جولة الامتنان ماري ريتشاردسون — غرفة المعلمين

نظرة عامة:

ماري ريتشاردسون، فتاة من نوكسفيل كانت تتألق كـ“ماجوريت” في شبابها، كرّست حياتها للتدريس فأمضت اثنين وأربعين عاماً في التعليم بولاية كارولاينا الجنوبية، تلبيةً لاحتياجات طلابها العاطفية والجسدية بنفس التفانِي الذي أولته للاحتياجات الأكاديمية.

في مرحلتها الثانوية (1972–1975) كانت ماري تُبهر الجمهور على ملعب مدرسة ساوث هاي للّكرة، ولم يكن أداؤها مجرد حركات رتيبة، بل بريقٌ واضح. بدأت ممارسة الرقص وحمل العصا منذ سنِّ الثالثة، حتى شاركت كراقصة إحماء إلى جانب دولي بارتون في ستينيات القرن الماضي خلال برنامج Cas Walker Farm and Home Hour — وهو اسم معروف لأهالي شرق تينيسي لما يمثله من أثر محلي.

بسبب رفضها الانغماس في العصبيات الجماعية، كان طريق ماري ومشواري متقاطعين كثيراً خلال سنوات المدرسة، وأنا بصفتِي رئيس صفنا النهائي (مهمة تطوعت لها، لا تستغربوا) توليت تنظيم لقاءات التخرج؛ حضرت ماري جميعها تقريباً، حتى بعد انتقالها بعيداً عن نوكسفيل، دائماً بابتسامة وكلمة طيبة لكل من يلتقيها.

من خلال لقائنا في اللقاءات المدرسية وتواصلنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تبين أن اهتماماتها تتوزع بين الكنيسة، والسيارات الرياضية (كورفيت)، والفروسية. أليس من المُغري التعرف على معلمة كرّست عمرها للتعلُّم والكنيسة والخيول والسيارات؟

في لقاء خمسين عاماً لتخرجنا يوم السبت 19 يوليو 2025، تيسّر لنا الحديث مجدداً. لم أشترِ لها مشروبها بشكل مباشر، لكن بصفتي رئيس الصف اهتممت بأن تستمتع بكوب الليمون الكبير والمقبلات على حساب اللقاء، تيمّناً بسخاء شخصيات قصصية مثل تشيك دونوهيو في فيلم The Greatest Beer Run Ever.

بعد أن تخرّجت ماري مع دفعة عام 1975، التحقت بكلية سولنز في بريستول، فيرجينيا، وكان الطريق الوحيد الذي فكرت فيه هو التعليم. نشأت ماري في بيتٍ تديره أمّها كمركز لرعاية الأطفال، وكانت العائلة بأكملها تميل إلى المهنة نفسها—أخ أكبر وزوجته وخمسة أبناء عمومة يعملون جميعاً كمعلمين أو إداريين. عادت لاحقاً إلى جامعة تينيسي في نوكسفيل لتحصل على بكالوريوس التربية عام 1979.

كانت أول محطة لها مهنياً في منطقة Oneida الخاصة، حيث درّست الصف الثاني سنة كاملة. أحبت الطلبة والزملاء والإدارة، لكن رحلة الذهاب والعودة الطويلة (144 ميلاً ذهاباً وإياباً) أثّقلت عليها، فقررت ألا تعود في السنة الثانية. آنذاك كانت تتعافى من خسارة شخصية، فعملت في 1980 في عيادة بصرية صباحاً ومكتب طبي لتخصص العيون بعد الظهر، قائلةً إن الله علِم أنها كانت بحاجة إلى ذلك الانقطاع.

يقرأ  ماري هولست: تعيد نسج الأنوال لعصرٍ رقمي

في موعد مُرتّب لم ترَ منه الكثير، قابلت في 1981 رجلاً صار لاحقاً زوجها—دوين ريتشاردسون—وتزوّجا في يناير 1982. بعد برنامج تدريبي لإدارة لدى شركة كروجر عُرض على دوين انتقال إلى أوغستا بولاية جورجيا، ثم بعد ثلاثة أشهر استقرّا في أندرسون بولاية كارولاينا الجنوبية. عملت ماري كمسؤولة طلبات غير غذائية في متجر كروجر في انتظار العودة إلى الصفوف.

بعد عام نُقِلا إلى مقاطعة أيكن، وقد انتهت تنقلات دوين، تقدّمت ماري فوراً بطلب إلى مدارس المقاطعة، وعندما كانت لا تزال تفرّغ صناديقها عُرضت عليها وظيفة تدريس مادة الرياضيات والعلوم للصف السابع في مدرسة ليفيل ماكامبل الإعدادية عام 1984—وهكذا عادت إلى ما تحب.

في نفس العام وُلدت ابنتهما الأولى، فانتهت رحلات القيادة الطويلة، لكن أمام ماري سؤالٌ أكبر: هل تستطيع أن تجمع بين الأمومة والمهنة؟ كانت إجابتها نعم. اعتبرت أن الموازنة بين العمل والأسرة صعبة، ولعل سرّ نجاحها تكمن في التخطيط الفعّال: “وقت التخطيط يجب أن يُستثمر في تخطيط احتياجات الطلاب.”

في 1985 انتقلت أمّها إلى أيكن لتساعد في رعاية الحفيدة. كانت “الجدة الأفضل” بمنحها الوقت والمهارات للعائلة، مما سمح لماري بالعمل فترة إضافية بعد الظهر ثم العودة لتكون أماً وزوجة وابنة كاملة. كما التقطت قليلاً من العمل في كلية أيكن التقنية في أواخر الثمانينيات.

وُلدت الابنة الثانية في 1990، واستطاعت العائلة بفضل دعم الأم أن تجد توازناً مُريحاً بين العمل والحياة. في 1999 انتقلت ماري إلى مدرسة نورث أوغستا الابتدائية لتدرّس الصف الخامس، وكان ذلك تحولاً أحَبَّته. رحلت أمّها في 2003، ومع ذلك واصلت ماري مسارها الأكاديمي فحصلت على درجة الماجستير من جامعة ساوثرن ويسليان عام 2005. في 2007 عادت للتدريس في مدرسة هاموند هيل الابتدائية بالصف الخامس.

التزمت ماري بتجديد شهادتها عبر دورات في كلية تشارلستون وجامعة كارولاينا الجنوبية، ومع مغادرة بناتها البيت بدأت منذ 2010 بتدريس دروس خصوصية في الرياضيات لكل الأعمار، ثم انتقلت في خريف 2018 إلى وظيفة مُعلِّمة منزليّة لطلبة مدارس مقاطعة أيكن، ومنذ 2024 تُدرّس الكبار مادة الجبر في مركز جونستون للتعلُم.

ماري الآن في عامها الثاني والأربعين في مهنة التدريس ولا تنوي التوقّف فوراً؛ انها تعتبر نفسها متعلِّمة دائمة تقبَل التحديات وتستنطق مكافآت العمل مع الشباب، وتفرح حين ترى بريق الفهم وابتسامة التلميذ بعد استيعاب فكرة جديدة. “لكل إنسان غاية في الحياة، وشعرت أن غايتي أن أدرّس وأُحدث فرقاً في حياة الشباب الذين باركني بالعمل معهم.” لا يستغرق لقاء ماري طويلاً حتى تدرك أن أخلاق العمل والبهجة ترافقانها في كل ما تفعل.

يقرأ  جولة في منزل الكوميدي بيت ديفيدسونالمفعم بالأعمال الفنية — معروض للبيع مقابل 2 مليون دولار

لو طلبت ماري أن تقوم بجولة امتنان فإنها ستزور أولاً معلمتها السيدة هيلتون التي علّمتها أن الرحمة صفة جوهرية في مهنة التعليم: “لن أنسى رسائلها لي بعد وفاة أبي.” وتعلّمت الصبر واللطف من معلمة الرياضيات السيدة هدسون، والتشجيع من السيد ماكسويل، وجعل التعلم ممتعاً من السيدة والاس. قيمة هذه الدروس لم تقتصر على المعرفة العلمية بقدر ما كانت في طريقة معاملة الآخرين بالاحترام.

ترى ماري أن المجتمع لم يجعل الحياة أسهل بالقدر الكافي، خصوصاً لأجيال اليوم؛ لذا من الضروري أن يراعي المعلمون الاحتياجات التنموية المتكاملة للطلاب—الجسدية والعاطفية والعقلية—لا الاقتصار على المتطلبات الأكاديمية فقط. وتؤكد على ضرورة اجتماعات منتظمة لمناقشة خطط الطلاب الخاصة ووضع قوائم مراجعة تُطرَح مع المعلمين والمهنيين والأهل بصفة دورية، لا أن تُؤخَذ مرة في نهاية العام فقط.

في بداياتها لم تتوقع أن تضطر لزيارة منازل طلابها، لكنها صُدمت برؤية ظروف الفقر: أرضيات ترابية، غياب المراحيض الداخلية، نقص الكهرباء والطعام، غياب وسائل النقل، ومناطق ذات معدلات جريمة مرتفعة—لم تكن قضايا إهمال بقدر ما كانت عائلات عالقة في ظروف قاسية. أدركت ماري أن صفّها كان ملاذاً آمناً طوال الأسبوع، فكانت توفر فواكه ووجبات خفيفة ومياه معبّأة وضروريات يومية، بينما يتولى المرشدون تزويد الملابس والطعام للأيام المنزلية. عرفت أنها إن لم تلبِّ الاحتياجات الأساسية فلن تتمكن من تعليم أحد.

أكبر ندم لدى ماري كان رسوب بعض الطلاب في بدايات مسيرتها—ثلاثة في سنتها الثانية وواحد في الثالثة—ولم تلُمهم بل اللوم وقع على عاتقها، فكان ذلك دافعاً لتحسين استراتيجياتها التعليمية حتى استطاعت تحقيق نسبة نجاح كاملة بعد ذلك. لقد واجهت التحدي وسعت لتؤمن لِكُل طالب سبل النجاح.

ورغم المَكافآت الرسمية من جوائز ومنح وتقديرات، تبقى أعظم مكافئاتها علاقات الصداقة التي نشأت مع طلابها الكبار؛ تَدفُق رسائلهم في الأعياد، مكالماتهم في أعياد ميلادها، وبطاقاتهم العشوائية يذكّرونها أن صفّها كان مكاناً للعلم واللطف والرحمة، وأنّها ساعدت على تشكيل شخصيات واعية وممتنة—ومثل هذا هو النجاح الحقيقي بالنسبة لها.

يقرأ  جمال الرياضياتغرفة المعلمين

دائماً كانت ماري تُقدم أكثر مما يُتوقع—كطالبة، وكـماجوريت، وكابنة وزوجة وأم، وبالتأكيد كمعلمة. كانت تعتقد أن الاعتمادية والمسؤولية أساسان، حتى لو اختلفت مع جانب من العمل فكانت تعبّر عن رأيها وتقدّم بدائل، لكنها تنفّذ واجباتها بأكثر مما يتوقعه الآخرون. نصيحتها للمعلمين الجدد: كُن فوق المستوى المطلوب.

مبدأها العملي كان الاستعداد لليوم التالي قبل مغادرة المدرسة؛ وإن لم يسنح الوقت، فعلى الأقل ينبغي أن يدخل المعلم الصف وهو واثق من خطته. في نهاية كل يوم كانت تطرح على نفسها أسئلة عملية: هل بذلتُ جهدي؟ هل استحقت راتبي؟ هل لبّيتُ احتياجات طلابي؟ ماذا كان يمكن أن أفعل بشكل مختلف؟ وما جدول الغد؟ هذا رصيد عملي لأي مدرّس، ومع ذلك تدعو المعلمين إلى منح أنفسهم الرحمة إذ يتخذون مئات القرارات يومياً.

تذكر ماري رهبتها في أول أيام التدريس عام 1979، لكنها كانت متحمسة لتشارك تلك الفرحة مع العائلة والأصدقاء. وبعد انتقالها لتدريس البالغين، جاء وداعها لمدرسة هاموند هيل في 2018 بلحظات مؤثرة وهي تُغلق باب صفها للمرة الأخيرة.

خجلت ماري من أن تسأل مباشرة، لذا اعتمدت على بناتها كي تبلّغها انطباعات طلابها السابقين: كيلي وكايتي أخبرتاها مراراً أن طلابها يعتبرونها صبورة، لطيفة، مستمعة جيدة، منصفة، ودائماً ساعية لمساعدة من يعاني. وأثر تفانيها وشغفها لم يخف عنهم حتى وإن لم يعبّروا عنه بالكلمات الكبيرة.

في السنوات الأخيرة استبدلت ماري وزوجها شغفهما بالـكورفيت والخيول باهتمامات أخرى أكثر ملاءمة للعائلة والميزانية، أحدها حفيدتهما العظيمة البالغة عامين والتي يقضيان معها أربع بعد الظهر أسبوعياً—تمنحهما الشباب والضحك والفرح. ويستمتع الزوجان بالطهي المشترك وابتكار وصفات جديدة، كما يستمران في حبّ الحيوانات عبر مشاركتهما ببرنامج Trap-Neuter-Return لإدارة مستعمرات القطط الضالة بشكل إنساني؛ يبني دوين ملاجئ للقطط ويخرجان يومياً لوضع طعام وماء طازج.

نشأت ماري في عائلة تُقدّر التعليم ورعت بها مبادئ العناية بالبشر والكائنات الأخرى. رغم أن التدريس بدوام كامل انتقل إلى نشاطات أخرى، فإن شغفها لم يخِب؛ يظهر هذا الشغف في كل لقاء يُجمعها بزملائها وطلابها السابقين، وتنبعث الفرحَة في عينيها عندما تتحدّث عن عائلتها وعقودها في المهنة التي اختارتها.

أضف تعليق