انتقلا جاكسون بوللوك ولي كرازنر إلى منزل في الرقم 830 بشارع سبرينغز-فايربليس في حي سبرينغز بإيست هامبتون، الذي اشتريانه بمقدم قدره ألفان دولار من غوغنهايم. لم تكن إيست هامبتون آنذاك ملعبًا للأثرياء كما هي اليوم، بل منطقة ريفية، وكان العقار في الأصل مزرعة تضم حظيرة صغيرة تحولت إلى مرسم لبوللوك.
كان داخل الحظيرة ضيقًا إلى حد أنه بالكاد يتسع للأقمشة التي كان يفردها بوللوك على الأرض؛ لذلك اقتصر عمله على مسار ضحل بين الجدران واللوحة. وفي فصل الشتاء لم يكن بإمكانه العمل إلا لساعات قليلة يوميًا لأن المكان لم يكن مدفأً.
استخدم بوللوك طلاء المينا المنزلي مخففًا حتى بلغ قوامًا شبيهاً بالشراب، واعتمد على أعواد التحريك والفرش كأدوات. لم تكن الفكرة المتمثلة في تخفيف الأصباغ أو السماح للقطرات بالانسياب جديدة كليًا: فقد لجأ ويسلر إلى خليط رقيق سماه «صلصة»، كما طوّر ماكس إرنست تقنية التذبذب حيث كان يعلق علبة مملوءة بالطلاء فوق القماشة لتتسرب قطرات اللون عبر فتحة في قعرها أثناء تأرجحها. ولا تزال الرسامة العفوية جانيت سوبل، التي اتبعت في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين طريقةً منزليةً من الأوتوماتيزم وأنتجت تراكيب متداخلة من القطرات والدوامات المرسومة بالمينا، أقل ذكرًا. وبحسب الناقد كليمنتي جرينبرغ، كان بوللوك على دراية بعمل لها بعنوان «درب التبانة» (1945).
غير أن بوللوك رفع تراكيبه إلى درجات من التعمد والاستمرارية والاتساع تفوق ما قدمته سوبل أو أيّ فنان آخر آنذاك. ومع ذلك لم تكن أعماله تجريدًا خالصًا: فقد كشفت صور الأشعة تحت الحمراء أن طبقات من الطلاء احتوت على رسومات سريعة لأشكال بشرية وحيوانية، إلى جانب علامات ورموز من اختراعه الخاص. كانت تجريديات بوللوك، بعبارة أخرى، «سندويشات» تمثيلية.
عرّف الجمهور على لوحات التنقيط في معرض بيتي بارسونز عام 1948، إلا أنها، مثل لوحاته السابقة، لم تُبع، وسخرت منها الصحافة. ففي عدد مجلة لايف بتاريخ 8 أغسطس 1949 ظهر عنوان استفهامي مقصودٍ بالسخرية: «هل يُعد جاكسون بوللوك أعظم رسّام حي في الولايات المتحدة؟» لكن الصور الملونة التي التقطها آرنولد نيومن لبوللوك وأعماله كانت قوية لدرجة أنها دفعت به إلى الشهرة. وكانت هذه الشهرة أكثر مما يحتمل بوللوك، ففتحت أمامه بابًا لانحدارٍ شخصي وفني.
ومع أن صور نيومن صوبت أضواء الشهرة نحو بوللوك، فإن المصور هانز ناموث (1915–1990) صار قريبًا من أن يكون بنفس وضوح الفنان نفسه من خلال تصويره له أثناء العمل. في عام 1950 بادر ناموث بالتواصل مع بوللوك لتوثيقه أثناء الرسم في المرسم؛ ولعبت كرازنر مرة أخرى دورًا حاسمًا في إنجاز هذه المبادرة. أفضى المشروع إلى نحو 500 صورة وإلى فيلمين، من بينهما فيلم صوِّر من أسفل لوح بلاكسيغلاس فيما كان بوللوك يرشّ الطلاء فوقه.
ومن المفارقات أن ناموث بدّد الغموض عن ما كان يُفترض أنه تنفيذ عفوي لدى بوللوك، حين أظهر كم كان العمل مخططًا ومدروسًا. وذهب بوللوك ليقينٍ أن هذا الكشف يتعارض مع الصورة العامة التي سعَت كرازنر وغوغنهايم إلى بنائها عنه، فاندلع شجار بينه وبين ناموث تبادل فيه كلّ منهما اتهامات الزيف. وخلال تلك المواجهة تراجع بوللوك واستسلم للكحول، منهياً بذلك أكثر فترات إنتاجه إنتاجًا.