خانيونس، قطاع غزة — كان أملُ رفَا القدرة، البالغة من العمر خمسة عشر عاماً، واحداً بسيطاً وحيويّاً: الخُروج من القطاع في الوقت المناسب لإنقاذ بصرها. قبل أن تمنحها إسرائيل ذلك الإذن يوم السبت، احاط الظلام بحياتها فجأةً.
تجلس رفَا في ملجأٍ مفتوح الجوانب مغطى بنيلونٍ سميك في منطقة المواسي الساحلية جنوب خانيونس، واضعةً يديها باستمرار فوق عينيها، إما لتكفّ ضوءاً لا تراه لكنه لا يزال يحرق، أو لتحجب دموعها المتساقطة. الجلد المحيط بعينيها احمرّ من كثرة الضغط، وهي تتساءل والدموع على وجنتيها: هل هذا نهاية بصرِي؟ هل سأبصر مرة أخرى؟ هل سأقرأ أو أكتب أو أرسم؟ أم سأظل بحاجة لمساعداتٍ حتى لأتجاوز هذا الخيمة؟
يشرح والدها، رفعت، البالغ من العمر 57 عاماً، أن حالة ابنته كانت قابلةً للتحكّم قبل الحرب بواسطة النظارات والمتابعات الطبية. وأضاف بصوتٍ مكلوم: ما تلا ذلك فاقم كل شيء — شهورٌ من النزوح، حمل أمتعةٍ منعتها تعليمياً من حملها، سوء التغذية، الغبار وانهيار الرعاية التخصصية.
خلال الأشهر الماضية ارتفع ضغط عين رفَا — وهو ما يقاس بمليمترات زئبق (mmHg) — إلى 50 مم زئبق في العين اليمنى و35 مم في اليسرى، بينما النطاق الطبيعي يتراوح بين 12 و20 مم زئبق، ما جعلها تعيش ألماً لا يُحتمل. خضعت لعمليات ليزر متكررة، وجراحة في العين اليمنى في الأسبوع الأول من يونيو، وإزالة للعدسة. وحتى المحلول المُستخدم لخفض ضغط العين كان منتهي الصلاحية منذ يوليو، لغياب بدائل متاحة في غزة.
ثم انطفأت النور تماماً.
رفَا واحدةٌ من أكثر من 18,500 مريضاً تقول موسسة الصحة العالمية إنهم بحاجة إلى إجلاء طبي من غزة لتلقّي علاجات غير متوفرة في القطاع. قصف إسرائيل لقطاع غزة في حربها التي بدأت في أكتوبر 2023 دمّر القطاع الصحي، الذي كان يعاني أصلاً قبل الحرب، ودفعه إلى حافة الانهيار.
قائمة الانتظار للموت
نصّ اتفاق وقف النار في أكتوبر صراحةً على استئناف عمليات الإجلاء الطبي من القطاع. لكن إسرائيل انتهكت ذلك سريعاً، معلنةً إبقاء معبر رفح، المعبر الرئيسي لخروج الفلسطينيين، مغلقاً؛ ولم تسمح سوى بتحرّكات محدودة بعد أشهر. في 28 فبراير أُغلق معبر رفح مجدداً، ومنذ ذلك الحين أُوقفت كل عمليات الإجلاء الطبي. وفي أبريل اضطرت المنظمة العالمية للصحة إلى تعليق تنسيقها للإخلاءات مؤقتاً بعد مقتل مقاول يعمل لصالحها في غزة.
رغم المناشدات الدولية لإلزام إسرائيل بشروط وقف النار والسماح لمرضى حرَجين بمغادرة القطاع، لا يزال الآلاف محاصرين. قالت وزارة الصحة في غزة إن ستة إلى عشرة مرضى يموتون يومياً أثناء انتظارهم السفر للعلاج بالخارج، وحوالي 1,200 فقدوا حياتهم منذ سيطرة إسرائيل على معبر رفح في مايو 2024.
قبل أكتوبر 2023، كان من 50 إلى 100 مريض يخرجون يومياً لتلقّي رعاية طبية. لكن تشديد الحصار قلّص التدفق إلى قطرةٍ ضئيلة. وقدّرت منظمة أنقذوا الأطفال أن وتيرة الإخلاء الحالية قد تستغرق أكثر من عام لإخراج جميع المحتاجين.
يقول رفعت إن رفَا تحملت إحالة إخلاء طبي منذ نحو عام، لكن الإذن الإسرائيلي لم يأتِ قط. وهو يرفع أوراق ابنته مُعلناً: العدسات التي تحتاجها غير متوفرة هنا. ما يحدث جريمة.
«هذه جريمة»
في خيمةٍ مجاورة بسقف نيلوني يجعل الحرارة داخلها شبه لا تطاق، ترقد فاطمة سعيد، ذات الخمس سنوات، على ظهرها على مرتبة عاجزةً عن الحركة. الحشرات والبعوض والقوارض حضورٌ دائم. أمها وفاء تقلب جسدها وتُهَيِّئها بالريح بما تَصِله يدها — قطعة كرتون أو زبدية بلاستيكية — لأن فاطمة لا تستطيع المضغ، فتهرع الأم لتحضير طعامٍ لين لها.
تقول وفاء، البالغة من العمر 35 عاماً: فاطمة وُلدت بحالة دماغية، لكن قبل الحرب كانت تُحرز تقدماً ملحوظاً بعلاجٍ طبيعي. كانت تستطيع الجلوس مستقيمة، أظهرت بوادر للكلام وكانت في طريقها للمشي. الحرب أنهت كل ذلك. ومع تدهور الرعاية وتردّي ظروف النزوح بدأت التشنجات. فقدت القدرة على الكلام وتحتاج الآن إلى أدوية مضادة للتشنّج ونُقِلت للمستشفى مراتٍ متكررة.
بحسب المنظمة العالمية للصحة، تعرض 94% من مشافي غزة للدمار أو الأضرار في حرب إسرائيل، ما ترك آلاف المرضى والجرحى بلا رعاية طبية أساسية. كما اتهمت منظمات دولية إسرائيل بمنع وصول المساعدات الإنسانية، بما فيها الأدوية، إلى غزة رغم اتفاق وقف النار في أكتوبر.
تقول وفاء بغضبٍ ومرارة: هذه جريمة بكل المقاييس. ليس أن حالة فاطمة ميؤوسٌ منها؛ تقييم الأطباء يقول إنه بالإعادة التأهيل المناسب، وبيئة ملائمة، وماء نظيف، وغذاء كافٍ، ما زال الشفاء ممكناً. ولا شيء من هذا متوفر هنا. أن تحرم طفلة ذكية وفطنة من فرصة حياة طبيعية جريمة.
لو كانت المعابر مفتوحة لكنت أخذتها إلى أي مكان، تضيف وفاء، لكن كل شيء مغلق. ما يحدث لابنتي هو حكم بالعجز على طفلة لم تفعل شيئاً.
إسماعيل الأقداد وأطفاله الأربعة في المواسي، يعرض أوراقه الطبية.
«أريد أن أعيش. لا أريد أن أموت.»
في مكان آخر من المواسي، يجلس إسماعيل على كرسي خشبي. لا يقدر على تحريك ذراعيه أو ساقيه، لا يمشي وفقد القدرة على الكلام. تقريره الطبي يوضح أن مرضاً عصبياً تنكسياً سرق منه تدريجياً السيطرة على العضلات والحركة.
قبل الحرب كان الأربعيني يعتمد على عكازين ويتكلم بضع كلمات، وكان يعمل في مصنع طوب ويعيل أسرته. بعد ستة أشهر من اندلاع الحرب بدأت حالته تتدهور. كان الدواء الذي اعتمد عليه لتثبيت تقدّم المرض — وبعضه يتجاوز سعره مئة دولار للعبوة وكان مصدره مصر — قد انقطع تماماً مع إغلاق المعابر. ولم يظهر بديل محلي متاح يعوّضه.
«هذه حكم إعدام لأخي»، قال خالد، 27 عاماً. «حياته مرتبطة بعلاج وأدوية لا توجد إلا خارج غزة.»
فحوصات أُجريت في مستشفى ميداني أردني منتصف 2024 أكدت أنه من الناحية الطبية لا يزال هناك احتمال لتحسّن حالته إذا أمكن توفير رعاية متخصّصة. لكنه لم يحصل على ذلك.
«الحرب كانت كارثة بالنسبة إليه»، قال خالد. «فقد متابعته الطبية، وحرِمَ من الدواء، جاع، نَاحَ، بكى. حياتُه كلها تحوّلت إلى جحييم. ولا مصدر دخل لديه.»
استمع إسماعيل وهو أخوه يتكلم؛ هو لا يستطيع نطق الكلمات، لكن عينيه كانت تشير إلى رغبته في المحاولة. وبجهد هائل وبمقاطع متقطعة قال: «أريد أن أعيش. لا أريد أن أموت. عالِجوني.» تجمّع حوله أطفاله، فيما كان صوت الوالد نادراً الحدوث.
ومن خلف ستار قماش، بدت زوجته هدى، 37 عاماً، تبكي وتناشد: «أنقذوا زوجي قبل فوات الأوان. لا نطلب المستحيل؛ كل ما نريده أن يبقى على قيد الحياة، أن يسمع نداءاتنا، أن يخطو بضعة خطوات. لقد فقدنا بيتنا وكرامتنا. لا نطيق أن نفقده أيضاً.»