«توقفت حياتنا» — طفولة الضفة الغربية تتحطم تحت وطأة غارات الجيش الإسرائيلي أخبار الصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ

بيت لحم — مخيّم دهيشة: أصوات الأطفال تحت الاحتلال

في الأزقّة الضيّقة لمخييم دهيشة، يتجادل ثلاثة أطفال حول أيّ لقاء لهم مع الجنود الإسرائيليين يستحق أن يُروى، ومن منهمْ يملك الحق في روايته. الفوز بالجولة الافتتاحية يذهب إلى يانال، البالغ أربعة عشر عاماً، على أساس المهارات اللغوية وحدها؛ فهو يتقن العربية والإنجليزية والإسبانية ويصرّ على أن يروي حكايته بالإنجليزية.

يتكرّر في كلام يانال مشهد واحد لا يفارقه: مباراة كرة قدم، دخول الجنود إلى الملعب، وشعور لا فكاك منه بأنّ الطريق مسدود. مصطفى أبو عليّة، (13 عاماً)، يردّ برحلة مداهمة تعرّض لها وهو في طريقه إلى بيت جده؛ يصف رصاصاً حياً وغازَ مسيّلَ للدموع ويقول: «كنا في وسط النار». لا يستطيع أن يتذكّر بالضبط أوّل لقاء له مع الجنود، «لكنّي رأيتهم منذ صغري، لأنّهم دائماً يأتون إلى هنا».

أخته ديار، 12 عاماً، كانت في درس بيانو حين دخلت القوات آخر مرّة. تقول: «كلّما تأتي القوات يكون هناك غازٌ مسيّل، ويتعرّض الناس للضرب، وفي العادة يكون هناك مصاب أو مقتول». وتقارِن ذلك بحياة الأطفال في بلدان أخرى: «أرى أطفالاً في عوالم آمنة، بينما لا نستطيع نحن أن نغادر باب بيتنا دون معاناة».

المداهمات تتكرّر إلى حدّ أنّ التواريخ تتلاشى من ذاكرتهم؛ ما يبقى هو الخوف المتواصل والعدوانية الظاهرة لدى الجنود. فقد نفّذت القوات الإسرائيلية في الأشهر التسعة الأولى من 2025 ما يقارب 7,500 مداهمة في الضفة الغربية المحتلة — أي نحو 27 مداهمة يومياً، بارتفاع نسبته 37% مقارنةً بالفترة نفسها من 2024.

«جوهر الطفولة مُدمّر»

تعكس قصص أطفال دهيشة نمطاً أوسع من تجارب الطفولة تحت الاحتلال، كما يوثّق تقرير لجنة التحقيق الدوليّة المستقلّة للأراضي الفلسطينية المحتلة الصادر عن الأمم المتحدة. يفحص التقرير معاملة إسرائيل للأطفال الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية منذ أكتوبر 2023، ويخلص بعنوان صريح: «لقد دُمّر جوهر الطفولة».

يقرأ  تعزيز مصداقية التعلم والتطوير باستغلال بيانات نظم إدارة التعلم — نحو سد فجوة التحليلات

ووفق التقرير، قتلت القوات الإسرائيلية ما لا يقلّ عن 20,179 طفلاً فلسطينياً وجرحت أكثر من 44,000 عبر الأرض المحتلة، ومعظم الضحايا في غزة — حيث اعتبر التقرير أن الاستهداف المتعمّد للأطفال كان جزءاً من الإبادة في القطاع الفلسطيني. كما يسجّل نمطاً من القتل والاعتقالات الجماعية والتعذيب والعنف الجنسي والهجمات على المدارس والمستشفيات.

في الضفة، رصد التقرير تزايداً حادّاً في عنف المستوطنين ضد الأطفال وعمليات قتل نفّذتها القوات الإسرائيلية، من بينها مقتل طفلة تبلغ سنتين في يناير 2025. ويشير التقرير إلى احتجاز أطفال لدى السلطات الإسرائيلية من دون محامٍ ومن دون إعلام ذويهم، وهو فصل قد يصل إلى حدّ الاختفاء القسري. المدارس أيضاً مستهدفة: ثمانون وخمسة مدارس في الضفة تحت أوامر هدم أو إيقاف أعمال، وأخرى أُغلقت أو تعرّضت لهجمات من الجنوود والمستوطنين.

ما يتجاوز أرقام الضحايا

تؤكّد لجنة الأمم المتحدة أن إسرائيل خلقت ظروفاً يعيش فيها الفلسطينيون في حالة «رعب منتشر وممتدّ»، لا تحتاج بالضرورة إلى قصف دائم لتظلّ فعّالة. «نتحدّث عن صدمات متكرّرة، عن أحداث متواصلة لا تنتهي»، تقول لميس فرّاج، أخصائية نفسية ومنسّقة مشروع شروق في دهيشة، مشدِّدةً على أنّ الصحة الجسدية والنفسية للطفل مترابطة ولا يمكن فصلهما.

يسمّي التقرير هذا الواقع «الضغط النفسيّ الصدمي المستمرّ»، المتميّز عن اضطراب ما بعد الصدمة لأنّه لا يترتّب على حدثٍ واحد يمكن التعافي منه؛ الخطر لا ينبع فقط من خوض مداهمة واحدة، بل من الخوف المرتقب للمداهمات التي يُتوقّع حدوثها في أيّ لحظة. تشرح ديار أنّه حين تدخل القوات حيّها، تضطرّ إلى البقاء في البيت والانتظار مهما كانت خططها: «تتوقّف حياتنا».

يقول شقيقها مصطفى إنّ التكرار أضعف حدّة الخوف. «عندما أرى الجيش، أعتاد عليه وأتوقّف عن الخوف». تلاحظ فرّاج لدى الأطفال صغار السنّ ردود فعل متطابقة: ردة فعل مفرطة على أصوات عادية اعتقاداً أنّه بدء مداهمة، وتراجُع في المهارات المكتسبة واعادة طفولة محطمة.

يقرأ  الإدارة الأميركية تتخلى عن صندوق بقيمة ١٫٨ مليار دولار لمكافحة تسليح التقنيات أخبار دونالد ترامب

خمسةُ أعوامٍ فقط: قصة خور حمّاد

تقع خرّوجات الحكايات الأصغر سنّاً عند خُور حمّاد، ذات الخمسة أعوام، التي تسكن على بعد أزقّة قليلة من الأطفال الأكبر سنّاً. فقد اعتقل الجيش والدها في يوليو 2023 ووالدتها في مارس الماضي، وفق أقوال العائلة. تتذكّر خُور ليلة اقتحام بيتهم لوالدتها: نائمةً نصف نوم، سمعت صوت رجل وظنّت أنّ والدها عاد أخيراً؛ خرجت من سريرها منتظرةً إياه، لكنّها وجدت الجنود في البيت. حاولوا استجوابها، وتقول إنّها «شعرت أنّها ستتقيّأ».

تضيء وجهها عند إعطائها صورة عائلية قديمة، وتشير على الفور إلى أمّها إسلام عمارنة ووالدها أسامة حمّاد، وتفجر الذكريات على شكل لقطات متقطّعة، كأنّ الطفولة نفسها تقاوم الاختفاء في كلّ ذكرى يرويها هؤلاء الصغار. اعتقلت قوات إسرائيلية والدَيها.

الصدمة عبر الأجيال

بينما يختلف واقع الأطفال الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية من حيث التجارب اليومية وشدتها، تُجمع تقارير الأمم المتحدة على سببٍ واحد خلف الضرر: احتلال عسكري وُصِف بأنه آلية طويلة الأمد للهيمنة والخضوع والاضطهاد.

تُشير فرّاج إلى أن الأطفال يتأثرون ليس فقط بتجاربهم المباشرة للصدمة، بل أيضاً بما يورّثه لهم آباؤهم وأجدادهم من آلام وذكريات.

“عاش جيل النكبة الأول صدمة مروعة ونقلها إلى أبناءه”، توضح فرّاج، قاصِدةً التطهير العرقي الذي طاول لا يقل عن ٧٥٠٬٠٠٠ فلسطيني بعد قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨.

ويُذكر التقرير أن اللاجئين الفلسطينيين، الذين وصلوا الآن إلى الجيل الخامس، استبطنوا شعوراً بالحرمان منذ النكبة إلى جانب تجاربهم المعاشة مع الاحتلال اليومي.

في الضفة الغربية، يُعد نحو واحد من كل أربعة فلسطينيين لاجئاً؛ وفي غزة تبلغ النسبة حوالي سبعين بالمئة.

انتقل العنف والتهجير القسري عبر أجيال الفلسطينيين وتراكمت آثاره مع تكرار الحلقة. وتقول فرّاج إن التعافي من الصدمة يعتمد بالدرجة الأولى على الاستقرار: دعم الأسرة، والتعليم، والمساحات الآمنة، وروتين يومي متوقع — كل ذلك يبقى هشا تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي.

يقرأ  ترامب: كنت المسؤول تمامًا عن هجوم إسرائيل على إيران في ١٣ يونيوأخبار الصراع الإسرائيلي–الإيراني

وبالنسبة لخور، يبدأ هذا الاستقرار بوالديها.

“أريد من كل العالم أن يسمع ويرى صورتي، وأن يخرجوا أمي وأبي من السجن.”

أضف تعليق