الحسابات الاقتصادية لعبور مضيق هرمز: هل دفع رسوم لإيران أقل تكلفة من فرض حصار؟ — الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران

بعد أحدَ عشرَ أسبوعًا على اندلاع الحرب، لا يزال مضيق هرمز مغلقًا أمام الملاحة البحرية، متسببًا في نزفٍ اقتصادي عالمي يتجاوز حدود الخليج.

يسيطر الحرس الثوري الإسلامي الإيراني بقبضةٍ حديدية على هذا الممر البحري الضيّق والاستراتيجي، في حين فشلت جهود الحصار البحري الأميركي الموازية لموانئ إيران في إعادة فتحه. قبل اندلاع الحرب كانت بين 120 و140 سفينة تعبر المضيق يوميًا، نصفها تقريبًا ناقلات نفط تنقل مجتمعة نحو 20 مليون برميل يوميًّا. الآن، لا يُسمَح بالمرور إلا لعددٍ محدود من السفن التي تفاوض أصحابها مع الحرس.

أعلنت طهران يوم الأربعاء أنها نسّقت عبور 26 سفينة خلال 24 ساعة، بعد يومين من الإعلان عن تشكيل هيئة جديدة أسمتها هيئة مضيق الخليج الفارسي (PGSA) لتقديم «تحديثات فورية» عن عمليات المضيق. ومنذ إعلان الهدنة المؤقتة بين واشنطن وطهران في أبريل، تسعى إيران إلى تنظيم آلية لفرض رسوم عبور على السفن العابرة لنقطة الاختناق الحرجة، التي تمر من خلالها نحو 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً في أوقات السلم. وورد أن طهران فرضت رسوماً بلغت في بعض الأحيان مليونَي دولار للسفينة الواحدة منذ بدء الحرب.

حتى مع اعتراض دولٍ على شرعية هذه الرسوم، قد تكون التكلفة المباشرة للدفع أقل من التكلفة الإجمالية لبقاء المضيق مغلقًا يوميًا. فالسؤال المطروح: هل الدفع لإيران أرخص من التوقّف عن الإبحار؟ سنفصّل أرقامَ هذه المعادلة.

ما تكلفه إغلاق مضيق هرمز
قبل الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير والتي دفعت طهران لإغلاق المضيق، كانت نسبة تقارب خُمس صادرات النفط والغاز المسال العالمية تمرّ عبر مضيق هرمز. المضيق هو الطريق الوحيد الذي يربط منتجي الخليج بالمحيط المفتوح؛ لا يوجد مسار بديل لإخراج صادراتهم البحرية.

في أوقات السلم كان نحو 20.3 مليون برميل يوميًا تعبر المضيق — ما يعادل نحو 27% من تجارة النفط البحرية العالمية — وكانت الحصة الأكبر متجهة للأسواق الآسيوية. كما تأثرت تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية بشكلٍ كبير.

قبل الحرب أُغلِقَت سوق البرنت عند 72.48 دولارًا للبرميل. وبعد إغلاق المضيق في 4 مارس وبدء هجمات على السفن التي حاولت المرور، توقفت حركة الملاحة، مما أدى إلى تكدس نحو 2000 سفينة على جوانب المضيق. من ناحية عوائد النفط المفقودة، تُقدَّر الخسائر بنحو 114.8 مليار دولار يوميًا، إضافةً إلى نحو 7.8 مليار دولار يوميًا لقيمة نحو 10 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي المسال الذي كان يمر عبر المضيق. منذ الحصار، مرّت أقل من 4% من الحركة البحرية مقارنةً بأوقات السلم، ولا تشمل هذه الأرقام تحرّكات «أساطيل الظلال» حين تُطفأ أجهزة التتبع بصورة غير قانونية.

يقرأ  محكمة هونغ كونغ ترفض الاستئناف في قضية بارزة بتهمة تقويض النظام— أخبار احتجاجات هونغ كونغ

من منظور اقتصادي بحت يرى بعض الخبراء أن التوصل إلى ترتيب تفاوضي مع طهران لإعادة فتح عبور المضيق قد يكون أنجع من الاستمرار في الإغلاق؛ الجغرافيا تمنح إيران نفوذاً كبيرًا، والأزمة الأخيرة برهنت على قدرتها عمليًا على التحكم في المضيق. ومن غير المرجّح أن تتخلى طهران عن هذا النفوذ دون ترتيب سياسي أو اقتصادي يعترف بموقعها الاستراتيجي.

تأثير الحصار الاقتصادي لا يقتصر على حركة السفن فحسب؛ تعطّل تدفقات النفط والغاز والأسمدة والحركة البحرية عمومًا ألقى بثقله على تكاليف المعيشة في دول عديدة.

هل دفع رسوم عبور لإيران أرخص؟
بالنسبة لمئات السفن الراسية في الخليج وعشرات الآلاف من البحارة على متنها، فإن كلفة البقاء راسية باهظة — أجور الطواقم، أقساط القروض، تكاليف الإصلاح والإدارة، إضافةً إلى ارتفاع أقساط مخاطر الحرب. وعلى الجانب الآخر، تقول تقارير إن إيران تفرض حتى مليوني دولار للحصول على تصريح عبور، وهو مبلغ قد يعتبره كثيرون مجديًا بالمقارنة مع خسائر الجلوس الطويلة في البحر.

ربما يكون الدفع خيارًا منطقيًا من الناحية الاحصادية «فالناقلة الراكدة تنزف مالًا» كما أشار نادر حبيبي، الاقتصادي الإيراني الأميركي. لكن ثمة عوامل أخرى تلعب دورًا: الضغوط الأميركية والعقوبات التي تمنع الشركات من عقد ترتيبات مع طهران تجعل من قبول الرسوم قرارًا غير ممكن سياسيًا لدى كثير من الشركات والدول؛ فالمسألة ليست مجرد حساب تكلفة وفائدة قصيرة المدى، بل قرارات ذات أبعاد استراتيجية وطويلة الأجل.

كما تغيرت طبيعة النزاع منذ شبّه، وتؤكد مراقبات مثل أنيسة تبريزي من تشاتام هاوس أن الديناميكيات الميدانية والسياسية للطرفين ستؤثر على أي حلّ مستدام لمأزق المضيق. من القتال إلى حرب اقتصادية تهدف إلى إجبار الطرف الآخر على الاستسلام، كما قالت.

يقرأ  مصنّع أسلحة أوكراني يطور طائرة مُسيّرة غير قابلة للتشويش بمدًى يصل إلى ١٠٠ كيلومتر«الحرب تغيّرت»

رغم أن الحسابات الاقتصادية الحالية تشير ظاهرياً إلى أن إغلاق المضيق يخدم مصلحة إيران، فقد أكدت تبريزي للجزيرة أن «العامل الاقتصادي بحدّ ذاته لن يكون المحرّك الذي يغيّر الحسابات أو يدفع الأطراف إلى انتهاج موقف مغاير». وأوضحت أن ثمّة حاجة إلى «تسوية دبلوماسية تتداخل معها حسابات أخرى مرتبطة بالعامل الاقتصادي» قبل أن يتعافى سوق الطاقة وينتهي هاجس انقطاع الإمدادات.

ماذا يقول القانون الدولي بشأن فرض رسوم عبور السفن؟

يحمي القانون الدولي حرية المرور عبر الممرات البحرية الاستراتيجية، ومنها المضائق الطبيعية مثل هرمز، ويمنع الدول من استحداث رسوم مرور على السفن حتى وإن كانت الممرات تقع بكاملها داخل مياهها الإقليمية، كما هو الحال جزئياً في هرمز. مع ذلك، يجوز تحصيل مبالغ مقابل خدمات محددة مثل إجراءات الأمن، والتفتيش، وأنظمة التأمين. كما أن قابلية تحصيل الرسوم تعتمد جزئياً على ما إذا كان الممر طبيعياً أم مَنسوباً من صنع الإنسان.

هناك ثلاثة سوابق مختلفة في تدفّق الحركة البحرية:

– قناة بنما: ممر صناعي يربط بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ عبر منظومة أقفال ترفع وتخفض السفن لعبور تضاريس مرتفعة. بما أن بنما تبني القناة وتديرها وتحافظ عليها، فإنها تفرض رسوماً على العبور تُحسَب على أساس حجم السفينة وسعة حمولتها وأولوية الحجز؛ وقد تصل بعض الرسوم إلى مئات الآلاف من الدولارات، فيما بيعت بعض مراكز العبور بملايين الدولارات.

– قناة السويس: ممر صناعي يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وتفرض مصر رسوماً لقاء استخدام البنية التحتية والصيانة وإدارة الحركة البحرية داخل القناة الضيقة. تدفع ناقلات الحاويات وناقلات النفط مبالغ تتراوح من مئات الآلاف إلى ما يزيد على مليون دولار لكل رحلة حسب الحجم ونوع الحمولة.

– مضيقا البوسفور والدردنيل في تركيا: يختلفان لكونهما مضائق طبيعية غير منسوبة للإنسان. تركيا تفرض رسوماً مقابل خدمات الملاحة مثل تشغيل المنارات، والجاهزية للإنقاذ، والدعم الطبي، وإدارة الحركة، كما تتحكم بدقّة في جداول عبور السفن ومساراتها.

قال الخبير الاقتصادي فرزانيجان إنه، مثل تركيا، يمكن لإيران أن تبرر آلية تفاوضية لرسوم العبور أو مساهمات مبنية على الخدمات عبر المضائق الطبيعية كقيمة مقابل المحافظة على ممر آمن، وتقليل المخاطر البيئية، وإضفاء قابلية التنبؤ على ممر يربط سلاسل إمداد الطاقة والغذاء والتكنولوجيا العالمية. ومع ذلك، أشار حبيبي إلى فروق بين تركيا وإيران: ففي حالة تركيا يمر العبور داخل مياهها الإقليمية بالكامل، أي أن الممر ملك لدولة واحدة، بينما يعبر مضيق هرمز مياه إيران وعمان إقليمياً، وتصل أجزاء منه إلى مياه الإمارات العربية المتحدة.

يقرأ  أمريكا المفتوحة 2025: كارلوس ألكاراز يتأهل بسهولة إلى نصف النهائي

وصف حبيبي هذه المعادلة بأنها «غير مسبوقة»، وقال للجزيرة إن مثل هذا الحل لن يكون ممكناً إلا عبر «تنسييق تام» بين دول الخليج وإيران وبموافقة قوى دولية كبرى مثل الصين والولايات المتحدة.

هل يمكن نشوء تعاون إقليمي حول مضيق هرمز؟

نشر الكيان الجديد PGSA خريطة محدثة لهرمز تمتد من جبل مبارك في إيران إلى جنوب الفجيرة في الإمارات عند المدخل الشرقي للمضيق، ومن رأس جزيرة قشم إلى أم القيوين عند المدخل الغربي. وبالنظر إلى امتداد آثار النزاع الإيراني إلى منطقة الخليج، وتحمل الإمارات الجزء الأكبر من الضربات الإيرانية، يرى فرزانيجان أن «التعاون الإقليمي مع إيران هو المسار الأكثر واقعية لضمان عبور مستقر عبر مضيق هرمز».

وأضاف أن الإمارات وعمان وقطر وإيران سيضطرّون للعمل معاً لأن اقتصاداتهم مترابطة وتحتاج إلى ذلك. ويمكن أن يتبلور إطار عملي على شكل هيئة بحرية مشتركة، ومراقبة مشتركة، وتنسيق طوارئ، وحماية بيئية، ومساهمات قائمة على الخدمات لصيانة الممر وضمان سلامته. وهذا الإطار، بحسب فرزانيجان، «يمنح إيران دوراً معترفاً به في أمن الممر ويمنح اقتصادات الخليج مزيداً من قابلية التنبؤ»، كما أنه أكثر واقعية من الاعتماد على إنفاذ عسكري خارجي الذي كان غالباً مصدر إشكالات لهذه الدول.

من جهة أخرى، يرى نادر، الاقتصادي الإيراني الأميركي، أن إحراز ترتيب إقليمي يبدو غير محتمل «ما لم تشارك إيران رسوم العبور وفق اتفاق يشمل جميع الدول المعنية». وأشار فرزانيجان إلى أن العالم إذا أراد حفظ وصول مستقر إلى مضيق هرمز، فقد يُقبل عملاً بدفع مبالغ لإيران كثمن لإبقاء هذا الممر الحيوي متوقعاً ومأموناً.

أضف تعليق