أعلنت فرنسا وألمانيا هذا الأسبوع وقف مشروع كبير كان يهدف إلى تطوير مقاتلة من الجيل السادس بشكل مشترك، في صفعة مؤثرة لجهود تعزيز التعاون الدفاعي بين دول الاتحاد الأوروبي.
تأكيد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في اليوم الاثنين على إلغاء المشروع اعتُبر ضربة قوية لمساعي توحيد القدرات الأمنية الأوروبية، وهي مسألة ازدادت حساسيتها مع تزايد الشكوك بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها في الناتو، لا سيما في ظل سياسات الرئيس دونالد ترامبب وتصريحاته المتقلبة.
قضية غرينلاند، التي أثارتها تصريحات ترامبب منذ 2019 وحتى أوائل هذا العام، صعدت التوترات: اقتراحه الظاهر لشراء الجزيرة — وهي إقليم ذي حكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك — قابله استياء أوروبي وتهديدات بفرض رسوم تجارية إضافية على من يقف في طريقه. الدنمارك والغرينلاند كرّرتا مراراً أن الجزيرة ليست للبيع، وإن حتى احتمال السعي للاستحواذ بالقوة رنّ ناقوس الإنذار في العواصم الأوروبية.
إلى جانب ذلك، انسحاب جزء كبير من الدعم الأمريكي لأوكرانيا خلال الفترة الأخيرة وانتقاد ترامبب المتكرر لشركاء الناتو الأوروبيين لعدم إنفاقهم كفاية على دفاعهم، مع دعوته الصريحة لتقليل اعتمادهم على الحماية العسكرية الأمريكية، ضاعف الشعور بعدم اليقين في القارة.
رفض أوروبا الانخراط في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، والتي بدأت بضربات طهران في 28 فبراير، زاد أيضاً من استياء الإدارة الأمريكية وعمق المخاوف من أن اتساع الشرخ عبر الأطلسي قد يضعف أمن القارة ويشجع روسيا على مزيد من المغامرات.
حتى هذا الأسبوع، كان مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS) يُنظر إليه كمعادل للتقليل من تلك المخاوف: اتفاق تاريخي شارك فيه فرنسا وألمانيا واسبّانيا لتطوير مقاتلة الجيل القادم. غير أن الخلاف حول من ينبغي أن يقود المشروع — دارسو داسو (Dassault Aviation) الفرنسية أم إيرباص التي تمثل أيضاً مصالح ألمانيا وإسبانيا — أفضى في النهاية إلى انهيار الاتفاقية.
مع ذلك، يرى محلّلون أن الأمل لم يُفقد بالكامل: فقدرة أوروبا على تحقيق استقلال استراتيجي ممكنة، لكن الطريق يمر عبر تكامل عسكري فعّال على أرض الواقع أكثر منه عبر طموحات سياسية عريضة، حسبما قال جوزيبي سباتافورا، محلل السياسات في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية. وأضاف أن أزمة FCAS تبرز «حدود المشهد الصناعي الدفاعي الأوروبي حيث تتعارض أحياناً الاحتياجات الوطنية مع الهدف الأوسع للتكامل الدفاعي»، لكنه حذر من عدم المبالغة في تقدير تأثير ذلك.
انتكاسة وليست انهياراً
بحسب جايمي شيا، مسؤول سابق في الناتو وزميل برنامج الأمن الدولي في تشاتام هاوس، يعد انهيار FCAS انتكاسة واضحة لكنه لا يعني انهيار تكامل الدفاع الأوروبي برمته. كان يُأمل أن يدفع المشروع عجلة التقدم خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء ودمج البيانات وواجهة الأنظمة المأهولة والآلية. ومع انضمام دول مثل إسبانيا للمشروع كان من المتوقع أن يتولد أثر دومينو في تقنيات الدفاع الحديثة على مستوى القارة.
أشار سباتافورا إلى أن جذور المشروع تعود إلى 2017، زمن مختلف قبل الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا وقبل عودة ترامبب إلى البيت الأبيض؛ ولذلك قد يحتاج أي مشروع مماثل اليوم إلى تصميم مختلف يعكس السيناريو الراهن. ومع ذلك، يعتقد أنه لا يغيّر الاتجاه العام نحو تقليل الاعتماد على منظومات الأسلحة الأمريكية وتقوية القدرات الأوروبية الذاتية.
ستتابع فرنسا وألمانيا تنفيذ بعض مكوّنات FCAS، مثل «سحابة القتال» التي من شأنها رفع قدرات القيادة والسيطرة الإلكترونية لأوروبا. كما تسعى إيرباص وشركات ألمانية أخرى إلى مواصلة أعمال البرنامج في مجالات مثل بنية البرمجيات وتكنولوجيا الطائرات المسيرة. وفي حال لم تُبنى مقاتلة مأهولة، فقد تظل هناك فوائد ملموسة لقاعدة التكنولوجيا الدفاعية الأوروبية.
لا داعي للهلع، بحسب بعض الخبراء
حضّ غونترام وولف، الزميل في معهد بروجيل، على عدم المبالغة في التفاعل مع القرار بشكل سلبي. وقال إن FCAS كان مشروعاً معقَّداً للغاية وقد يُبالغ البعض في تقدير أهميته العسكرية في وقت تتعاظم فيه أهمية الأنظمة الآلية الرخيصة. كما أن القرار يعكس أيضاً إعادة تقييم ما إذا كانت التكاليف الباهظة مبررة فعلاً.
نقاط قوة أوروبية وتحديات راهنة
تتمتع أوروبا بقوة صناعية في بناء السفن والغواصات والصواريخ قصيرة المدى والدفاع الجوي — مع أمثلة مثل نظامي IRIS-T وSAMP/T — ولديها تجارب ناجحة في برامج المقاتلات مثل يوروفايتر وتورنادو وGripen. لكن المشكلة الأساسية تبقى نقص الاستثمار والصعوبات في التحول إلى إنتاج ضخم بمعدلات تواكب متطلبات الحروب الحديثة.
هذه المسألة برزت بحدة عندما استقال وزير دفاع بريطاني بصورة دراماتيكية احتجاجاً على تقليصات التمويل، معتبراً أن الموارد الممنوحة لا تكفي لحماية البلاد في وقت تتصاعد فيه التهديدات. وفي النهاية، يرى المحلّلون أن الدول الأوروبية ستحتاج إلى التكاتف إذا أرادت مجابهة القدرة العسكرية الأمريكية مستقبلاً.
الدمج بين الأنظمة والمجالات المختلفة في فضاء قيادة ميدان قتالي موحَّد هو التحدي الذي تتقدم فيه الولايات المتحدة على الأوروبيين، حسب شيا. وكمثال، تُنتج روسيا وأوكرانيا ملايين الطائرات المسيرة، والأمر نفسه أدى إلى نقص في الأسلحة حتى لدى الولايات المتحدة في صراعات مثل حرب إيران. الدرس المستفاد أن أوروبا بحاجة إلى قدرات رخيصة تُنتَج بالجملة للردع والدفاع، بينما كان FCAS في جوهره مشروعاً مكلفاً للغاية.
قضية التنسيق بين دول لها صناعات وطنية عديدة غير المتوافقة تظل معضلة حاسمة وسيشكّل حلّها قاعدة تصميم أدوات الاتحاد الأوروبي المستقبلية لدعم المشاريع الدفاعية المشتركة. كما أن منصات مثل الطائرات والسفن والمركبات البرية تستغرق عقوداً للتطوير، والعقود الموقعة اليوم قد لا تُفرز معدات تصل ميدان القتال قبل 2040، لذا ثمة حاجة لترقيات سريعة و«حواجز ملء الفجوات».
الاعتماد الأمريكي ومستقبل الاكتفاء الذاتي
سباتافورا يحذر من أن انهيار FCAS لا ينبغي أن يدفع أوروبا للعودة بشكل أكبر إلى الاعتماد على المنظومات الأمريكية، إذ أن سياسة إدارة ترامبb واستنزاف المخزونات بعد حرب إيران قد قلّلا من موثوقية الإمدادات الأمريكية. وهو يؤكد أن ضمانات واشنطن تعتمد على أصول أخرى — صواريخ بعيدة المدى وقوات منشورة وبنى قيادة وسيطرة — أكثر منها على مقاتلة من الجيل القادم.
الدروس الختامية: متطلبات عسكرية قبل الطموح السياسي
فشل FCAS يخدم روسيا بلا شك، وربما يخدم الولايات المتحدة التي قد ترغب في بيع المزيد من مقاتلات F-35 والحفاظ على اعتماد أوروبا التقليدي على معداتها العسكرية. ومع ذلك، ثمة بوادر لعودة التوازن: احتمال تجدد الاهتمام ببرنامج GCAP المشترك بين المملكة المتحدة وإيطاليا واليابان، وتعزيز قدرات الفضاء العسكري في وكالة الفضاء الأوروبية، وآليات تمويل دفاعية داخل الاتحاد مثل «إجراءات الأمن من أجل أوروبا» (SAFE).
الشراكات مع أوكرانيا، التي برهنت تحت الضغط على قدرتها في الإنتاج الكمي للطائرات المسيرة والذكاء الصناعي، يمكن أن تساعد أوروبا على مواكبة التطورات في مجالات محورية. وسيبقى لواشنطن دورٌ في قدرات معينة، لا سيما الردع النووي، لكن مع الزمن ستسعى الدول الأوروبية لتطوير نفسها أكثر فأكثر.
الخلاصة العملية التي طرحها شيا: يجب أن يقود التكامل الدفاعي متطلبات عسكرية واضحة وليس الطموحات السياسية المجردة. التعاون الفرنسي-الألماني طالما كان صعباً لأن لدى كل منهما شركات دفاعية كبيرة لا ترغب أن تكون في موقع «الجهة الثانية». النموذج الأكثر واعدة هو تعاون قائم على منافع عملية مشتركة ومنطلقات تشغيلية متوافقة — كما في اتفاقية المملكة المتحدة والنرويج لتصميم مدمر جديد بقيادة BAE Systems وبمشاركة شركات نرويجية أصغر — نموذج يعتمد على التعاون الطبيعي من الأسفل إلى الأعلى بدلاً من التعاون السياسي المفروض من الأعلى.