بوليفيا في أزمة — اضطرابات شعبية ومطالب متزايدة باستقالة الرئيس

سانتا كروز، بوليفيا — توتر سياسي متصاعد يهدد الاستقرار الاجتماعي في بوليفيا.

بعد ستة أشهر فقط على تولي الإدارة الجديدة السلطة، يواجه الرئيس رودريغو باز موجة احتجاجات متصاعدة، مع إغلاق للطرق ومطالب متزايدة باستقالته.

بداية الاحتقان تعود إلى ما يزيد قليلاً عن شهر، حين تقاطعت مطالب قطاعات مختلفة: بعض التنظيمات طالبت بزيادات في الأجور، وآخرون اشتكوا من وقود ملوَّث أضرّ بآلاف المركبات، فيما تظاهر مجموعات رافضة لقانون يجيز تغييرات في تصنيف الأراضي، إذ تقول الجهات الناقدة إن ذلك يُسهِم في تركيز الأراضي بيد كبار ملاّك الأعمال.

الحكومة نجحت جزئياً في تهدئة بعض الخلافات عبر الاستجابة لطلبات محددة، من بينها إلغاء قانون الأراضي ومنح علاوة مالية للمعلمين وتسريع التعويض عن بعض المركبات المتضررة، غير أن جماعات السكان الأصليين من المرتفعات قررت تصعيد الاحتجاجات إلى حد الحصار عبر إغلاق الطرق في محاولةٍ لجبر الرئيس على التنحّي.

في السادس من مايو، شرع المئات من المحتجين في إقامة حواجز أحيطت منذ ذلك الحين بمدينة لا باز، مقر الحكومة، مع متوسط نحو 20 وقفاً احتجاجياً متزامناً يومياً. وقد حظيت الحركة أيضاً بدعم من منظمات تاريخياً مارست ضغوطاً على اتخاذ القرار الحكومي، بينها نقابة العمال البوليفية المركزية.

«المطلب هو استقالة الرئيس بسبب عجزه عن حل مشاكل البلاد البنيوية؛ هو يقودنا إلى هاوية … يرهق البلاد برهنها. ما الذي ينتظر أطفالنا وأحفادنا؟» هكذا صرح ماريو أرجولو، زعيم نقابة Central Obrera Boliviana، للصحفيين.

تواجه مدينتا لا باز وإل آلتو، اللتان تُعدّان من أكثر المراكز الحضرية كثافة سكانية وتجاوران بعضهما البعض، نقصاً في المواد الغذائية، وتعليق دروس في بعض المدارس، واضطراباً في وسائل النقل العام نتيجة إغلاق الطرق من قبل مئات المحتجين.

ومع أن سكاناً متأثرين بالاحتجاجات طالبوا بتشديد الإجراءات ضد المتظاهرين لاستعادة النظام، فقد استبعدت الحكومة حتى الآن إعلان حالة الطوارئ.

رغم تفاوت دوافع المجموعات الاجتماعية المشاركة في الاحتجاجات، يرى كثير من المحللين أن هناك قضية أعمق وراء الاضطرابات: تزايد السخط بين قطاعات السكان الأصليين والطبقة العاملة.

يقرأ  الحرب الروسية‑الأوكرانية: أبرز أحداث اليوم ١٬٣٩٦ — أخبار الحرب

«تحوّل سياسي واستراتيجي»

كان رودريغو باز سيناتوراً وسطياً، ورغم مسيرة سياسية طويلة لم يكن شخصية معروفة على الصعيد الوطني، وتمكّن من تقديم نفسه كمرشح «جديد». أصبح أول رئيس بعد عهد حركة الاشتراكية (MAS) التي حكمت البلاد تقريباً لعقدين بنجاحات انتخابية متتالية وأغلبية برلمانية. وعلى أثر سوء الإدارة والفساد تركت MAS البلاد في أزمة اقتصادية عميقة وحصلت على نحو 3% فقط من الأصوات في انتخابات 2025.

خلال الحملة الانتخابية تبنّى باز خطاباً معتدلاً ووسطيّاً وارتقى إلى الرئاسة إلى حدّ كبير بفضل أصوات ناخبين كانوا في السابق من أنصار MAS.

والآن، بعد ستة أشهر من الرئاسة، يشعر هؤلاء الناخبون ليس فقط بخيبة أمل بل بالاستخفاف أيضاً، إذ لم يَدمج باز ممثلين عن السكان الأصليين أو عن الطبقات العاملة في تشكيلة حكومته أو في مناصب مؤثرة داخل الإدارة.

تعتبر هذه الفئات، التي حكمت إلى جانب MAS خلال العقدين الماضيين، أن الإدارة الجديدة تحالفت مع نخب الأعمال وتعمل لصالحها.

من بين السياسات التي زادت من السخط قرار باز إلغاء ضريبة على الثروات الكبيرة، وتعيين أعضاء من نخبة الأعمال في مجلسه الوزاري، والموافقة على قوانين تُراعي الزراعة التجارية ـ مثل السماح باستخدام البذور المعدلة وراثياً ـ وتقاربه مع الولايات المتحدة وإسرائيل، دول لم تكن لدى بوليفيا علاقات دبلوماسية معها سابقاً. كما انتقل من رفض القروض الدولية أثناء الحملة إلى السعي للحصول على تمويل من مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي.

«فاز رودريغو باز بأجندة مختلفة تماماً، ونصف الطريق غيّر التوجه سياسياً واستراتيجياً، سواء في تشكيل إدارته أو في توجّهها. لذلك، ترى القطاعات الشعبية ليس فقط استبعاداً، بل خيانة صريحة»، هذا ما قالت المحللة السياسية لوسيانا جاوريغي لقناة الجزيرة. وأضافت أن دعم العمال والمجتمعات الريفية هو ما مكّن باز من الفوز بنسبة 55% من الأصوات.

وسط الاحتجاجات، صعّد الرئيس السابق إيفو موراليس الضغوط بتحشيد أنصاره لمسيرة بطول 190 كيلومتراً باتجاه لا باز للمطالبة باستقالة الرئيس ووقف الإجراءات القضائية الملاحقة للزعيم السابق. موراليس يواجه أمر توقيف ويتّه بالاعتداء على قاصر خلال فترة رئاسته، وهو اتهام نفاه أنصاره واعتبروه مطية للتسييس.

يقرأ  لا تستطيع إسرائيل نقلنا جميعًا جواً إلى جنوب إفريقيا — الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

كان موراليس أول رئيس من السكان الأصليين في البلاد، وحكم بوليفيا لثلاث ولايات متتالية، وحقق دعماً انتخابياً غير مسبوق، مع حكمٍ طغت عليه سياسات الشمول الاجتماعي والاعتراف بالسكان الأصليين وازدهار اقتصادي مدفوع بتصدير الغاز وتقليص الفقر بصورة ملموسة.

في السنوات الأخيرة شهدت البلاد تدهوراً اقتصادياً تدريجياً انعكس في انخفاض قطاع النفط والغاز، جزئياً بسبب سوء الإدارة، ما أدى إلى نقص في دولارات الصادرات وارتفاع التضخم.

أدى هذا الانهيار الاقتصادي في نهاية المطاف إلى خسارة MAS للسلطة نتيجة صراعات داخل الحزب بين موراليس وخليفته السابق لويس أرس، الذي تنازع على زعامة الحزب.

وعلى الرغم من النفوذ الذي كان يملكه، خرج موراليس من الحكم في 2019 بطريقة فوضوية، إذ استقال في خضم احتجاجات بعد سعيه لولاية رابعة اعتبرها خصومه غير قانونية.

تتهم إدارة رودريغو باز الرئيس السابق بتدبير «مخطط مروِّع» يهدف إلى زعزعة استقرار الحكومة والعودة إلى السلطة، في حين يقول أنصار موراليس إن التحركات هي رد فعل على ما يعتبرونه تراجعاً عن مكتسبات الشعوب الفقيرة والريفية. زعم مسؤولون أيضاً أن الاحتجاجات ممولة من تجارة المخدرات، على الرغم من عدم تقديم أي دليل يدعم تلك الاتهامات.

قال خوسيه لويس غالفيس، المتحدث باسم الرئاسة، خلال مؤتمر صحفي: «نضالنا موجه ضد تلك القوى التي تتلقى أموالاً من تجارة المخدرات وتستخدم أدوات الإرهاب للاستيلاء على السلطة بالقوة».

ورداً على الاتهامات، لم يرد موراليس بِنَفْس المستوى من الدفاع أو الإنكار، بل انتقد حكومةً يقول إنها «تحمي أصحاب الأعمال والمصرفيين ونخب القطاع الزراعي والصناعي في حين يقف الناس العاديون مجدداً في طوابير، يدخلون في الديون ويتعرضون للجوع».

وكتب على منصة X: «لا خطاب سيمحو هذه الحقيقة».

صورة: متظاهرون يسيرون احتجاجاً على قطع طرق الوصول إلى المدينة في لاباز، بوليفيا (20 مايو 2026) — تصوير: خوان كارِيتا/أسوشيتد برس

يقرأ  أجمل الأعمال المشاركة في جوائز سوني العالمية للتصوير ٢٠٢٦المسابقة المفتوحة«تصميم تثق به» — محتوى تصميمي يومي منذ ٢٠٠٧

تزايد العنف

تفاقمت أعمال العنف في لاباز خلال الأيام الأخيرة مع تلاقح عدة مسيرات حول مقار حكومية، حيث اندلعت اشتباكات بين قوات الشرطة ومنقّبين مسلّحين بالديناميت ومواد متفجرة. كما أفادت وسائل إعلام محلية بهجمات على مؤسسات عامة واعتداءات على مدنيين. وبحسب مصادر رسمية، أُعتقل أكثر من 120 شخصاً خلال الاضطرابات يوم الاثنين، وسُجّلت ما لا يقل عن 11 إصابة.

تتعامل الحكومة مع الصراع ببعدين مميزين: مطالب مشروعة من جهة، ومحاولات تهدف بالأساس إلى الإطاحة بالرئيس من جهة أخرى.

قال وزير الرئاسة خوسيه لويس لوبو: «سنعمل بأداتين: الحوار مع القطاعات المشروعة، وبالقوة الكاملة للقانون ضد من يهاجمون الديمقراطية».

القطاعات الاجتماعية التي كانت تحكم إلى جانب حركة الـMAS وُجدت بلا تمثيل مؤسسي الآن، وتسعى لاستعادة دور في صناعة القرار السياسي. وقالت ماغدالينا تشوكه، إحدى المتظاهرات في شوارع لاباز، إنها «مستمرة في النضال ضد الحكومة» لأن السلطات «لا تستمع إلى الناس».

وأضافت في شريط فيديو مسجّل تابع على الإنترنت: «لا يستشيروننا. كل شيء يُفرَض بمرسوم، ولا شيء ينفع وطننا. نتعرض للتمييز، هناك انقسام هنا».

كذلك أُقرّ إلغاء ضريبة على الثروات الكبيرة وإلغاء دعم الوقود، على سبيل المثال، بمرسوم.

رأت جاوريغي أن «حكومة رودريغو باز كانت تملك فرصة تاريخية لاقتراح تركيب اجتماعي جديد. وتلك الفرصة تُهدر»، لكنها أبدت اعتقادها بأن الصراع الراهن قد يتحول في نهاية المطاف إلى أساس «لالتِقَاء اجتماعي جديد يضم جميع القطاعات».

ورغم صعوبة التنبؤ بمسار الاضطرابات، تبدو الحكومة مستعدة للتنازل عن جزء من السلطة. وقال وزير الأشغال العامة، ماوريسيو زامورا، المقرب من باز، في لقاء إذاعي: «الفكرة إنشاء وزارة تُتيح مشاركة المنظمات الاجتماعية؛ قد تكون هذه خياراً».

بينما تبحث السلطات عن مخرج من متاهة الصراع الاجتماعي في البلاد، أمرت الحكومة قوات الشرطة بالتدخل الدوري في الحواجز لإقامة «ممر إنساني» يسمح بوصول الأغذية والدواء إلى لاباز، التي بوصفها العاصمة الإدارية تتحول أحياناً إلى ساحة للنزاعات السياسية في البلاد.

أضف تعليق