تقرير جديد يحذر من تحول مقلق في تعامل بريطانيا مع الاحتجاجات
حذّر تقرير حديث من أن بريطانيا تشهد “تحولاً مقلقاً للغاية” في طريقة تعاملها مع الاحتجاجات السياسية، إذ يواجه ناشطون من حركة المناخ وأنصار القضية الفلسطينية، بشكل متزايد، أحكام سجن طويلة، وقيوداً قانونية واسعة، وفترات احتجاز قبل المحاكمة تمتد لأشهر.
التقرير، الصادر عن مشروع سجناء بريطانيا السياسيين بالتعاون بين مركز جرائم المناخ والعدالة المناخية في جامعة كوين ماري بلندن وحملة “دافعوا عن هيئات المحلفين”، يرى أن المملكة المتحدة شهدت “توسعاً في الصلاحيات المضادة للاحتجاج الممنوحة للشرطة والمحاكم عبر تشريعات” خلقت “أرضية قانونية أشد قمعية لمن يخوضون أعمال العصيان المدني والعمل المباشر”.
من إخماد الاحتجاجات إلى ملاحقات على خلفية التضامن مع فلسطين
يرصد التقرير التحول من حملات القمع ضد احتجاجات مثل Extinction Rebellion وBlack Lives Matter وInsulate Britain وJust Stop Oil إلى ملاحقات أحدث مرتبطة بأعمال تضامن مع فلسطين، شملت حملات استهدفت مصانع بريطانية تديرها شركة Elbit Systems، أكبر مُصنّع للأسلحة الإسرائيلية.
الملابِس القانوني منذ 2019
خلص التقرير إلى أن مزيجاً من تشريعات جديدة، وتوسيع صلاحيات الشرطة، وتكتيكات قضائية أكثر عقابية أعاد تشكيل مشهد الاحتجاج في بريطانيا منذ عام 2019. والنتيجة العملية للمحتجين هي أحكام بالسجن أطول، وشروط إفراج بكفالة أشد صرامة، ومعاملة أقسى في المحاكم مقارنة بما كان سائداً سابقاً لأعمال العصيان المدني.
في صلب هذا التحول تشريعتان رئيسيتان أُدخلتا بعد موجات احتجاج قادتها مجموعات مثل Extinction Rebellion وJust Stop Oil، وهما مجموعتان بيئيتان تستخدمان أساليب عصيان مدني غير عنيف للضغط على الحكومه للاهتمام بأزمة المناخ.
قانون الشرطة والجريمة والحكم والمحاكم 2022 حول جريمة “الإزعاج العام” من قاعدة قانونية عرفية غير مُرمّزة إلى جريمة جنائية نصت عليها التشريع، وعقوبتها تصل إلى عشر سنوات سجن. هذا التغيير يسمح بفرض عقوبات جنائية أشد على أفعال تعطل الحياة العامة—كالإغلاق أو إعاقة المرور أو تعطيل بنيات تحتية—لأن الجريمة لم تكن مُشمولة بقانون واضح من قبل. ويقول الناشطون إن هذا القانون منح النيابة سلطة جديدة لمطاردة أحكام سجن طويلة بحق المحتجِّين.
قانون النظام العام 2023 أدخل مجموعة من الجرائم الموجّهة للاحتجاج استجابةً لحركات الضغط البيئي، ومنها جرائم “الارتباط” (أي إلصاق المحتجين بأنفسهم بالمركبات أو المباني أو الطرق باستخدام سلاسل أو غراء أو أجهزة أخرى)، وجرائم حفر الأنفاق لتعطيل مشاريع بنيوية، وجرائم تعطيل شبكات نقل رئيسية ومحطات نفط وبنى تحتية وطنية مهمة.
توسيع صلاحيات الشرطة
التشريع وسّع أيضاً صلاحيات الشرطة بحيث بات بإمكان الضباط الآن فرض قيود حتى على احتجاجات فردية إذا اعتُبرت مُعطلة. كما مُنحت الشرطة صلاحيات لإجراء تفتيش وتوقيف في مناطق محددة للاحتجاج بدون حاجة لوجود اشتباه معقول بارتكاب جريمة—وهذه توسيعات اتُهمت بتجاوز الضوابط المعروفة بحقوق الحريات المدنية.
الملاحقات القضائية: من البرلمانيات إلى قاعات المحاكم
لكن التقرير يرى أن القمع يمتد أبعد من البرلمان إلى قاعات المحاكم. وأحد الخلاصات المركزية هو الاستخدام المتزايد للأوامر المدنية وإجراءات ازدراء المحكمة ضد الناشطين. شركات النفط والمصنّعون العسكريون والمجالس المحلية والجامعات باتوا يلجأون إلى أوامر محكمة تحظر الاحتجاجات قرب مواقعهم.
وحدد التقرير ازدراء المحكمة كأكثر مسار يقود إلى السجن بين 249 قضية مرتبطة بالاحتجاج حللها. ازدراء المحكمة عادة يشير إلى خرق أمر قضائي أو سلوك يعرقل سير العدالة، وفي قضايا الاحتجاج استُخدم بشكل متزايد ضد من يتجاهل الأوامر القضائية أو يرفض الامتثال للقيود المفروضة أثناء المحاكمات. وبما أن قضايا الازدراء تُنظر أمام القضاة مباشرة دون هيئة محلفين، يقول الناشطون إن ذلك يسمح بسجن المحتجين بسرعة أكبر ومع ضمانات قانونية أقل.
تقييد الحديث أمام الهيئات والمحاكم
أبرز الباحثون أيضاً ما وصفه الناشطون بـ”إسكات” المتهمين؛ فقد منع القضاة بشكل متزايد المحتجين من ذكر قضايا المناخ أو غزة أو القانون الدولي أو دوافعهم السياسية أمام المحلفين، بحجة أن على المحلفين النظر في مسألة خرق القانون لا في المبررات السياسية أو الأخلاقية. ويرى المنتقدون أن هذه القيود تحول دون تمكين الناشطين من شرح دوافعهم الكاملة للاحتجاج.
خلفيات سياسية وضغوط لوبيات
قال ناشطون إن هذا التحول القانوني يعكس تغيّراً سياسياً أوسع، يقوده جزئياً ضغط لوبيات الشركات في أعقاب حكوماتٍ متعاقبة للحزب المحافظ، وتواصل تحت حكومة حزب العمال حتى الآن. يجادل هؤلاء بأن الاحتجاج السلمي يُجَرّم تدريجياً لحماية مصالح الشركات، بغضّ النظر عن الاعتبارات الأخلاقية الأوسع المتعلقة بإمداد الأسلحة لإسرائيل خلال حربها على غزة أو المعارضة لمشروعات الوقود الأحفوري المرتبطة بتفاقم أزمة المناخ.
الاحتجاز قبل المحاكمة
ربما الأكثر إثارة للجدل، أشار التقرير إلى تزايد اللجوء للاحتجاز قبل المحاكمة لفترات طويلة، أي احتجاز مطوّل لمدافعين عن قضايا قبل إثبات إدانتهم. ووجد الباحثون أن كثيراً من الناشطين يقضون شهوراً في الحجز الاحتياطي أثناء انتظار محاكماتهم، وبعض متهمي مجموعة Palestine Action احتُجزوا لأكثر من عام قبل أن تُحسم قضاياهم.
في 60 بالمئة من الحالات التي درستها المجموعة، كانت المدة التي قضاها المتهمون في الحجز الاحتياطي أطول من العقوبة النهائية التي صدرت بحقهم.
هل تؤثر اللوبيات على تشديد القوانين؟
تيم كروسلاند، مدير حملة “دافعوا عن هيئات المحلفين”، قال إن النتائج تشكك في ادعاءات بريطانيا بحماية الحريات الديمقراطية: “هذا التقرير يزيح الوهم بأن بريطانيا لا تزال متمسكة بالمبادئ الديمقراطية. يكشف أن المتظاهرين السلميِّين يُسجنون بأعداد متزايدة تحت ضغط من صناعة النفط والسلاح والحكومة الإسرائيلية ولوبياتها”.
أشار التقرير إلى ضغوط سياسية وتجارية متصاعدة خلف تشديد التعامل مع حركات الاحتجاج. واستشهد الباحثون بتقارير تفيد أن أجزاءً من قانون الشرطة والجريمة قد تكون مستمدة من مقترحات من مركز أبحاث يميني، Policy Exchange، الذي ورد أنه تلقى تمويلاً سابقاً من شركات نفط كبرى. ولم تتمكن القناة من التحقق المستقل من كل الروابط المزعومة بين مراكز الأبحاث والتشريع.
كما زعم التقرير أن مسؤولين بريطانيين تعرضوا لضغوط من شركة Elbit Systems والحكومة الإسرائيلية لتشديد الموقف تجاه احتجاجات Palestine Action المستهدفة لمصانع الشركة في المملكة المتحدة. نقلت المراسلات التي اقتبسها الباحثون أن الحكومة البريطانية في 2022 “أعربت عن دعمها للاعتراف بالهجمات والمقاطعة ضد Elbit UK”. وأُثير الملف لاحقاً مباشرةً مع وزير الخارجية آنذاك خلال زيارة لإسرائيل، حيث أبلغ أنه “ملتزم بوقف الهجمات”.
دعوات للتضامن
قالت زوي بلاكلر، المؤسسة لمنصة فعاليات في لندن تُدعى Kairos: “أمام هذا القمع لحق الاحتجاج السلمي، علينا أن نتضامن ونتحد في مواجهة.”
قضايا بارزة تمثل وجه الاحتجاج المقمع
تتبع التقرير تشدد بريطانيا عبر مجموعة من القضايا الرائدة التي شملت ناشطي مناخ وناشطي تضامن مع فلسطين، كثيرون منهم حُكم عليهم بالسجن طويلاً أو قضوا شهوراً في الحجز قبل محاكماتهم.
من أبرز القضايا قضية “الخمسة الحقيقين” من Just Stop Oil، التي سُجِن أفرادها في يوليو 2024 إثر مكالمة زووم ناقشوا فيها خططاً لتعطيل طريق M25؛ أُدينوا بالتآمر للتسبب في إزعاج عام وحُكم عليهم بأحكام أولية تراوحت بين أربع وخمس سنوات. اعتبر الناشطون هذه الأحكام استثنائية لأنها عوقبوا أساساً على التخطيط لأفعال معطلة لا على تنفيذها الفعلي، إذ اعتمد الادعاء على قوانين التآمر التي تتيح توجيه تهم باتفاق على ارتكاب جريمة حتى لو لم تحدث في النهاية.
حكم على أربعة ناشطي Palestine Action بالسجن بين 23 و27 شهراً بتهمة التآمر لإلحاق أضرار بمصنع مرتبط بإسرائيل في ويلز. وفي قضايا منفصلة صدر حكم يصل إلى 30 شهراً بحق أربعة من Just Stop Oil بسبب خطط لتعطيل مطار مانشستر رغم أنهم لم يصلوا إلى الموقع، بينما قضى متهم خامس، نوح كراين، قرابة عام في الحجز الاحتياطي قبل أن تُسقَط التهم عنه لاحقاً.
قضية Filton 24 شملت ناشطي Palestine Action المحاكَمين بعد احتجاج في مصنع Elbit في بريستول، واحتُجز بعض المتهمين احتياطياً حتى 18 شهراً قبل المحاكمة. وبعد تبرئة عدد منهم من تهم اقتحام مشدَّد، مُنح كثير منهم كفالات لاحقاً. اعتبر التقرير أن هذه القضية تثير “مخاوف جدية” من أن النيابة استخدمت تهمًا شديدة لتبرير إبقاء المتهمين في الحجز لفترات طويلة قبل المحاكمة.
قضايا أخرى أظهرت أيضاً الاستخدام المتزايد لأوامر قضائية تُقيِّد حرية المتهمين في الحديث أمام المحلفين. خلال إعادة محاكمة Filton 6، مُنع المتهمون من ذكر غزة أو دور Elbit في تسليح إسرائيل أو دوافعهم السياسية. وفي قضية أخرى سُجن ثلاثة من ناشطي Insulate Britain لارتكابهم ازدراء المحكمة بعد أن رفضوا الامتثال لأمر قضائي يمنعهم من ذكر “أزمة المناخ” أو “فقر الوقود” أمام هيئة محلفين.
رغم القيود، استمرت بعض الهيئات في تبرئة ناشطين، وأشار التقرير إلى تبرئات لمحتجين من Just Stop Oil وExtinction Rebellion، وحكم معلق في أول محاكمة من Filton 6، كدليل على أن بعض المحلفين لم يقتنعوا بالادعاءات المتصاعدة ضد حركات الاحتجاج.
ردود من منظمات حقوقية
قالت كيري موسكوجيوري، الرئيسة التنفيذية لفرع منظمة العفو الدولية في بريطانيا، إن “الحق في الاحتجاج يتآكل أمام أعيننا”. وأضافت أن “الدولة تستخدم الحجز الاحتياطي والأوامر الشاملة وإجراءات ازدراء المحكمة لاحتجاز الناس أو إسكاتهم قبل أن يمثلوا أمام القضاء. التداعيات القانونية أوسع من مجموعة معينة من الناشطين؛ إنها محاولة ممنهجة لكبت الاختلاف، وهو ما نرفع عنه منذ وقت طويل صافرة الإنذار. باستبدال افتراض الحرية بتهديد قانوني استباقي، يُحدث ذلك تأثيراً رادعاً، ويقوض سيادة القانون وينتهك الحقوق الأساسية للإنسان.”