كييف، أوكرانيا — لقرون مضت كانت العبارة الروسية «خلف جبال الأورال» مرادفاً للأمن من الغزو الأجنبي.
أثناء غزو نابليون عام 1812 أو الهجوم النازي في 1941، بدا أي موقع وراء سلسلة الجبال التي تفصل الجزء الأوروبي من روسيا عن سيبيريا بعيداً بما يكفي لإخلاء المدنيين ونقل المصانع العسكرية.
لم يعد الأمر كذلك.
في أواخر أبريل، شنَّ سرب من الطائرات المسيَّرة الأوكرانية هجوماً على يكاتيرينبورغ، عاصمة إقليم الأورال الإدارية، التي تبعد أكثر من 1800 كيلومتر عن الحدود الأوكرانية. كانت تستهدف الأوكرانيا مصنعاً يُنتج عناصر لأنظمة الدفاع الجوي، ومنذ الهجوم الأول أُغلق مطار يكاتيرينبورغ خمس مرات على الأقل. السكان المحليون في حالة هلع بسبب تناقص الإمدادات الغذائية، وتدهور الاقتصاد، ونقص البنزين بسبب شهور من الضربات الأوكرانية على مصافي النفط ومخازن الوقود.
أناتولي، صاحب مشروع صغير في يكاتيرينبورغ (45 عاماً)، قال للجزيرة: «الأسعار ترتفع، المتاجر تُغلق، طوابير أمام محطات الوقود، ولا يملأون البنزين في عبوات كيلا يعاد بيعه بسعر أعلى». وأضاف أن الناس يتوقعون كارثة «والكل يحاول تخزين الطعام».
أبقى على لقبه بسبب مواقفه المعارضة للحرب. «دائماً كان محيطي مناهضاً للحرب»، قال. «ما يأتي منهم مزعج لكنه مستحق».
«روسيا مستعدة للمحادثات»: بوتين
فشلت الحملة الصيفية الروسية المصممة لاحتلال الجزء الخاضع لسيطرة كييف من دونباس في الجنوب الشرقي وابتلاع مساحات إضافية في الشمال والجنوب الأوكراني.
بدلاً من ذلك، يريد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجديد محادثات السلام التي تعثرت بعد ضربات أميركية-إسرائيلية لإيران. قال بوتين يوم الثلاثاء: «روسيا مستعدة لمحادثات سلام مع أوكرانيا على أساس اتفاقيات إسطنبول» التي جرت صياغتها عام 2022.
من المرجح أن ترفض كييف معظم مطالب روسيا بوصفها غير واقعية، ويقول مراقبون إن بوتين يسعى بالأساس لكسب الوقت. «هذا رغبته في كسب الوقت بحثاً عن مخرج من وضع صعب»، قال نيكولاي ميتروخين، باحث مولود في موسكو يعمل بجامعة بريمن في ألمانيا، للجزيرة. وأضاف: «لأول مرة منذ خريف 2022 لدى أوكرانيا فرصة للفوز في الحرب»، في إشارة إلى عملية جريئة نفذها جنود كييف ذوو العدد الأقل لطرد جيش روسي أكبر من شمال أوكرانيا.
يتزامن تعثر التقدّم الروسي مع تزايد طلبات الرجل على الانشقاق، بحسب إيفان تشوفيليايف من مجموعة “ايديتي ليسوم” التي تساعد الجنود الروس على الفرار من الحرب ومن روسيا. «كلما طال توقّف التقدّم ازداد عدد الفارّين»، قال للجزيرة.
وجمَع محلل موالٍ للكرملين مطالب موسكو في نقاط واضحة: يجب «نزع النازية» من أوكرانيا، كما قال سيرغي ماركوف، رئيس معهد البحوث السياسية في موسكو، مردداً سردية الكرملين المثيرة للجدل عن «جنتا نازية جديدة» تدير أوكرانيا. وأضاف أن أوكرانيا يجب أن تُجرد من عتادها الثقيل وتُقيَّد أعداد قواتها، وأن تُعلن حيادها وألا تنضم إلى الناتو، مقابل ضمانات أمنية من الدول الغربية وروسيا. وطالب بوقف ما وصفه بالـ«قمع ضد اللغة الروسية»، مشيراً إلى سلسلة قوانين رُوّجت لتمييز الأوكرانية على الروسية؛ ويعتقد بعض المسؤولين الأوكرانيين أن اللغة الروسية جزء من تأثير إمبراطوري مسيء. كما كتب ماركوف أن أوكرانيا يجب أن تُمنع من تطوير أسلحة نووية، وأن تنسحب من دونباس — بؤرة الصناعة الثقيلة وكنوز المعادن — بينما يُعترَف بالقرم بشيء من الصيغة القضائية كجزء من روسيا.
ويجب أن يُوقّع أي معاهدة سلام من زعيم «شرعي» لأوكرانيا، حسبما كتب ماركوف، مردداً مزاعم موسكو بأن ولاية الرئيس فولوديمير زيلينسكي «انتهت». ولم تُجرَ انتخابات في أوكرانيا بسبب فرض أحكام الطوارئ.
فشل الهجوم المضاد الأوكراني اللاحق، واستمر التقدّم الروسي البطيء رغم خسائر بالعشرات من الآلاف من الجنود — حتى كاد يتوقف هذا العام. يواصل الجيش التقدم بوتيرة جليدية في دونباس، لكن لا مكاسب هناك «تبرر انهيار الخطوط الخلفية»، حيث باتت خطوط الإمداد تخضع بشكل متزايد لسيطرة الطائرات المسيرة الأوكرانية، كما قال ميتروخين. وإذا استمر الانهيار «بالوتيرة الحالية، سيضطر الجيش الروسي ببساطة إلى التراجع».
يقول مراقب آخر إن قرار بوتين بتجديد المحادثات لا يعكس بالضرورة السخط الشعبي على التعثر، والخسائر الكبيرة، وتدهور الاقتصاد. «التغيير حدث منذ وقت طويل»، قال سيرغي بيزيايكين، ناشط معارض منفي من مدينة ريازان الغربية، للجزيرة. «لأن كلا الطرفين، المؤيدين والمعارضين للحرب، كانا متيقنين أن النصر سيكون سريعاً. مع الوقت، كان المؤيدون هم من أدرك أن بوتين لا يصنع المعجزات، وأن الأمور في روسيا عادت إلى المألوف: الفوضى والفساد». وأضاف: «عتبة الألم في روسيا مرتفعة جداً. يمكن للناس أن يكونوا ضد الحرب لكنهم سيحتملون كل شيء بصبر ويعملون من أجل هذه الحرب». وختم: «الفاعلون قد رحلوا منذ زمن».
الروس يفرّون إلى الريف وسط الهجمات
سكان موسكو الذين يفرون من هجمات الطائرات المسيّرة لا يجدون ملاذاً آمناً حتى في الريف. آرسيني، كاتب نصوص إعلانية من موسكو، انتقل إلى منزله الريفي في إقليم ياروسلاف، على بعد حوالي 280 كيلومتراً جنوب غرب العاصمة. «هنا أكثر أماناً بكثير من موسكو»، قال للجزيرة، واضعاً اسمه الأخير طي الكتمان بسبب موقفه المعارض لبوتين. «الهواء أنقى بكثير» مقارنة بموسكو، حيث تساقطت أمطار نفطية سوداء وسامة بعد هجومين بطائرات مسيّرة استهدفا مصفاة كبيرة منتصف يونيو، كما قال.
ومع ذلك، حتى هناك يسمع آرسيني الطائرات المسيّرة والانفجارات العالية لأنظمة الدفاع الجوي. «قبل يومين كانوا يُسقطون [المسيّرات] على بُعد عشرة كيلومترات منا.» «ارتدَّ المنزل ثلاث مرات»، قال ساخرًا.
تُسهم “عقوبات الطائرات المسيررة” الأوكرانية في مؤشرات الاستنزاف الهيكلي لاقتصاد روسيا، وفق تقرير صدر في 11 يونيو عن معهد كيل للاقتصاد العالمي ومعهد ستوكهولم للاقتصاد الانتقالي.
وأضاف التقرير: «تتكشّف الآن ملامح نهاية اقتصادية حقيقية بالنسبة لروسيا. الاقتصاد لم ينهار، لكن الأسس الهيكلية تآكلت بسرعة».
تصاعد الدخان فوق مصفاة نفط بعد هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية في سياق الصراع الروسي‑الأوكراني قرب موسكو، 18 يونيو 2026 (الصورة من وسائل التواصل الاجتماعي — رويترز).
يشعر كثير من الأوكرانيين بما يشبه السرور بمصيبة الغير.
قالت هانا أونوپريانكو، مستشارة مالية من حي لوكيانيفكا في وسط كييف الذي اهتز وتضرّر جراء عشرات الهجمات الروسية بالطائرات المسيررة، لقناة الجزيرة: «كلمة رائعة لوصف ما أشعر به».
الهجوم الأخير في أواخر مايو أسفر عن ثلاثة قتلى وعشرات الجرحى، وأحرق مركز تسوّق فوق محطة مترو.
وتابعت: «ومع ذلك، أُدرك أن ما يمرّون به لا يمثل سوى نحو خمسة في المئة مما عايشنا».