انطلاق مهرجان يوروفيجن هذا الأسبوع رغم دعوات المقاطعة بسبب مشاركة إسرائيل
ينطلق هذا الأسبوع مهرجان أغنية يوروفيجن، المسابقة الموسيقية الدولية السنوية التي تتابعها الملايين حول العالم، رغم مطالِب بعض الدول والمنظّمات بمقاطعتها على خلفية مشاركة إسرائيل. الحفل النهائي المباشر مُقرَّر أن يقام في 16 مايو في مدينة فينا، وسيُشكّل هذا العام الاحتفال بالذكرى السبعين للمسابقة.
الممثل الإسرائيلي نُعَم بتّان سَيُمثّل بلاده في فينا بأغنية بوب بعنوان “ميشيل”.
خمسة دول — جمهورية إيرلندا، هولندا، سلوفينيا، إسبانيا وآيسلندا — أعلنت مقاطعتها لهذه النسخة بسبب مشاركة إسرائيل، مشيرة إلى ما وصفته بـ”الحرب الإبَادِيّة” على الفلسطينيين في غزة، التي تسبّبت حتى الآن، بحسب بياناتهم، بمقتل ما لا يقل عن 72,740 شخصاً. إضافة إلى ذلك، وقع أكثر من ألف موسيقي وعامل ثقافي رسالة مفتوحة تدعو إلى مقاطعة المسابقة، ووجّهوا انتقاداً للمنظّمين متهِمين إياهم بالنفاق، خصوصاً بعدما مُنعَت روسيا من المشاركة نتيجة حربها في أوكرانيا.
لماذا تُسمَح إسرائيل بالمشاركة؟ هذا ما نعرفه:
ما هو مهرجان يوروفيجن؟
مهرجان أغنية يوروفيجن انطلق عام 1956، وينظمه الأتحاد الأوروبي للبث (EBU). حسب موقع المسابقة، تُنتج المسابقة بالتعاون بين الأتحاد وبُثّاته الأعضاء، وعلى وجه الخصوص المؤسسة البثّية العامة للدولة الفائزة في الدورة السابقة، والتي تقوم بدور المضيف. فازت النمسا بالنسخة الماضية بأغنية “Wasted Love” التي أدّاها الفنان JJ في بازل.
على الرغم من اسمه، لا تقتصر المسابقة على الدول الأوروبية فحسب؛ فكل دولة لها مؤسسات بث تقع عملياً في أوروبا مؤهلة للمشاركة، كما أن المنظّمين قد يوجّهون دعوات خاصّة. على سبيل المثال، دَعَت EBU في 2015 هيئة البث الخاصة بأستراليا (SBS) للمشاركة في الدورة الستين.
كانت إسرائيل أول دولة غير أوروبية تشارك في يوروفيجن عام 1973، واستضافت المسابقة في تل أبيب عام 2019.
قواعد المسابقة تتغيّر أحياناً، لكن المألوف أن تَقدّم كل دولة أغنية أصلية واحدة مدتها لا تتجاوز ثلاث دقائق، ويمكن أن يَعتلي المسرح لعرضها حتى ستّة فنّانين في التصفيات نصف النهائية وفي النهائيات.
هذه السنة تتنافس 35 دولة، من بينها إسرائيل، على جوائز الدورة السبعين ليوروفيجن.
من يَقاطِع المسابقة هذا العام؟
فور تأكيد الأتحاد الأوروبي للبث مشاركة إسرائيل في ديسمبر الماضي، بدأت أصوات دول وسياسيين وفنّانين تدعو للمقاطعة. في 4 ديسمبر، أعلن كلّ من هولندا وسلوفينيا وإسبانيا وآيسلندا وإيرلندا أنّها ستقاطع المسابقة إذا شاركت إسرائيل.
اتهَمت الهيئة الهولندية AVROTROS إسرائيل بـ”تدخّل مثبت” في مسابقة العام الماضي، وذكرت أيضاً “انتهاكاً خطيراً لحرية الصحافة” خلال حرب غزة، مؤكِّدة أن المشاركة تحت هذه الظروف لا تتوافق مع القيم العامة التي تلتزم بها منظمتها.
قالت هيئة البث الإيرلندية RTE إنها لن تشارك أيضاً، مشيرة إلى “الخسائر الفادحة في الأرواح والأزمة الإنسانية” في غزة كسبب لمقاطعتها.
أعلنت الهيئة الوطنية السلوفينية مقاطعتها “نيابة عن 20,000 طفل قضوا في غزة”، بينما أعلنت الهيئة الإسبانية العامة RTVE أيضاً عدم مشاركتها. وصرّح أمينها العام ألفونسو موراليس أن “الوضع في غزة، رغم وقف الأعمال القتالية والموافقات على مسار السلام، واستغلال المسابقة لأهداف سياسية من قبل إسرائيل، يجعل من الصعب بشكل متزايد الحفاظ على حياد يوروفيجن كحدث ثقافي”.
وبعد ذلك، في 10 ديسمبر، أعلنت هيئة البث الآيسلندية RUV انسحابها أيضاً من مسابقة 2026. «من الواضح من مجرى النقاش العام في هذا البلد ومن ردود الفعل على قرار الاتحاد الأوروبي للبث الأسبوع الماضي أنه لن يسود أي فرح ولا سلام بشأن مشارك RUV»، قال المدير العام للإذاعة ستيفان إيريكسون في بيان.
من يعترض على مشاركة إسرائيل؟
أمام تصفيات مسابقة يوروفيجن 2026 التي ستشارك فيها إسرائيل، اعتبرت أمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أغنيس كالامار أنّ «إخفاق اتحاد البث الأوروبي في تعليق مشاركة إسرائيل في يوروفيجن، كما فعل مع روسيا، عمل جبان وتجسيد لازدواجية صارخة في المعايير تجاه إسرائيل». وأضافت أنّ «بدلاً من إرسال رسالة واضحة تفيد بوجود ثمن تُدفعه إسرائيل على جرائمها البشعة ضد الشعب الفلسطيني، منح الاتحاد لإسرائيل هذه المنصة الدولية بينما تواصل ارتكاب جرائم إبادة في غزة والاحتلال غير القانوني وأشكال الأبارتهايد».
كما حذرت من أن «مشاركة إسرائيل في مسابقة يوروفيجن تمنحها منبراً لمحاولة تشتيت الانتباه وتطبيع جرائمها الجارية في قطاع غزة المحتل، وتحركاتها نحو مزيد من الضم في غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، ونظامها القائم على التمييز ضد الفلسطينيين».
سفين كون فون بورغسدورف، الممثل السابق لاتحاد الأوروبي لدى الضفة الغربية وقطاع غزة، قال إن أفعال كل من روسيا وإسرائيل ضد أوكرانيا والشعب الفلسطيني على التوالي وُجدت أنها تنتهك القانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان. وأشار إلى أن «النتيجة المنطقية ستكون تعليق مشاركة إسرائيل في المسابقة طالما تواصل الدولة احتلالها غير القانوني لأراضٍ فلسطينية، لأن ذلك لا يقمع الحقوق الفلسطينية فحسب، بل يوطد نظاماً يَحمل سمات الفصل العنصري أو الأبارتهايد، كما خلصت إليه محكمة العدل الدولية».
في أبريل وقع أكثر من ألف موسيقي وعامل في قطاع الثقافة رسالة دعت الدول لمقاطعة المسابقة واتهمت اتحاد البث بالنفاق لرفضه مشاركة روسيا بعد غزوها أوكرانيا في 2022، بينما لم يطبق نفس المعيار على إسرائيل. قالت الرسالة: «ردود الاتحاد المنافقة على جرائم روسيا وإسرائيل أزالت أي وهم عن ادعاء يوروفيجن بـ’الحياد’. ففي 2022 أعلن الاتحاد أن وجود روسيا سيُسئّ لسمعة المسابقة»، وأضافت: «مع ذلك، لم تُعدّ أكثر من 30 شهراً من الإبادة في غزة—إلى جانب التطهير العرقي وسرقة الأرض في الضفة المحاصرة—كافية لتطبيق نفس السياسة على إسرائيل».
نظمت حملة «لا موسيقى للإبادة» الرسالة، ووقعها فرق وفنانون معروفون منهم Kneecap وفنانون مثل روجر ووترز وبول ويلر وبالومة فيث وماكليمور، بالإضافة إلى فائزين سابقين باليوروفيجن مثل إميلي دي فورست وتشارلي ماكجتيغان.
في 2024، وقع بعض أعضاء البرلمان الأوروبي وسياسيون من حزب بوديموس الإسباني رسالة أشار فيها الموقّعون إلى أن يوروفيجن عاقب روسيا في 2022 لعدوانها على أوكرانيا، بينما فرض غرامة على آيسلندا لأن المتسابق الآيسلندي رفَع علماً فلسطينياً في مسابقة 2019 في تل أبيب. وقالت الرسالة إن «مشاركة إسرائيل تتناقض بوضوح مع القيم التي يدّعي الاتحاد الدفاع عنها، إذ تضلّل بشأن إسرائيل وتُخفي سلوكها الإبادِي».
فاز نيمو من سويسرا بمسابقة 2024، وتعهد بإعادة الكأس احتجاجاً على استمرار مشاركة إسرائيل. قال نيمو على إنستغرام في ديسمبر الماضي: «لم أعد أشعر أن هذه الكأس تنتمي إلى رفّي». وفي تضامن مماثل أعلن الفنان الإيرلندي تشارلي ماكجتيغان، الفائز في 1994، أنه يعتزم إعادة كأسه أيضاً. وكتبت حملة التضامن مع فلسطين في إيرلندا في 12 ديسمبر على وسائل التواصل الاجتماعي أن «خطوة نيمو في 2024 وتكرارها الآن تمثل تضامناً عظيماً مع الشعب الفلسطيني».
خلال نسختين متتاليتين من المسابقة احتجّ ناشطون مؤيدون للفلسطينيين على مشاركة إسرائيل في مدينتي مالمو السويدية 2024 وبازل السويسرية في مايو 2025.
هل هناك من يدعم إدراج إسرائيل في المسابقة؟
نعم. في ديسمبر الماضي أعلنت ألمانيا، الداعِم الكبير ليوروفيجن، أنها لن تنسحب من المسابقة إذا حُظرت إسرائيل، وقال مفوض الثقافة والإعلام الألماني وولفرام فايمر: «إسرائيل تنتمي إلى مسابقة يوروفيجن». ثم، في 15 أبريل من هذا العام، نشرت مبادرة غير ربحية مؤيدة لإسرائيل اسمها «المجتمع الإبداعي من أجل السلام» رسالة مفتوحة تؤيد مشاركة إسرائيل، ووقّعها أكثر من ألف شخص من صناعة الترفيه العالمية، بمن فيهم ممثلات وممثلون مثل آمي شومر ومِيلا كونيس وجيري أوكونيل.
جاء في الرسالة: «صُدمنا وخِبنا لرؤية بعض أعضاء مجتمع الترفيه يدعون إلى نفي إسرائيل من المسابقة رداً على أعظم مذبحة لليهود منذ المحرقة». وأضافت: «نعتقد أن الفعاليات الموحدة مثل مسابقات الغناء ضرورية للجسر بين انقساماتنا الثقافية وتوحيد الناس من كل الخلفيات عبر حبهم المشترك للموسيقى»، وأن «من يدعون إلى استبعاد إسرائيل يقوّضون روح المسابقة ويحوّلونها من احتفال بالوحدة إلى أداة سياسية».
مع ذلك، أشار فون بورغسدورف إلى أن المطالبة باستبعاد إسرائيل «لا تتعلق بعقاب الفنانين الإسرائيليين، بل بضمان ألا تتمكن حكومة من تسخير منصة يوروفيجن للدعاية وتحسين صورتها بينما تواصل ارتكاب انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وقانون الحرب في غزة والضفة الغربية».
سنجيف كومار، ناشط مؤيد للفلسطينيين مقيم في بلجيكا، قال إن السماح لإسرائيل بالمشاركة يعود إلى دعم حكومات أوروبية—بتنسيق مع جمعيات الإذاعة الوطنية والاتحاد الأوروبي للبث—لما يجري في غزة وهجماتها المتواصلة في الضفة الغربية والآن لبنان. وأردف أن «الدليل على ذلك ظاهر في موقف ألمانيا التي هددت بالانسحاب إذا حُظرت إسرائيل. علاوة على ذلك، الاتحاد أخلاقياً مفلس ومؤسسياً عاجز». لماذا طُرِدَت روسيا؟
قال إن طرد روسيا جاء نتيجة تهديدات حكومات ووسائل إعلام بمقاطعة الاتحاد الأوروبي للبث، ما وضع القرار عملياً في خانة الخيار المطروح لهم. وأضاف كومار أن ردود الأفعال تجاه أوكرانيا وفلسطين تكشف عن مرارة وفراغ مشوّه في القيم الأوروبية التي أثّرت على البشرية طوال الأربعمائة عام الماضية.
كيف تعامل الاتحاد الأوروبي للبث مع الضغوط لاستبعاد اسرائيل من المسابقةة؟
تعرض الاتحاد الأوروبي للبث، الجهة المنظمة لمسابقة يوروفيجن للأغنية، لضغوط متزايدة لإقصاء اسرائيل منذ اندلاع ما وصفته تقارير بانتهاكات واسعة في غزة. وسلطت الأنظار أيضاً على نظام التصويت بعد أن حظي يوفال رافائيل، ممثل اسرائيل في العام الماضي، بمركز ثانٍ في تصويت الجمهور رغم حصوله على درجات أقل من لجان التحكيم.
في نوفمبر الماضي أرسل الاتحاد رسالة إلى أعضائه تشير إلى أن تصويتا استثنائيا عبر اجتماع عام على الإنترنت سيُعقد في أوائل نوفمبر ليُقرر مشاركة اسرائيل. وأوضح متحدث باسم الاتحاد أن المطلوب كان التصويت على مشاركة كان، الهيئة الإذاعية العامة الإسرائيلية وعضو الاتحاد؛ مشيراً إلى أن قرار الإقصاء يتطلب «أغلبية مطلقة» لتمريره.
قال مارتن غرين، مدير المسابقة، في بيان نشر في نوفمبر 2025 إن «حياد ونزاهة يوروفيجن أمران حيويان للاتحاد وأعضائه وجمهوره»، مؤكدًا أن «عدالة المسابقة محمية دائماً». وأضاف أن الاتحاد يتخذ خطوات واضحة وحاسمة لضمان بقاء المسابقة احتفاءً بالموسيقى والوحدة، وأن المسابقة يجب أن تبقى مساحة محايدة لا تُستَغَل سياسياً.
ثم، في 4 ديسمبر وبعد اجتماعها السنوي، منحت اللجنة الضوء الأخضر لشارك اسرائيل وذكرت أن «غالبية كبيرة من الأعضاء توافقوا على عدم الحاجة لتصويت إضافي بشأن المشاركة وأن مسابقة يوروفيجن 2026 ينبغي أن تجرى كما هو مخطط، مع وجود ضوابط إضافية». ورحّب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بالقرار في منشور على منصة إكس في 4 ديسمبر قائلاً: «إسرائيل تستحق التمثيل على كل مسرح في العالم، وهو سبب أؤيده بشكل كامل وفعّال».
يرى كريس ويست، مؤلف كتاب «يوروفيجن: تاريخ أوروبا الحديثة عبر أعظم مسابقة غنائية في العالم»، أن الاتحاد قد يرغب في حماية كان لأن «الغاية الأساسية للاتحاد هي دعم هيئات الإذاعة العامة». وأضاف أن الاتحاد حريص أيضاً على ألا يُقَدَّم كقاضٍ للمشروعية الجيوسياسية للأفعال؛ ولو أن تهديدات المقاطعة صدرت من مزيد من البثّيات لربما اضطر لتغيير موقفه، لكنه أشار إلى أن المسابقة يمكن أن تستمر بسهولة حتى لو غاب عنها خمسة مشاركين.
وأشار أيضاً إلى أن الجدل حول كون المسابقة منصة سياسية مستمر منذ زمن طويل. ففي سبتمبر ناقش أعضاء الاتحاد «السياق العالمي المتزايد التعقيد» الذي تُقام فيه يوروفيجن، وقالوا في بيان إن «مسابقة يوروفيجن، مثل كثير من الفعاليات الأخرى، ليست بمنأى عن ضغوط السياسة العالمية». وتذكّر ويست بأن المسابقة وُلدت في 1956 كجزء من حركة تقارب بين الدول الأوروبية لتفادي تكرار الحروب التي دمرت القارة.
طلبت الجزيرة تعليق الاتحاد، ولم ترد عليها أية إجابة.
ما الذي سيحدث بعد ذلك؟
رحب بريان دونيلي، ناشط حقوقي من إيرلندا وناقد سابق ليوروفيجن، بمقاطعات بعض الدول للمسابقة هذا العام، وقال للجزيرة إنه مع أن الوقت بات متأخراً، فإن تلك الخطوة تُعَد تحركاً في الاتجاه الصحيح. ولفت إلى أن العديد من الدول الأوروبية اعتنقت ما سماه «استثنائية إسرائيل» وتبدو «مرتاحة جداً» لإغماض العين عن ما يجري في فلسطين؛ ورأى أن يوروفيجن ما هي إلا امتداد لذلك.
أعرب دونيلي عن حماسه لحضور فعالية «متحدون من أجل فلسطين» في بروكسل الأسبوع المقبل، بديلًا عن المسابقة الرسمي، والتي ستشارك فيها عدة وجوه سابقة في يوروفيجن وتنسجم أكثر مع قناعاته.
من جانبها، تقول سيارا غرين، التي تصف نفسها أيضاً بأنها من المعجبين السابقين بالمسابقة، إنها مقاطعة ليوروفيجن منذ 2024. وأضافت أنها تتطلع إلى احتفالات بديلة في بلجيكا، حيث سيُعرض بث المسابقة لكن تُقام فعالية بديلة تضامناً مع الشعب الفلسطيني بمشاركة غوستاف وجيكي أرنايرت اللذين مثّلا بلجيكا سابقاً، وهو ما يتماشى أكثر مع معتقداتها الشخصية.