وفاة رسّام رفض الخضوع للمألوف عن عمر يناهز 84 عاماً

توفيت الفنانة ماري لوفليس أونيل يوم الأحد في مريدا بالمكسيك عن عمر يناهز أربعة وثمانين عاماً. أعلن عن خبر وفاتها كل من غاليري Jenkins Johnson وMarianne Boesky يوم الأربعاء.

كانت لوحات لوفليس أونيل تجريدية إيمائية، تتسم بضربات فرشاة متشابكة وممتلئة بالرطوبة والتململ، أسلوب أبقاها خارج أحكام تقاليد المينيمالية السائدة حين نضجت فنياً في ستينيات القرن الماضي، كما جاءتها متأخرة نسبياً عن موجة التعبيرية التجريدية لتصنَّف معها. لكنها لم تكن تعتبر نفسها تابعـة أيّ من الحركتين؛ بل اعتبرت، كما صرحت في مقابلات، أنها تستمتع بالوقوف بعيداً عن أهواء المدارس الفنية الرائجة. «أنا متردِّدة أن أصف نفسي تعبيريّة تجريدية أو مينيمالية؛ أصف نفسي رسّامة»، قالت لصحيفة نيويورك تايمز في 2020، مضيفة: «التمرد من طبعي».

في ستينيات القرن الماضي، وبينما كانت طالبة ماجستير في فنون جميلة في كولومبيا، دخلت إلى متجر ألوان في نيويورك واشترت خمسة أكياس من مسحوق الأسود الفحمي (lamp black). أحد أساتذتها، ستيفن جرين، الذي سبق أن علّم فرانك ستيلا، لم يَأْعجب بتجريداتها، فأسهم ذلك في أن تفرك المسحوق على قماشها الأبيض بالممحاة السوداء لسبورة، فغطته بصبغة سوداء صار خلفيةً لخطوط باهتة من الباستيل — «كنت أفرك ذلك المسحوق على القماش بممحاة السبورة وأحصل على أكثر لوحة مسطحة على الإطلاق»، قالت لفنانة أخرى، وأضافت: «وستكون أيضاً أكثر لوحة سُواداً».

كانت تلعب على كلمة «السواد/الـBlackness» لتواجه نقد بعض زملائها السود الذين كانوا يتهمون أعمالها بعدم «الانتماء الأسود» الكافي. رأت أن هؤلاء امتنعوا عن تناول إشكال التجريد المنبثقة من أفريقيا، وأن لوحاتها تجيب على السؤال الاجتماعي عن السودوية وكذلك على السؤال النظري عن ما يعنيه أن تكون هناك «لوحة سوداء».

في أواخر السبعينيات اتجهت في مسار مختلف تماماً. في 1979 أنجزت سلسلة تجريدية عنوانها «الحيتان وهي تتزاوج» استلهمتها من رؤيتها لهجرات الحيتان بينما كانت واقفة على شاطئ في منطقة الخليج في كاليفورنيا، حيث أمضت جزءاً كبيراً من مسيرتها المهنية. «بدأت أتساءل عن كمّ الماء الهائل الذي سينفجر في الهواء عندما تتزاوج»، قالت في حديث لها؛ «لم أستطع إخراج تلك الصورة من رأسي».

يقرأ  روزالين دريكسلرفنانة البوب وموسوعية متعددة المواهب — توفيت عن عمر يناهز 98 عاماً

ظهرت أعمال «الحيتان وهي تتزاوج» في بينالي ويتني 2024، الذي ضم عدداً قليلاً من الرسامين. قبل هذا العرض لم تكن لوفليس أونيل شخصية ذات بروز كبير لدى الجمهور العام، رغم علاقاتها الوثيقة مع ناشطين وفنانين في ستينيات القرن الماضي؛ لكن معرضها في غاليري Mnuchin بنيويورك عام 2020 ساهم في تغيير ذلك القدر من الغياب.

نقّاد من بينهم جان أفجيكوس كتب في مراجعة لمعرضها في Artforum أن «فن أونيل مهم على واجهات متعددة، ليس أقلها أنه يُصرّ على الدمج الجمالي لتجارب وأساليب كان يُعتقد أنها متبادلة الاستبعاد».

ولدت ماري لوفليس أونيل في جاكسون بولاية ميسيسيبي عام 1942. كانت طفولتها متنقلة جزئياً لأن والدها ترأس أقسام الموسيقى في عدة جامعات، من بينها جامعة ولاية أركنساس. بناءً على إلحاح عائلتها، التحقت بجامعة هاوارد كمقبلة، وهناك التقت بستوكلي كارمايكل الذي أصبح شريكها العاطفي، وأسهما معاً في تشكيل مجموعة العمل اللاعنفي، مستلهمين تحركات لجنة تنسيق الطلبة اللاعنيفة (SNCC). تذكرت لوفليس أونيل في مقابلة أن جيمس بالدوين صار مرشداً وصديقاً لها خلال سنواتها في هاوارد، وأن وعيها السياسي تصاعد في تلك الفترة — «ولدت وأنا أحتجّ»، كما قالت.

أحد أساتذتها في هاوارد، ديفيد دريسكل، أوصاها بإقامة فنية في مدرسة سكوهيغان للرسم والنحت في مين عام 1963، حيث تعرّفت هناك على صبغة الأسود الفحمي، ثم واصلت دراستها في برنامج الماجستير بفنون جميلة في كولومبيا وتخرجت عام 1969.

عبر SNCC تعرفت على جون أونيل الذي تزوجته عام 1965. بقيت منخرطة في النشاط السياسي وقَضَت «بضع مرات» في السجن، كما اعترفت. لكنها كانت تعلم أن لوحاتها تختلف عن الأعمال السياسية المطبوعة التي أنتجها رفاقها الأكثر انخراطاً سياسياً: «كنت مُسرّة للغاية من الأعمال السياسية الجميلة التي كان يصنعها طبّاعون تشيليون ومكسيكيون وأمريكا الجنوبية، لكني لم أتمكن أن أفعل ذلك؛ كل ما كان بوسعي أن أقدمه هو أن أضع جسدي في الخط الأول».

يقرأ  مجموعة القراصنة «قيلين» تعلن مسؤوليتها عن الهجوم الإلكتروني على صحيفة أساهي

في 1969 غادرت نيويورك لشعورها أنها أصبحت «مرعبة» كما قالت، وانتقلت إلى سان فرانسيسكو حيث عملت في معهد سان فرانسيسكو للفنون، وكانت تحتاج إلى مرسم بعد طلاقها من زواجها الأول. في 1978 بدأت التدريس في جامعة كاليفورنيا في بيركلي وظلت هناك حتى تقاعدها في 2006. التقت بباتريشيو مورينو تورو في رحلة إلى المغرب عام 1984، وكان هو من تبقى على قيد الحياة بعد وفاتها.

رأت لوفليس أونيل أن الاعتراف الذي حظيت به في سنواتها المتأخرة كان -بطريقة ما- نعمة؛ إذ منحتها فترة غياب الشهرة حرية تغيير أساليبها وتجربة خيوط جديدة دون ضغوط «عندما تحقق النجومية مبكراً تشعر أنك لا تستطيع تغيير أسلوبك. لم يكن ذلك حالتي. كنت أستطيع أن أتبع أي خيط أجدُه. كنت أجلس على شيء لأشهر أو سنوات؛ ثم يخرج منه شيء أثناء هذه الحضانة».

وختمت نصيحتها للراغبين في لفت الانتباه النقدي: «لا تنتظروا».

أضف تعليق