لماذا تولي فرنسا أهمية كبيرة لمستقبل لبنان؟ | أخبار: هجمات إسرائيل على لبنان

جان-إيف لو دريان، المبعوث الخاص لفرنسا لدى لبنان، سيصل يوم الأربعاء إلى ببيروت فيما تسعى باريس إلى استعادة دورها الدبلوماسي المتراجع في البلاد، بحسب خبراء.

عندما يلتقي وزير الخارجية الفرنسي السابق بالرئيس ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، من المتوقع أن تتركز المباحثات على مواصلة تقديم المساعدات للمجتمعات المتضررة بشدة من الانهيار الاقتصادي في لبنان وغزو إسرائيل واحتلالها لخمسة أعشار الجنوب، وكذلك مستقبل قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان (اليونيفيل) التي تشارك فرنسا فيها بعمق وينتهي تفويضها هذا العام.

إسرائيل جددت ضرباتها العنيفة واحتلالها لجنوب لبنان في أوائل مارس بعد أن بدأت حركة حزب الله، المدعومة من إيران، بإطلاق صواريخ نحو شمال إسرائيل رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في ضربات أمريكية-إسرائيلية على طهران. رغم الاتفاق على وقف الأعمال القتالية بوساطة أميركية في 16 أبريل، استمرت الهجمات اليومية داخل لبنان. وقد قُتل أكثر من 3,000 شخص، وأُجبر أكثر من مليون على الفرار من بيوتهم.

يوم الإثنين، عندما تدخل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بحسب تقارير لمنع هجمات إسرائيلية وشيكة على الضواحي الجنوبية لبيروت، تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هاتفياً مع ترامب — وهو ما اعتُبر إشارة إلى أن باريس لا تزال تسعى للعب دور في تشكيل المساعي الدبلوماسية.

لكن المحللين يقولون إن باريس حذرة أيضاً من أي “توسع أميركي مفرط” في لبنان وتسعى لإعادة تأكيد وجودها في بلد منحتها إرثها الاستعماري ومصالحها السياسية موطئ قدم استراتيجي طويل الأمد في الشرق الأوسط. ومع تقلص نفوذها، وبالأخص مع تزايد الغموض حول مستقبل قوة اليونيفيل، تبحث باريس عن سبل للحفاظ على تأثيرها في لبنان.

ما نعرفه حتى الآن:

ما هي علاقات فرنسا بلبنان؟

ترتبط فرنسا بلبنان عبر قرون. قامت علاقتهما الاستعمارية على تحالفات سياسية وثقافية مع الطوائف المسيحية اللبنانية.

فترة الانتداب الفرنسي بين 1920 و1943 رسمت حدود لبنان وأدخلت النظم الدستورية وعزّزت النفوذ الثقافي الفرنسي في هذا البلد المتوسطي. حتى بعد الاستقلال، بقيت بيروت مركزاً فرنكوفونياً نالت لقب “باريس الشرق الأوسط”. لا تزال اللغة الفرنسية متداولة بين كثير من اللبنانيين، وخصوصاً في الأوساط المسيحية.

يقرأ  عام الغضب: هيمنة الرجال الغاضبين على بوليوود

بعد انفجار مرفأ بيروت الكارثي في 2020، تجلّى تأثير فرنسا بوضوح: سارع ماكرون إلى زيارة العاصمة المنكوبة وقدم حزمة مساعدات كبيرة، معبراً عن رغبة فرنسا في أن تكون شريكها الأوروبي الأكثر انخراطاً مع لبنان.

لكن مصلحة فرنسا ليست ثقافية فحسب؛ فهي استراتيجية أيضاً. “من منظور باريس، يشكل لبنان موطئ قدم استراتيجي” يتيح لفرنسا المحافظة على نفوذ في المشرق العربي والبحر المتوسط الشرقي، مع لعب دور في قضايا تتراوح بين سوريا والهجره والطاقة والعلاقات الأورو-عربية، كما قال الصحفي والمحلل اللبناني سهيب جوهر للجزيرة.

ترتبط هذه المصالح أيضاً بحماية مؤسسات الدولة اللبنانية من الانهيار، بما في ذلك الجيش والإدارة العامة والمصرف المركزي، إذ تخشى باريس فراغاً قد تؤديه قوى إقليمية أو دولية منافسة.

ولم تغِب المصالح الاقتصادية عن الصورة؛ فشركة توتال إنرجيز تشارك في التنقيب عن الغاز في المياه اللبنانية، بينما ترى شركة الشحن الكبرى CMA CGM ميناء بيروت جزءاً من شبكة لوجستية فرنسية أوسع عبر المتوسط.

ومع ذلك، يبقى دور فرنسا مثيراً للجدل. فبعض الفصائل المتحالفة مع حزب الله وإيران تنظر إلى تدخل باريس بشك، معتبرة إياه امتداداً للتأثير الغربي في لبنان أكثر منه وسيطاً محايداً.

هل تُقصَى فرنسا من لبنان على يد الولايات المتحدة؟

قال كريم صفي الدين، زميل غير مقيم في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، إن باريس تراقب عن كثب أي “توسع أمريكي مفرط”، وهو ما يظل “مصدر قلق لفرنسا”. فرنسا، أضاف، “دائماً حذرة” من أي تصعيد في لبنان قد يضر بعلاقاتها الإقليمية، خاصة في عصر ترامب الذي أظهر ازدراءً للمعايير الدبلوماسية التقليدية وللقانون الدولي.

“بشكل عام، هم [فرنسا] لا يحبذون تبني نهج جذري في سياسة لبنان ويفضلون أساليب تقليدية تحافظ على الوضع القائم”، قال صفي الدين.

يقرأ  بيب غوارديولا مدرب مانشستر سيتي: سأواصل الوقوف إلى جانب فلسطينأخبار كرة القدم

لكن الدور الأمريكي المتنامي في لبنان بات أكثر وضوحاً، إذ لم تعد واشنطن تكتفي بالتوسط في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل. وفي خطوة نادرة، تدخل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبريو شخصياً لمعارضة دعوات زعيم حزب الله نبيه قاسم لإسقاط حكومة سلام.

كما زعم ترامب أنه تحدث مع ممثلين عن حزب الله هذا الأسبوع. ورغم غموض ما إذا كان ذلك عبر وسطاء، فإن هذه الخطوة تبقى غير مسبوقة لرئيس أمريكي في ضوء تصنيف واشنطن حزب الله منظمة “إرهابية”.

وسط هذا النشاط الأمريكي المكثف في لبنان، وجدت فرنسا نفسها متراجعة بشكل متزايد، لا سيما منذ وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل في نوفمبر 2024، ولأن إسرائيل سعت فعلياً للحد من دور باريس مفضلة الوساطة الأمريكية بدلاً منها.

ينص اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024، الذي كان من المفترض أن ينهي أكثر من عام من القتال بين إسرائيل وحزب الله، بوضوح على أن الولايات المتحدة سترعى المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ما عمّق دور واشنطن القيادي. ومع ذلك استمرت إسرائيل في تنفيذ ضربات داخل لبنان، وسجلت الأمم المتحدة أكثر من 10,000 خرق لوقف إطلاق النار خلال ما يسمى بوقف النار هذا.

وكشف خليل حلو، محلل في الجيوسياسة ومحاضر، أن فرنسا رغم استمرار علاقاتها الدبلوماسية الرسمية مع إسرائيل فإن تلك العلاقات تدهورت بفعل الحروب الإسرائيلية على غزّة وجنوب لبنان. فيما لا تزال فرنساا حاضرة دبلوماسياً، لم تعد تلعب الدور المحوري الذي كانت تضطلع به خلال الأزمات اللبنانية السابقة.

«عملياً، لا تملك فرنسا أوراق ضغط فعالة على إسرائيل لإجبارها على وقف إطلاق النار»، كما نقل عن مسؤولين.

ومثال آخر على اتساع نفوذ الولايات المتحدة تجلّى يوم الإثنين، عندما تمكن ترامب حسب ما ورد من إجهاض هجوم إسرائيلي وشيك على الضواحي الجنوبية لبيروت بعد تهديدات إسرائيلية علنية.

يقرأ  الدانمارك تستدعي دبلوماسيًا أمريكيًا بسبب محاولات التأثير على غرينلاند — قضية تثير تقارير مرتبطة بأخبار دونالد ترامب

أشار جوهر إلى أن هناك «قلقاً فرنسياً حقيقياً بشأن تراجع نفوذها في لبنان خلال السنوات الأخيرة».

واعترف صانعو القرار الفرنسيون أن معظم المبادرات الكبرى المتعلقة بمستقبل لبنان «تمر الآن عبر واشنطون أو عبر عواصم خليجية مؤثرة»، فيما صار دور فرنسا أقرب إلى الشريك عنه إلى القائد، حسب قوله.

«لهذا تسعى باريس باستمرار إلى تأكيد موقعها في أي تسوية مستقبلية، ليس بمواجهة الولايات المتحدة، بل بتقديم نفسها كقناة لا غنى عنها للتواصل مع اللبنانيين والأوروبيين والمؤسسات الدولية.

يمكن القول إن فرنسا لا تسعى لمنافسة واشنطن بقدر ما تسعى لمنع تهميشها الكامل في الملف اللبناني.»

كيف ستحاول فرنسا المحافظة على نفوذها في لبنان؟

إحدى السبل تتمثل في المساعدات الإنسانية: ففي 11 مايو أعلنت وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية صرف 17 مليون يورو «لتلبية احتياجات السكان المدنيين النازحين».

ورأى محللون أن أحد أهم مصادر النفوذ المتبقية لفرنسا في لبنان يكمن في بعثة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).

لقد لعبت فرنسا دوراً قيادياً داخل اليونيفيل منذ تأسيسها عام 1978، وتعتبر وجودها في جنوب لبنان جزءاً مهماً من نفوذها الإقليمي. وبحسب هلو، فإن المسؤولين الفرنسيين يستكشفون خيارات لقوة متعددة الجنسيات قد تحلّ محل اليونيفيل وتمكّن باريس من الحفاظ على دور أمني في لبنان.

ومن المرجح أن يكون هذا من بين الملفات التي سيطرحها لوران فابيوس/لو دريان خلال زيارته هذا الأسبوع.

كما حافظت فرنسا على دعم طويل الأمد للجيش اللبناني، الذي تعتبره مؤسسة مركزية لدرء انهيار الدولة.

وخلص جوهر إلى أن نهج فرنسا يقوم في الجوهر على شبكة علاقات متشعبة بنتها على مدى عقود أكثر مما يقوم على القوة الصلبة.

«في الواقع، تعتمد فرنسا أساساً على الدبلوماسية الناعمة للحفاظ على نفوذها في لبنان. فهي تدرك حدود أدواتها العسكرية وأن قدرتها على التأثير مرتبطة بشبكة العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية التي بنتها عبر الزمن.»

أضف تعليق