في مايو 2024، وبعد سبعة أشهر من التهجير والتنقل بين الخيام وبيوت الناس، عدنا إلى مخيم النصيرات في وسط غزة. كان بيتنا قد أصبح غير صالح للسكن بعد هجوم في يناير، فاستأجرنا شقة تطل على ما صار يُعرف بـ«الخط الأصفر».
كنا سبعة: والداي، أختاي ايمان (23 سنة) وياسمين (20 سنة)، أخي عبدالله (تسع سنوات)، جدتي المريضة طريحة الفراش، وأنا. ظننا أنَّنا سنستعيد شيئاً من الاستقرار. بدل ذلك واجهنا رعباً لا يوصف.
في صباح الثامن من يونيو 2024، أبصر والدي من الشباك سحابة من الغبار على الأفق، ونبهنا. اقتربنا لنرى عربات عسكرية تتحرك في المنطقة. رحل بعض الجيران، لكننا بقينا، مقتنعين أن الخطر بعيد عنا. ثم تبدل كل شيء في لحظة.
سقط قذيفٌة على شقتنا دمرت أجزاء منها. كنت في الممر لحظة الانفجار، ودوّن طائرة من دون طيار تحوم فوق المبنى، كأنها تتأكد من عدم بقاء أحد. ضغط الانفجار كان خانقاً، وكأن الصوت فقد وضوحه تماماً؛ كنت أسمع صوت والدي ينادينا من بعيد، وعندما حاولت الردّ اختفى صوتي.
رأيت أختي ايمان تزحف نحوي مغمورة بالدماء؛ كانت جراحها فظيعة لدرجة أنني لم أتعرف إليها في البداية. لم تكن ياسمين أفضل حالاً؛ ثلاث شظايا اخترقت صدرها فكنت تراها تكافح للتنفس. أصيبت والدتي بجراح واضحة في الوجه، فقد انخلعت قطعة من خدها تاركة جرحاً عميقاً. والدي حمى أخي الصغير عبدالله، فاحتمى به وأخذ الشظايا عنه؛ أصيب في ساقيه وكان يتألم بشدة.
كانت جدتي طريحة الفراش لا تزال داخل الشقة. ظننا في البداية أنها قضت، لكن والدي عاد ليتحقق منها رغم الخطر، ووجدها حية وإن كانت مصابة بشظايا أيضاً، فحملها وأخرجناها بصعوبة إلى الطابق الأرضي ثم إلى الخارج.
استمر القصف. حاولنا إبلاغ الإسعاف مراراً بلا جدوى، حتى ردَّ أحدهم بصوت قاسٍ: «لا نستطيع الوصول إليكم، الدبابة تقف في نهاية الشارع وإذا تحركنا ستُستهدف المروحية أو العربة». كانت كلماته أثقل علينا من القصف نفسه. لم يكن هناك مساعدة آتية، ولا مفر.
بقينا عند مدخل المبنى المتهدم، ننزف ونتنفس بصعوبة، لأكثر من ثلاث ساعات. كانت أختاي وأمي تغيبن وتعودن إلى الوعي. كانت ايمان ملقاة في بركة دم، وأخي عبدالله جالس إلى جانبها بصوت مرتعش يقول: «قولوا لا إله إلا الله… الله أكبر… قولوا الشهادة». من ناحية أخرى، كانت ياسمين تناديني بصوت متقطع، مصابة في صدرها، بالكاد تتنفس: «لينا… لا أستطيع… ساعديني… لا أستطيع التنفّس…».
أخيراً وصلت سيارة إسعاف وقادتنا عبر شوارع مغطاة بالأنقاض إلى مستشفى شهداء الأقصى، حيث واجهنا رعباً أكبر. عند فتح الأبواب رأيت مئات الناس بوجوه متوترة وعيون خائفة: بعضهم يبحث عن ذويه، وبعضهم ينعيهم. كان الطابق مغطى بالدماء والناس يحاولون بلا جدوى مسحها. المنظر كان يصعب تصديقه: مصابون بلا أطراف، صراخ وأنين امتزجا حتى اختلطت الأصوات. حاولت صرف انتباه أخي، لكن لم يكن هناك مكانٌ لا يذكرك بالدماء والدمار.
اقتربت ممرضة وفحصتني، ولاحظت جرحاً لم أكن أشعر به. قالت بهدوء: «لا تخافي، ابقي هنا». وقفت حافية القدمين، أراقب كل ذلك بصمت؛ لم أكن أبكي، كنت في حالة صدمة كاملة، كأن عقلي انفصل عن الواقع لكنه لا يزال يرصده.
في تلك اللحظات الأولى سمعت البعض يصف ما جرى بأنه «عملية عسكرية لتحرير أسرى». بقينا في المستشفى خمسة أيام لم أنم فيها؛ في كل مرة أغمضت عيني كان مشهد الدبابات والغبار والانفجار يعود إليّ. بعد خروجنا عدنا إلى الشقة لأننا لم نجد مأوى غيرها، لكن البقاء في المكان الذي سبَّب لنا ذلك الألم كان لا يُطاق نفسياً، فعُدنا إلى الخيمة.
أثر ذلك اليوم لا يزال حاضراً في جسد عائلتي. لا تزال ايمان تحمل شظية في يدها قرب عصب حساس، لا يمكن استخراجها خوفاً من إلحاق ضرر دائم بحركة يدها، رغم الألم المستمر. ياسمين لا تزال تحمل شظايا في صدرها أثّرت على تنفسها طويلاً. جرح وجه والدتي ما زال واضحاً. وجدتي تعاني من إصابات شظايا في ظهرها مع ألم مزمن تفاقمه الشيخوخة وضعف المناعة.
دمر الانفجار غرفتين كاملتين من شقتنا وتضررت معظم أثاثنا وملابسنا بالشظايا. أصبحنا نخاف من النوافذ ومن أي موضع مكشوف إلى الخارج؛ كلُّ نظرةٍ إلى الخارج تعيدنا إلى لحظة القصف وتُعيد معها رعباً لا يفارقنا.
بعد شفائي لاحقاً علمت كيف وُصفت الهجمة بأنها «عملية إنقاذ ناجحة»: تقارير تحدثت عن أفراد مسلحين بملابس مدنية دخلوا المنطقة في شاحنات مساعدات، وآخرون تظاهروا بالبائعين للتخفي، بينما تقدمت عشرات الدبابات صوب شارع صلاح الدين حيث كنا نسكن، وأحاطت الطرق الرئيسية بنيران كثيفة شملت إطلاق نار من مروحيات وطائرات دون طيار. ما قيل «نجاح إسرائيلي» لأنه أفرج عن بعض الأسرى، لكن لا أحد تكلم عن الدمار الذي خلفته أو عن الأرواح التي تحطمت.
قُتل ما لا يقل عن 274 شخصاً وأُصيب نحو 700 بحسب جهات الصحة. وُصف تحول النصيرات إلى جحيم بخطٍ صغير في نشرات الأخبار.
بعد عامين ما زلت أستيقظ على كوابيس متكررة: قصف، دبابات، أصوات مدوية وبحار من الدماء. أي صوت قذيفة يعيدني فوراً إلى نفس الشعور بالاختناق والخطر، وإلى سؤال لا يفارقني: هل سأبقى على قيد الحياة هذه المرة؟
لا أحد حوكم. لم تُفتح تحقيقات حقيقية. بعد عامين ما زال المسلسل مستمراً بصور مختلفة: انتهاكات يومية بلا مساءلة حقيقية، ولا وقف قتال محسوس على الأرض.
لا مكان آمن في غزة. السماء تملأها طائرات مراقبة تلاحقنا ليلاً نهاراً، مع قصف مدفعي متواصل وتوسع دائم لما يُسمى «الخط الأصفر» الذي يوسع مناطق الخطر ويقيد حركة الناس أكثر فأكثر. وصول المساعدات والإمدادات الطبية محدود بشدة، وأسعار السلع الأساسية ارتفعت لدرجات لا قدرة لنا على مواجهتها. الناس مرهقون منذ سنوات من أزمة لا تترك جانباً من حياتنا اليومية إلا ونفد منه شيء.
حياتنا كمدنيين تحت تهديد مستمر؛ شبان، أمهات، أطفال يُقتلون فجأة وهم يمارسون حياتهم اليومية. أمشي في الشارع، وعلى بعد أمتار يُستهدف مجموعة من الشبان دون سابق إنذار.
أنجو بمعجزة، لكن إلى متى؟