مجلس السلام الذي أطلقه رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب في يناير لإدارة وإعمار قطاع غزة يواجه نقصًا حادًا في السيولة يهدد بعرقلة خطة إعادة الإعمار الطموحة التي تبلغ قيمتها 70 مليار دولار للمحافظة المُدمرة.
أفاد مجلس السلام، الذي تقوده الولايات المتحدة، بوجود فجوة حرجة بين التعهدات المالية والصرف الفعلي، محذرًا من أزمة سيولة عاجلة، بحسب تحقيق لوكالة رويترز. لكن مراقبين للشأن الإنساني الدولي قالوا إن هذا العجز في التمويل ليس مفاجئًا ولا مجرد إخفاق إداري؛ بل هو نتيجة للخلافات الجوهرية حول هيكل المجلس، وغياب أفق سياسي قابل للحياة لدولة فلسطينية، واستمرار التوسع العسكري الإسرائيلي في أرجاء القطاع المحاصر.
قال معاذ العمودي، خبير في المساعدات الدولية للفلسطينيين، لقناة الجزيرة إن التعهدات المعلنة إعلاميًا أقرب إلى عروض تلفزيونية منها إلى جهود إنسانية حقيقية. وأضاف: «من أصل 17 مليار دولار تم التعهد بها، السيولة الفعلية التي وصلت إلى الأرض تساوي صفرًا. المانحون يخشون التعامل مع مجلس لا يحمل رؤية سياسية ويصادر غزة كمنطقة حماية أمنية أمريكية».
تاريخ الوعود الفارغة
الفجوة بين التعهدات والصرف واقعة متكررة في السياق الفلسطيني، لكن الولايات المتحدة لها سجل سيئ بشكل خاص في هذا المضمار، وفقًا لما أشار إليه العمودي. بعد اتفاق أوسلو 1993، نفذت الدول المانحة نحو 70% فقط من التزاماتها. آنذاك حلت الولايات المتحدة في المرتبة الثالثة من حيث الصرف خلف الاتحاد الأوروبي والدول العربية، بينما وفّى الاتحاد الأوروبي بما يزيد على 95% من وعوده. وكذلك، بعد حرب 2014 على غزة، لم يتجاوز صرف المبالغ الموعودة في مؤتمر القاهرة نسبة 46% بعد مرور ثلاث سنوات على التعهد.
اليوم تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فبدلًا من توجيه المساعدات إلى كيان سياسي معترف به مثل السلطة الفلسطينية، يقضي دور مجلس السلام عمليًا على طموحات الفلسطينيين السياسية ويقيد دوره في إدارة عملية الإعمار.
«الوصاية التجارية» والمقاعد بمليار دولار
يرجع كثير من التردد الدولي إلى بنيان مجلس السلام ذاته. تحقيقات الجزيرة السابقة كشفت أن المجلس يعمل بهيكل ثلاثي معقد يهيمن عليه مليارديرات أمريكيون وشخصيات مناصرة لإسرائيل، من أمثال مارك روان وستيف ويتكوف ووزير الخارجية ماركو روبيو وصهر ترامب جاريد كوشنر.
لعب كوشنر دورًا في اتفاقات إبراهيم التي أقرت تطبيعًا مشروطًا بين إسرائيل وعدد من دول عربية؛ وعبّر سابقًا عن رؤية تُقلل من قدرة الفلسطينيين على الحكم الذاتي، ووصف غزة بأنها «عقارات واجهة بحرية ثمينة» في خضم الحرب الإسرائيلية التي أودت بحياة أكثر من 72 ألف فلسطيني. يتضمن ميثاق المجلس بندًا مثيرًا للجدل يسمح للدول بتجاوز فترة العضوية الاعتيادية ثلاث سنوات وتأمين «مقعد دائم» مقابل مساهمة مالية بقيمة مليار دولار، ما اعتبره العمودي نموذجًا لـ«الوصاية التجارية» و«ابتزازًا غير أخلاقي».
وأضاف العمودي: «الولايات المتحدة تريد مجتمع مانحين يعمل كمنظف لجرائم ومجازر الحرب الإسرائيلية. الدول بدأت تدرك أن واشنطن تدخلها في وهم التنمية لتمويل مشروع لا يريده الفلسطينيون ولا المجتمع الدولي».
الإغاثة الإنسانية كابتزاز سياسي
أزمة التمويل مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بشروط المجلس السياسية والأمنية الصارمة. فالخطة الأمريكية المكوّنة من ثلاث مراحل تشترط نزع السلاح الكامل لحماس وفصائل فلسطينية تحالفية قبل صرف أموال الإعمار وفتح المعابر، بينما استمرت إسرائيل في انتهاكاتها لشروط «وقف النار» المعلنة في أكتوبر.
يتولى الدبلوماسي السابق نيكولاي ملادينوف، المكلف بقيادة جهود المرحلة الثانية في القاهرة، مساعي استبدال حكم حماس بإدارة تكنوقراطية. وُصف ربط التمويل الإنساني بنزع السلاح دون تقديم دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 بأنه تحويل للمساعدات إلى أداة ضغط، فالمجتمع الدولي يدعم بصورة عامة حلاً يقوم على دولة فلسطينية في حدود 1967 تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، لكن استمرار الاستيطان الاسرائيلي يقوض قابلية هذا الحل.
قال العمودي: «لو كانت الولايات المتحدة وسيطًا عادلًا لعرضت دولة فلسطينية مقابل نزع السلاح. أما تقديم المساعدات الطارئة مقابل تسليم السلاح فليس تفاوضًا بل إخضاع بالقوة».
تاريخ المساعدات الأمريكية يتسم بتداخل مصالح وأمثلة فاضحة على هدر الأموال، منها مشروع الرصيف العائم للجيش الأمريكي قبالة سواحل غزة الذي رُكّب لتسهيل إيصال المساعدات بتكلفة تقدر بين 220 و320 مليون دولار، ثم فُكك بعد أربعة أشهر فقط. في المقابل، فإن المساعدات الطارئة الأساسية—كالمياه النظيفة والدواء ومكافحة الآفات—لم تتجاوز نسبة تنفيذها نحو 30%، ولم يُدخل إلى غزة أي مسكن مؤقت واحد للنازحين منذ «وقف النار» الذي توسطت فيه الولايات المتحدة.
الخط الأصفر والغيتيهات الحديثة
علاوة على العيوب السياسية والهيكلية، فإن الواقع الميداني المتقلب يجعل أي إعادة إعمار ذات مغزى أمراً شبه مستحيل. رغم «وقف النار» الظاهري، تواصل القوات الإسرائيلية انتهاكات شبه يومية؛ فقد أسفرت الخروق عن مقتل 828 فلسطينيًا منذ دخول الهدنة حيّز التنفيذ، بحسب مصادر طبية محلية.
تحليل لصور فضائية أجراه مراسلو الجزيرة كشف أن إسرائيل تنقل «الخط الأصفر» المتفق عليه تدريجيًا، عبر إزاحة كتل خرسانية تمثل الحدود مئات الأمتار داخل المساحات المخصصة للفلسطينيين، مما أدى إلى توسيع السيطرة العسكرية الإسرائيلية لتشمل نحو 59% من مساحة غزة. من المفترض أن تنسحب القوات بحلول المرحلة الثانية من الاتفاق، وأن تبدأ أعمال الإعمار في المرحلة الثالثة، لكن مع تدمير نحو 85% من مباني غزة وبنيتها التحتية، يدرك المانحون أن أي بنية تحتية يمولونها قد تتعرض للقصف مجددًا—كما حدث أثناء الانتفاضة الثانية.
رأى العمودي أن مزيجًا من الاستيلاءات على الأراضي وسياسات مجلس السلام يهددان بإحداث تغييرات ديموغرافية جذرية بينما تظل أوضاع غزة مأساوية. الخطة الأمريكية تعد بإعادة بناء غزة من الصفر عبر أبراج سكنية ومراكز بيانات ومنتجعات شاطئية وحدائق ومرافق رياضية ومطار؛ لكن تحليلات الجزيرة أظهرت أن المقترح يعامل غزة كأرض شاطئية خاوية، يقترح مبانٍ زجاجية ومناطق صناعية تُقام فوق مواقع تاريخية.
واستشهد العمودي بأفكار المفكر الفلسطيني خليل نخلة عن «أسطورة التنمية في فلسطين تحت الاحتلال» خاتمًا بأن لا إعادة إعمار حقيقية يمكن أن تنجح من دون تحرير سياسي. «يريدون وضع الفلسطينيين في ما يشبه ’غيتوهات عصرية‘—سجون فاخرة تحت مراقبة إلكترونية وأمنية على مدار الساعة. أي دولة تتسم بأدنى قدر من الأخلاق لن ترضى بالمشاركة في إدارة أكبر سجن في التاريخ الحديث. تمويل هذا المشروع من دون مسار سياسي هو دعم لما وصفته هانا آرندت بـ’الشر المطلق‘».