طهران، ايران — مع دخول فصل الصيف تتعاظم ضغوط قطاع الطاقة في البلاد، إذ يسهم الانتشار الواسع لتكييف الهواء وارتفاع الاحتياجات خلال الشهور الحارة في خلل واضح بين المعروض والاستهلاك.
عقودٌ من الزمن شهدت فيها حكومات متعاقبة إبقاء فواتير المرافق أقل بكثير من تكلفة التوريد للمنازل والمكاتب عبر مزيج من الدعم الضمني لقطاعي النفط والغاز، وتطبيق تسعيرات مدارة مركزياً، وأسعار خاضعة لسيطرة الدولة، وأحياناً مساعدات مالية مباشرة.
آثار الحرب مع إسرائيل والضغوط الأميركية على الاقتصاد قلّصت من أدوات الحكومه في التعامل مع أزمة طاقة محتملة هذا الصيف، ما يترك القليل من الخيارات للتخفيف من العجز.
ورغم امتلاكها ثالث أكبر احتياطات مثبتة من النفط الخام في العالم، ستضطر ايران إلى استيراد وقود مجدداً مع تفوّق الطلب على طاقة المصافي.
الرئيس مسعود بيزشكيان كرّر مناشداته للمنازل والمكاتب باتخاذ خطوات عملية للحد من استهلاك الطاقة؛ وفي رسالة رمزية خلال اجتماع حكومي خلع سترته الأسبوع الماضي ليظهر كيف يمكن تجنب خفض درجة حرارة المكيفات في أماكن العمل.
تكاليف الطاقة للمنازل منخفضة مقارنة بمعظم دول العالم، لكن الفساد وسوء الإدارة والعقوبات والتضخم المزمن وتراجع قيمة العملة قلّصت من الفوائد الفعلية التي يشعر بها الإيرانيون من الأسعار المدعومة.
في نوفمبر 2019 أعلنت الحكومة نظام تسعير مرحلي للبنزين يتضمن زيادات كبيرة لفئات من المستهلكين، ما أثار احتجاجات واسعة النطاق، ومنذ ذلك الحين حذِرت السلطات من أي زيادات مماثلة خوفاً من ردود فعل اجتماعية.
مع استمرار وتيرة التضخم، أبقت الإعانات على الأسعار الفنية للوقود عند مستويات منخفضة بشكل مصطنع.
محاولات الإدارة لمعالجة عبء الدعم في ظل أزمة ميزانية متصاعدة أدت إلى زيادات محدودة في البنزين عبر نظام تسعير معقّد من ثلاث شرائح.
يُطبق ذلك عبر بطاقة وقود حكومية تمنح معظم مستخدمي السيارات المصنعة محلياً حصة شهرية مدعومة تبلغ 60 لتراً بسعر 15 ألف ريال للتر، وحصة إضافية تصل إلى 100 لتر بسعر مخفض آخر.
من يتجاوز هذه الحصة يلجأ إلى “بطاقة الطوارئ” الصادرة في محطات الوقود، التي تسمح له بالحصول على 30 لتراً إضافية يومياً بسعر أعلى يصل إلى 50 ألف ريال للتر.
خلال الحرب فُرض سقف جديد لتقليل الاستهلاك، فأصبحت كل بطاقة تسمح بـ30 لتراً يومياً فقط، وتُصدر محطات البنزين بطاقتها الخاصة للاستخدامات التي تتجاوز هذا الحد.
بسبب قيود في التوريد، ورد أن موظفي المحطات تلقوا تعليمات لتقليل كمية الوقود الممنوحة عبر هذه البطاقات إلى 10–15 لتراً أو عدم إصدار بطاقات جديدة للعملاء على الإطلاق.
تنفّذ الدولة برامج مماثلة للغاز الطبيعي والكهرباء ومياه المدن، وتخشى السلطات من انفجار اجتماعي يرافق أي زيادات مفاجئة في الأسعار.
يبدو أن الفجوة بين تراجع الإنتاج وازدياد الطلب على الوقود المدعوم تقلّصت إلى حدّ يصعب تجاوزه، ويتجلى ذلك في طوابير الانتظار المستمرة أمام محطات البنزين منذ اندلاع الحرب.
“إصلاح وزيادة سعر الطاقة غير ممكن ومنطقي في الوقت الراهن نظراً للظروف الاقتصادية الحالية والمخاوف الاجتماعية”، قال إسماعيل ساغب أصفهاني، نائب رئيس منظمة مرتبطة بالدولة متخصصة في تحسين إدارة الطاقة والاستراتيجية، في تصريحات هذا الأسبوع.
أجريت تغييرات على هياكل التسعير، لكنها أثّرت سلباً على الأعمال الصغيرة التي تكافح أصلاً في ظل الظروف الاقتصادية المتردية.
صاحب ورشة لحام قرب طهران، يبلغ من العمر 35 عاماً ويطلب عدم ذكر اسمه، قال إن فاتورته الشهرية من الكهرباء ارتفعت من نحو 40 مليون ريال (حوالي 23 دولاراً) في السنة الفارسية السابقة إلى ثلاثة أضعاف ذلك تقريباً اليوم.
“ذهبت إلى شركة الكهرباء، ولم يتوقف ردهم عن أن التعريفات ارتفعت فقط”، قال الرجل.
وأضاف أن صديقاً له يواجه فاتورة أعلى بكثير مقابل استهلاك مماثل لما كان عليه سابقاً، مما يجعل الأمر يبدو كأن المواطنين سيدفعون ثمن الحرب.
السلطات تقول إن أي شكاوى بشأن ارتفاع الفواتير ستحال للمراجعة، وإن هناك آلية تبقي استهلاك الأسر العاديين منخفضاً اصطناعياً، بينما يمكن محاسبة المستخدمين المفرطين بأسعار تصل إلى 45 ضعف السعر العادي.
رغم امتلاكها ثاني أكبر احتياطات مثبتة من الغاز الطبيعي في العالم، تعاني ايران من نقص دائم في الإمدادات صيفاً وشتاءً عند بلوغ الطلب ذروته.
تفاقمت الأزمة خلال الحرب، فقد تسببت ضربات على منشآت طاقة في تراجع طاقة إنتاج البنزين من 115 مليون لتر يومياً إلى 110 ملايين لتر تقريباً، في حين ارتفع الاستهلاك من 10 ملايين لتر في 2025 إلى نحو 140 مليون لتر هذا العام.
تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمزيد من الضربات على محطات الطاقة زادت من المخاوف بشأن انقطاعات أوسع في التيار ونقص الغاز الصيف المقبل، ما يشير إلى أن أزمة الطاقة قد تستمر في الأشهر القادمة.