقيق الـFBI، وتبنّت السردية الإسرائيلية القائلة إن مقتل أبو عاقلة كان غير متعمد.

رأى مارتن رو، رئيس مكتب الأزمات في مراسلون بلا حدود، أن مقتل أبو عاقلة أرسل رسالة مفادها أن «إسرائيل ستكون بمنأى عن ملاحقة إرهابها للصحفيين الفلسطينيين».

وأضاف رو: «كان هذا جزءاً من سلسلة طويلة من عمليات القتل المستهدفة للصحفيين الفلسطينيين على يد الجيش الإسرائيلي. وللأسف نرى ليس فقط غياباً للمساءلة والعدالة، بل أيضاً غياباً للضغط من حلفاء إسرائيل مثل الولايات المتحدة».

ماذا حدث في ذلك اليوم؟

على الرغم من تأكيد السلطات الإسرائيلية أن إطلاق النار لم يكن متعمداً، شدّد السمودي — الذي كان يعمل حينها مع الجزيرة — على يقينه بأنهما هما وزميلتهما شيرين استُهدفا عمداً.

وصل الصحفيان إلى الجهة الغربية من مخيم جنين للاجئين مع عدد من الزملاء صباح ذلك اليوم، بينما كانت القوات الإسرائيلية تُنفّذ مداهمة.

كانت صفوف من المدرعات العسكرية الإسرائيلية مركونة في شارع جانبي. وكان الصحفيون يرتدون زي الصحافة الظاهر بوضوح.

«دخلنا الشارع. لم يكن هناك مقاتلون فلسطينيون. لم تكن هناك أي اشتباكات بالقرب منا، ولم يكن حتى رشق حجارة. كنا بعيدين عن المدنيين الفلسطينيين الذين كانوا خلفنا»، قال السمودي.

«كنا وحدنا كصحفيين. كنا ننظر إلى الجيش الإسرائيلي لنقترب منهم ونجد موقعاً آمناً للتغطية».

ثم دوت الطلقة الأولى. وكان السمودي في المقدمة، فالتفت ليُنبه شيرين إلى أن الجنود يطلقون النار.

يقرأ  هل تحوّلت إسرائيل إلى محور انقسام في أوروبا؟غزة

«كنت أقول لها: ‘لنعد؛ يبدو أنهم يطلقون النار في اتجاهنا.’ بالكاد ألفظت الجملة شعرت بشيء يصيب ظهري. وضعت يدي على ظهري فوجدت الدم».

«الالتفات جعل الرصاصة تصيب ظهري. يبدو أن الجنود أرادوا إصابتي في الصدر».

ووفقاً للسَّمودي، كانت آخر كلمات شيرين: «علي أصيب».

«القناص الذي أطلق النار استمر في إطلاق النار. ركضت مبتعداً وكنت أنزف بشدة. انسحبت شيرين ووقفت إلى جانب جدار».

«كنت أركض إلى الوراء لأصل إلى مستشفى، فلم أنظر، وإلا لكنت رأيت أنها أطلقت عليها النار.» روى العصامدي أنه استقل سيارة مدنية وطلب من السائق توصيلي إلى المستشفى، فتوجهوا إلى مستشفى إبن سينا الذي يبعد نحو خمسةِ مئات الأمتار. الصحفيون كانوا ظاهرين وليسوا تشكلاً تهديدياً للقوات الإسرائيلية، ولم يسبق إطلاق النار أي إنذار أو تحذير، بحسب قوله. وأضاف: «لو أبلغونا بضرورة المغادرة لرحلنا فوراً».

أشار إلى أن شيرين أُصيبت في الرقبة في مساحة ضيّقة مكشوفة بين خوذتها والسترة الواقية، ما استبعد احتمال أن يكون ما جرى حادثاً أو صدفة. وقال حرفياً: «هذا لم يكن حادثًا ولا مصادفة».

جاء قتل شيرين أبو عقلة في ظل تصاعد غارات إسرائيلية قاتلة في الضفة الغربية، في وقت سعت فيه حكومة رئيس الوزراء آنذاك إلى إظهار موقف صارم تجاه الفلسطينيين أمام ضغوط اليمين. قبل اندلاع الحرب الكارثية على غزة في أكتوبر 2023، أعلنت الأمم المتحدة أن عام 2022 كان الأسوأ للفلسطينيين في الضفة خلال 16 عاماً.

التعتيم
في أعقاب الحادثة روّجت قيادة إسرائيل روايات متضاربة: بادئ ذي بدء ادعاء زائف بأن المراسلة قُتلت على يد مسلحين فلسطينيين، مع نشر فيديوهات لاشتباكات تبعد شوارع عن موقع إطلاق النار. عندما انهارت تلك القصة، أشارت السلطات إلى فتح تحقيق، ثم أوردت لاحقاً أن هناك «احتمالاً كبيراً» لأن تكون أُصيبت بطريق الخطأ بنيران إسرائيلية — استنتاج يتناقض تماماً مع شهادات الشهود وتحقيقات وسائل إعلامية مستقلة التي خلصت إلى أنها كانت مستهدفة.

وصف محللون النمط بأنه نمط متكرر من الإنكار، التغطية، والتضليل: «أولاً يقولون لم نفعلها، ثم يلصقونها بغيرهم، ثم يعلنون أنهم سيحققون»، كما قال أحد المراقبين، موضحاً أن هذه المنهجية تعمل كوسيلة لتجنّب المساءلة وتغذية مناخ الإفلات من العقاب، وأن الولايات المتحـده باتت تتبنّى بعض خطوات هذا النهج عبر تحقيقات بطيئة لا تقدم إجابات نافذة.

يقرأ  «عاصمة المأكولات البحرية الأسترالية»مدينة ساحلية توفّر معيشة ميسورة ووجبات طازجة من صيد محلي

هذه الآلية ظهرت أيضاً في حالات أخرى لم تؤدِ فيها تحقيقات إسرائيلية أو أميركية إلى توجيه تهم، مثل مقتل مواطن أميركي شاب في الضفة على يد مستوطنين، رغم دعوة السفير الأميركي آنذاك إلى «تحقيق جاد»؛ وبعد عشرة أشهر لم تترجم التحقيقات إلى محاكمات. وثّق ناشطون حقوقيون حالات عدة لمواطنين أميركيين قُتلوا على يد قوات أو مستوطنين إسرائيليين منذ 2003، ولم تُحاسَب أي جهة فاعلة.

التغطية مستمرة
على مدى السنوات الأربع الماضية تصدّرت إسرائيل قائمة دول قاتلة للصحفيين وفق جماعات الدفاع عن حرية الصحافة. وفي مناسبات عدة نشر الجيش الإسرائيلي لقطات تنفيذ اغتيالات وادّعى خطأً أنها لأفراد ينتمون إلى فصائل فلسطينية أو لبنانية مسلحة. كما قتل هجمات إسرائيلية عدداً من صحفيي الجزيرة في غزة، من بينهم إسماعيل الغول وأنس الشريف.

وفي الضفة الغربية، حرية الصحافة تتعرّض للانحسار أيضاً؛ فقد أمضى الصحفي المذكور سنةً في الاعتقال الإداري لدى السلطات الإسرائيلية حيث تعرّض لسوء معاملة وفقدان وزن كبير قبل أن يُفرج عنه هذا الشهر. ولفت إلى تزايد اعتداءات المستوطنين العنيفة على الصحفيين، بدعم أو بتواطؤ عسـكري في بعض الحالات، ما نتج عنه إصابات وقيود على حرية التنقّل واعتقالات دون توجيه تهم.

خلال فترة قصيرة رفع الرئيس السابق عقوبات عن مستوطنين متطرّفين متهمين بالتحريض والاعتداءات على مدنيين فلسطينيين، في قرار اعتبره كثيرون تشجيعاً ضمنياً لسلوكيات عنيفة ضد الصحفيين والسكان. وتُفيد إحصاءات جمعيات حقوقية أن أكثر من أربعين صحفياً فلسطينياً لا يزالون في السجون الإسرائيلية.

ختاماً، شدّد الزملاء على أن الهدف من قتل شيرين واعتداءات أخرى هو إسكات الشهود ومنع توثيق الانتهاكات، لكنهم يقفون مصمّمين على الاستمرار في التغطية: «التغطية مستمرة، وصوت شيرين لن يصمت». وأكد كثيرون أن إرثها الصحفي والإنساني سيبقى مدرسة تُقتبس منها دروس لأجيال قادمة؛ فكانت، كما وصفوها، شعلة فلسطينية لا تنطفئ. لم تقم بإدراج أي نص. من فضلك أرسل النص الذي تريد إعادة صياغته وترجمته إلى العربية.

أضف تعليق