تفشّي فيروس الهنتا: كيف يختلف عن كوفيد–١٩ أخبار الصحة

آخر ركاب سفينة الرحلات MV Hondius التي ضربها تفشٍ لفيروس هانتا نُقلوا جواً إلى هولندا، لكن حالات جديدة ظهرت بينما يسارع الباحثون لتتبع مصدر التفش. ومع سعي السلطات لتنظيم عزل صحي وتأمين خدمات طبية للركاب، شهدت بعض المجتمعات التي وصل إليها المسافرون احتجاجات وغضباً خشية التعرض للعدوى.

ما الذي يثير القلق؟
في صميم مخاوف الناس تجربة العالم مع جائحة كوفيد‑19 قبل ست سنوات، والتي أجبرت دولاً بأسرها على الإغلاق وأسفرت، حسب تقديرات، عن ملايين الوفيات خلال عامين. ومع ذلك يؤكد الخبراء في الصحة العامة أن فيروس هانتا مختلف جوهرياً عن كوفيد‑19 من حيث آلية الانتقال، وشدة المرض، واحتمال أن يسبب أزمة عالمية مماثلة. قال مدير عام منظمة الصحة العالمية بوضوح إن الخطر الحالي الناتج عن هانتا منخفض، وأن هذا ليس وباء كوفيد آخر.

ما هو فيروس هانتا؟
فيروسات هانتا هي عائلة من الفيروسات تسبب مرضين رئيسيين لدى البشر: متلازمة الرئة المرتبطة بالهانتا (HPS) التي تصيب الجهاز التنفسي، والحمى النزفية مع متلازمة كلوية (HFRS) التي تؤثر في المقام الأول على الكلى. أُكتُشِف أول فيروس من هذه العائلة بالقرب من نهر هانتان في كوريا عام 1978، فيما كان المرض المعروف آنذاك بالحمى النّزفية الكورية قد سبَّب إصابات بين جنود الأمم المتحدة خلال الحرب الكورية في أوائل خمسينيات القرن الماضي.

ينتقل الفيروس بشكل رئيسي عن طريق القوارض التي تحمل الفيروس في بولها ولعابها وبرازها. عندما تجفّ هذه الإفرازات وتتعفَّن أو تتحرر جزيئاتها في الهواء، يمكن للإنسان أن يصاب باستنشاق هذه الجسيمات الملوثة. ويُعدّ HPS الأخطر من حيث الوفيات، إذ تصل نسبة الوفاة إلى نحو 40% تقريباً بحسب مراكز السيطرة على الأمراض الأميركية، بينما تتراوح نسب وفيات HFRS في الدراسات بين حوالي 1% و15%.

تبدأ متلازمة الرئة بعد عادة بأعراض شبيهة بالإنفلونزا—تعب وحمى—خلال فترة تتراوح بين أسبوع وأربعة أسابيع بعد التعرض (تُسجل أحياناً الفترة من أسبوع واحد حتى ثمانية أسابيع). وبعد أربعة إلى عشرة أيام من الأعراض الأولية قد تظهر سعال وضيق نفس وتجمع سوائل في الرئتين. التشخيص خلال أول 72 ساعة صعب وقد يُلتبس بالإنفلونزا.

تاريخياً، تشير الأبحاث إلى أن فيروسات هانتا كانت متداولة لقرون مع تسجيل بؤر في أجزاء من آسيا وأوروبا. وفي أوائل التسعينيات ظهر طيف جديد من فيروسات هانتا في جنوب غرب الولايات المتحدة، مسبباً مرضاً رئوياً شديداً عُرف لاحقاً بمتلازمة الرئة المرتبطة بالهانتا، وبدأت مراكز السيطرة الأميركية تتبّع المرض بعد تفشٍ عام 1993 في منطقة “فور كورنرز”.

هل ينتقل الفيروس من إنسان إلى إنسان؟
سلالة الأنديز من فيروس هانتا، المرتبطة بمتلازمة الرئة، هي الوحيدة التي وُثّق انتقالها بين البشر إلى حدّ محدود. السلالة التي رُصدت بين ركاب MV Hondius كانت سلالة الأنديز، وهي السائدة في تشيلي والأرجنتين. وفق المنظمة وخبراء الصحة العامة، فإن انتقال العدوى من إنسان لآخر نادر ويحتاج إلى اتصال وثيق وممتدّ—مثل التعايش في نفس المنزل أو احتكاك حميم—ولا يحدث عبر التعامل الاجتماعي العابر كما في الفيروسات المحمولة جوّياً ذات الانتشار السريع.

يقرأ  مكابي تل أبيب يمتنع عن استلام تذاكر مواجهة بدوري أوروبا في بريطانيا

يقول علماء الفيروسات إن طفرات نادرة قد تسمح بحدوث حالات انتقال إنسان‑لإنسان في ظروف خاصة وطويلة المدى، بينما تُصبح العدوى النّاتجة عن القوارض أكثر تكراراً في بعض المناطق نتيجة لتغيرات مناخية، لكن هذه عادة ما تظل أحداثاً محلية.

آخر المستجدات
أكدت منظمة الصحة العالمية مؤخرًا تسجيل الإصابة الحادية عشرة الناجمة عن تفشّي MV Hondius بعد إعلان إسبانيا أن راكباً إسبانياً اختبرت عينته إيجابية. الإعلان تلاه مباشرة إتمام عملية إخلاء السفينة، حيث هبطت طائرتان تحملان آخر 28 شخصاً إلى هولندا، مختتمة عملية معقّدة أُعيد فيها إلى أوطانهم حوالي 94 شخصاً من نحو 20 دولة، ووُلِّى معظمهم فترات حجر صحي ومراقبة طبية.

في الولايات المتحدة، قال مسؤولون إن واحداً من 18 راكباً أميركياً نُقلوا تمّ تشخيصه إيجابياً في وحدة احتواء حيوية في نبراسكا، في حين يخضع الآخرون للمراقبة والاختبارات بعد تعرض محتمل. أُرسيت سفينة MV Hondius عند ميناء في تينيريفي لتنظيم الإخلاء؛ كانت قد أبحرت من أميركا الجنوبية في الأول من نيسان، وكان على متنها عند مغادرتها الأرجنتين 150 شخصاً من 23 دولة، نزل بعضهم قبل وصولها إلى جزر الكناري.

ثلاث حالات وفاة رُبطت بالتفشّي على متن السفينة، بينها زوج هولندي وسائح ألماني. والسفينة في طريقها الآن إلى هولندا لعمليات تعقيم.

تقدّر أجهزة رقابية أوروبية، من بينها المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها، أن بعض الركاب قد أصيبوا بالفيروس أثناء تواجدهم في الارجنتين قبل الصعود على متن السفينة، إذ يُعتبر هانتا متوطناً في بعض مناطقها—أي موجوداً بصورة مستمرة وبانتشار متوقع نسبيًا هناك.

بينما تستمر عمليات النزول والإخلاء الطبي، تؤكد الجهات الصحية الدولية على ضرورة الحفاظ على تدابير الوقاية المعقولة—خصوصاً التحكم بالآفات والقوارض، وتهوية المخازن والأماكن المغلقة، واستخدام معدات الحماية عند التعامل مع مواد قد تكون ملوثة—مع الإشارة إلى أن الخطر العام لا يرتقي حالياً إلى مستوى جائحة عالمية. عند النزول من السفينة، يُعامل الجميع باعتبارهم من ذوي المخطر العالية ويُعادون إلى أوطانهم عبر رحلات جوية غير تجارية، سواء ظهرت عليهم أعراض أم لا.

تواصل المؤسسة الأوروبية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (ECDC) عملها عن كثب مع دول الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية ومنظمة الصحة العالمية وشركاء آخرين لدعم استجابة منسقة وتبادل المعلومات. وبالنسبة لهذا التفشّي، تواصلت ECDC سريعًا مع مختبر المرجع الأوروبي للصحة العامة للأمراض الفيروسية الناشئة المحمولة بواسطة القوارد والمسببة للأمراض الحيوانية المنشأ لتقديم الدعم للدول الأعضاء وضمان تشخيص سريع وعالي الجودة.

يرى الخبراء الطبيون أن الإجراءات التي تتَّخذها الحكومات حاليًا مناسبة.

«عزل الأفراد ذوي التعرض المحتمل أمر هام، وينبغي أن يكون العزل واسع النطاق لأن الفيروس قد يتميّز بفترة حضانة تستمر لأسابيع عدة قد يظل خلالها غير قابل للكشف»، قال ستراندين.

يقرأ  ٤٠ نشاطًا ذكيًا وأفكارًا مبتكرة وممتعة لتعليم القسمة

كيف تختلف فيروسات هانتا عن كوفيد‑19؟

تعد فيروسات هانتا والفيروسات التاجية —التي تتضمن عدة سلالات مَرَضية مسؤولة عن كوفيد‑19— فيروسات رنا (RNA)، أي أنها تستخدم الرنا كمادةٍ وراثية بدلاً من الدنا. ومع ذلك، ثمة اختلافات بنيوية أساسية بينهما.

تتمتع الفيروسات التاجية ببروتين شوكي بارز يبرز من سطحها ويمنحها مظهرًا تاجيًا. أما فيروسات هانتا فغطاؤها الخارجي مكوَّن من لُوامس تُسمى جليكوبروتينات تشكل نمطًا شِبْكِيًا. والجليكوبروتين هو جزيء يتألف من جزء بروتيني وآخر سكري.

هذا الاختلاف البنيوي هو في المقام الأول السبب في أن كوفيد‑19 شديد العدوى بينما فيروسات هانتا أقل قابلية للانتقال بكثير. فالبروتين الشوكي لكوفيد‑19 يسمح له بالالتصاق بالخلايا البشرية.

تملك الخلايا البشرية هياكل بروتينية صغيرة تُعرف بمستقبلات ACE2 (إنزيم المحول للأنجيوتنسين 2) التي تعمل كمراسي لبعض الفيروسات. وقد تكيف بروتين الشوكة في فيروس كوفيد‑19 ليلتصق بسهولة بمستقبلات ACE2، المتوفرة بكثرة في الجهاز التنفُّسي العلوي، بما في ذلك الأنف والحنجره.

عند الالتصاق بهذه المستقبلات، يستطيع الفيروس أن يتكاثر بسرعة داخل الخلايا فينتج نسخًا عديدة يمكن أن تُطرد عبر السعال أو العطس في صورة قطرات أو رذاذ هوائي يحمل الفيروس. وقد يستنشق شخص آخر هذه القطيرات فيدخل الفيروس أنفه وحلقه ورئتيه مسببًا العدوى.

أما الجليكوبروتينات في بنية فيروس هانتا فلا تلتصق بمستقبلات ACE2، بل ترتبط ببروتينات مستقبلية أخرى تعرف بالإنتغرين β3، الموجودة على سطح خلايا الإنسان. وعلى خلاف مستقبلات ACE2، تتواجد إنتغرينات β3 عميقًا في الرئتين وعلى البطانة الداخلية للأوعية الدموية، وبالتالي تُصيب فيروسات هانتا بصورة أساسية الجهاز التنفسي السفلي وبطانة الأوعية الدموية محدثة تسربًا ومرضًا خطيرًا هناك. لذلك، إن عطس أو سعال شخص مصاب بفيروس هانتا قد يحمل بعض الفيروس في قطراته لكنه عادةً بكميات قليلة، ما يساعد على تفسير ندرة الانتقال بين البشر.

إضافة إلى ذلك، يُصنَّف فيروس كوفيد‑19 كفيروس رنا ذا معنى موجب (positive‑sense)، وهذا يعني أنه فور دخوله الخلايا البشرية يبدأ فورًا في النسخ والتكاثر. أما فيروسات هانتا فهي فيروسات رنا ذات معنى سالب (negative‑sense)، وتحتاج إلى خطوة إضافية لتحويل رناها إلى الشكل الموجب قبل أن تبدأ بالنسخ.

لفيروس كوفيد‑19 فترة حضانة قصيرة، تمتد عادةً من يومين إلى أربعة عشر يومًا، ما يسهل انتشاره بسرعة. أما فيروسات هانتا ففترة حضانتها أطول، تمتد من أسبوع إلى ثمانية أسابيع، وهو ما يبطئ انتقالها النسبي.

مع ذلك، قال ستراندين إن كوفيد‑19 «يخضع عادة لسيطرة أفضل لدى الأفراد الأصحاء سابقًا»، بينما «يمكن لفيروسات هانتا أن تُسبب إصابات شديدة حتى لدى الأشخاص الشباب الأصحاء».

وإذا نجح فيروس هانتا في إصابة الممرات الهوائية العليا، يصبح من الأسهل أن يغادر الجسم مع قطيرات التنفس أو الكلام أو السعال أو العطس. وبما أن سلالة الأنديز هي واحدة من قِلَّة فيروسات هانتا الموثقة بانتقالها من شخص إلى آخر، فقد تكون متحورًا يمكّنه من إصابة الممرات الهوائية العليا، وفقًا لستراندين.

يقرأ  إدارة ترامب: فنزويلا أفرجت عن مواطنين أميركيين كانوا محتجزين لديها

«قد تختلف سلالة أنديز عن غيرها من فيروسات هانتا بقدرتها المحتملة على إصابة المجاري الهوائية العليا نتيجة لحِمولات فيروسية جهازية عالية، لكن هذا نادر الحدوث»، أضاف.

ما مستوى الاحتياطات اللازم لمنع انتشار سلالة الأنديز؟

قال سبيتيري إنه يجب فحص الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض بسرعة وإذا استلزم الأمر نقلهم إلى مستشفيات قادرة على تقديم رعاية مركزة.

«يُجرى اختبار لأي شخص ظهرت عليه أعراض بعد مغادرته السفينة، لكن نتيجة سلبية لا تستبعد الإصابة دائمًا، لذا يبقى المتابعة مهمًا»، أوضح.

وأضاف أن العاملين في الرعاية الصحية المكلفين بالمرضى المصابين ينبغي أن يستخدموا معدات الوقاية الشخصية لمنع الانتقال عبر الاتصال القريب، وهناك حاجة إلى احتياطات أشد إذا كانت الإجراءات العلاجية قد تُنتج جزيئات جوية محمولة.

«تلقى الركاب الذين غادروا السفينة تعليمات واضحة حول ما يجب فعله والأعراض الواجب مراقبتها إلى أن يؤكد الأطباء ما إذا كانوا مُصابين. ويجب مراقبة الركاب وأفراد الطاقم الذين قد يكونون تعرضوا للأعراض بعد مغادرتهم السفينة وإحالتهم للرعاية الطبية عند الحاجة»، قال. «وبحسب المشورة العلمية لـECDC، يتطلب الأمر عزلًا طبيًا فورياً، وفحوصات ورعاية طبية للأشخاص الذين لديهم أعراض، أما الذين لا تظهر عليهم أعراض فيُطلب منهم الخضوع للحجر الصحي ومراقبة أنفسهم لرصد أي أعراض لمدة تصل إلى ستة أسابيع».

هل يمكن لفيروس هانتا أن يسبب الجائحة القادمة؟

قال الخبراء إن فرص الانتقال من إنسان لآخر ضئيلة للغاية، مما يجعل من شبه المستحيل أن تتسبب فيروسات هانتا في جائحة مقبلة.

الجائحة هي وباء سريع الانتشار يطال العديد من الدول. إلى جانب كوفيد‑19، شملت جوائح سابقة إنفلونزا H1N1 (إنفلونزا الخنازير) التي أعلنتها منظمة الصحة العالمية جائحة في 2009، فضلاً عن موجات تاريخية من الطاعون والكوليرا.

وذكر سبيتيري أن خطر فيروسات هانتا على عامة السكان في أوروبا لا يزال منخفضًا.

«لا يُتوقع انتشار واسع النطاق. وأي انتقال محتمل من المرجح أن يبقى محدودًا بسبب الحاجة إلى اتصال وثيق ولأن تدابير الوقاية والسيطرة قيد التطبيق»، قال سبيتيري.

«يتم الانتقال عادة عبر القوارض، بينما ينتقل بين الأشخاص فقط في حالات اتصال وثيق ونادرة. ونظرًا لغياب المستودع الطبيعي في أوروبا، لا يُتوقع انتقالًا من القوارض إلى البشر».

«لا ينبغي للناس أن يهلعوا لأن الانتقال من إنسان لآخر نادر جدًا لدرجة تجعل الجائحة أمرًا مستحيلًا»، قال ستراندين.

وأضاف أن طول فترة الحضانة يمنح وقتًا إضافيًا لعزل الأفراد المعرضين، ويمكن السيطرة على انتشار الفيروس بفاعلية. لم يتم تضمين أي نص في رسالتك. رجاءً الصق النص الذي تريد إعادة صياغته وترجمته إلى العربية.

أضف تعليق