أهمية الأُبيّض مع دخول حرب السودان مرحلة جديدة

أكثر من 11 ألف شخص، بينهم أكثر من 5500 طفل، فروا من القتال المتصاعد حول مدينة الأُبيّد السودانية خلال الأسبوعين الماضيين، وفقاً لمنظمة “أنقذوا الأطفال”، بينما تحذّر الأمم المتحدة من أن ما يصل إلى 500 ألف مدني قد يكونون في خطر إذا اشتد العنف. صارت المدينة أحدث بؤرة في حرب خلّفت بالفعل أكبر أزمة نزوح في العالم.

طيلة الحرب الأهلية السودانية التي استمرت ثلاث سنوات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، كان الاهتمام الدولي منصبّاً على الخرطوم وإقليم دارفور. لكن في الأسابيع الأخيرة، تحوّل التركيز بشكل متزايد إلى الأُبيّد مع تصاعد المعارك في إقليم كردفان، مما أثار تحذيرات مسؤولي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من أنّ كارثة إنسانية حادة أخرى قد تكون في طور التفجّر.

قال فرانشيسكو لانينو، نائب المدير القطري لمنظمة “أنقذوا الأطفال” في السودان، إنّ عواقب النزوح تتجاوز بكثير فقدان المسكن. وأضاف: “بالنسبة للأطفال، النزوح أكثر بكثير من مجرد فقدان البيت. يعني غالباً فقدان الوصول إلى المدرسة والرعاية الصحية والمياه النظيفة وشبكات الدعم التي تساعدهم على الشعور بالأمان والحماية. كثيرون منهم نزحوا مراراً، وبدون تحرّك عاجل لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية للمحتاجين ومنع المزيد من العنف، قد يُجبر آلاف الأطفال على الفرار وسط مخاطر متزايدة تهدد سلامتهم وصحتهم ورفاههم”.

الأُبيّد هي عاصمة ولاية شمال كردفان، وتبعد حوالي 360 كيلومتراً جنوب غرب الخرطوم، عند تقاطع طرق تربط وسط السودان بدارفور والولايات الجنوبية. هذا الموقع جعلها واحدة من أهم المراكز التجارية في السودان وقاعدة لوجستية رئيسية لكل من العمليات العسكرية والمساعدات الإنسانية. لا تزال المدينة تحت سيطرة الجيش السوداني، مما يجعلها من أهم مواقعه في غرب السودان. يقول محلّلون عسكريون إنّ السيطرة على الأُبيّد تساعد في تشكيل حركة النقل على طرق الإمداد الرئيسية التي تربط وسط السودان بكردفان ودارفور، وهذا يُفسّر سبب اعتبار الجيش والدعم السريع للمدينة بالغة الأهمية من الناحية الاستراتيجية.

يقرأ  تركيا تستضيف قمة المناخ COP31 بعد انسحاب أستراليا من السباقأخبار أزمة المناخ

تعكس معركة الأُبيّد تحوّلاً أوسع في الحرب السودانية. بعد أن استعاد الجيش أراضي في الخرطوم وحولها في وقت سابق من هذا العام، انتقل القتال بشكل متزايد إلى غرب السودان، خاصة في إقليمي كردفان ودارفور. وسّعت الدعم السريع من ضغطها العسكري حول الأُبيّد بينما عزّز الجيش مواقعه داخل المدينة. حذّر مسؤولو الأمم المتحدة من أنّ التصعيد العسكري المتزايد يرفع خطر شنّ هجوم واسع، رغم أن أيّاً من الطرفين لم يعلن عن خطط لهجوم كامل. تطوّر النزاع أيضاً فأصبحت الحرب بالطائرات بدون طيار سمة بارزة، تستهدف مواقع عسكرية كما تستهدف البنية التحتية التي يعتمد عليها المدنيون، ومنها مستودعات الوقود وشبكات الكهرباء ومحطات المياه.

يعيش المدنيون في الأُبيّد ظروفاً متزايدة الصعوبة مع اشتداد القتال وتعرّض الخدمات الأساسية لضغوط متصاعدة. تقول وكالات الإغاثة والأمم المتحدة إنّ هجمات متكررة عطّلت إمدادات الكهرباء والمياه وتسببت في نقص الوقود ورفعت أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية. تزيد الأضرار في البنية التحتية للمياه، إلى جانب تقييد الوصول الإنساني، المخاوف من الأمراض المنقولة بالماء مثل الكوليرا. كثير من الفارّين الآن من الأُبيّد كانوا قد نُزحوا سابقاً جراء القتال في مناطق أخرى من السودان، مما يعني أنهم يجدّدون النزوح للمرة الثانية أو حتى الثالثة. تقول “أنقذوا الأطفال” إنّ أكثر من نصف النازحين في الموجة الأخيرة هم أطفال، مما يُبرز التأثير غير المتوازن للنزاع على الصغار وأسرهم.

القلق المباشر يمتد إلى ما هو أبعد من القتال نفسه؛ ويتعلق بإمكانية أن تصبح الأُبيّد المدينة التالية التي تعيش حرباً حضرية مطوّلة، بحيث يُحاصر المدنيون بين القوات المتصارعة. وفقاً للأمم المتحدة، قد يكون ما يصل إلى نصف مليون مدني في الأُبيّد وحولها معرّضين للخطر إذا تصاعد العنف. يشمل هذا الرقم سكاناً قدامى وكذلك نازحين لجأوا للمدينة بعد هروبهم من قتال في جهات أخرى من السودان.
يُنقل الناس في مؤخرة شاحنة، على بعد حوالي 30 كيلومتراً شرق مدينة الأُبيّد في منطقة شمال كردفان بالسودان.
تحذر المنظمات الإنسانية من أن استمرار الأعمال العدائية قد يزيد من تقييد إيصال المساعدات إلى شمال كردفان في وقت تعاني فيه مجتمعات كثيرة من نقص الغذاء والدواء والوقود والمياه النظيفة. كذلك أثارت الأمم المتحدة الإنذار حول الاستخدام المتزايد للطائرات بدون طيار، محذّرة من أن الهجمات المتكررة على البنية التحتية للمدنيين تُعمق الأزمة الإنسانية وتجعل وصول الناس للخدمات الأساسية أصعب.

يقرأ  ترامب يدرس تزويد أوكرانيا بصواريخ طويلة المدى، بحسب فانس

يخشى المسؤولون بشكل متزايد أن تتبع الأُبيّد مسار مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، حيث خلّفت أشهر من القتال مواطنين محاصرين، ووضعت قيوداً شديدة على وصول المساعدات، ودمّرت الخدمات الأساسية. لا تعني المقارنة أنّ الأُبيّد بلغت نفس المرحلة، بل تشير -حسب مسؤولي الأمم المتحدة- إلى خطر أن تسلك المدينة مساراً مشابهاً إذا اشتد القتال ولم يتمكّن المدنيون من المغادرة بأمان أو تلقي مساعدات. صارت الفاشر واحدة من أقسى الأمثلة على التكلفة البشرية للحرب السودانية. فمنذ تصعيد القتال فيها عام 2024، دفعت المعارك المتكررة والقصف والهجمات على مخيمات النزوح مئات الآلاف إلى الفرار، في حين تضرّرت أو دُمرّت مستشفيات وأسواق وبنى تحتية مدنية. حذرت وكالات الإغاثة مراراً من أن القيود على الوصول الإنساني زادت من حدة المجاعة والمرض، وتركَت السكان بلا طعام أو ماء نظيف أو رعاية صحية. ويخشى مسؤولو الأمم المتحدة أن يُعاد هذا السيناريو في الأُبيّد إذا استمر الضغط العسكري. صارت المدينة ملجأً لنازحين من مناطق أخرى من السودان، لذا فإن هجوماً كبيراً قد يحشر أعداداً كبيرة من المدنيين ويُعطّل عمليات الإغاثة في كردفان بأكملها. منع معركة حضرية مطولة أخرى، كما يقولون، جوهريّ لتلافي أزمة إنسانية أوسع.

المرحلة التالية من النزاع ستتحدد بناءً على ما إذا كان الضغط العسكري الحالي حول الأُبيّد سيتحوّل إلى هجوم بريّ مستمرّ أو ستنجح الجهود الدبلوماسية في خفض الأعمال العدائية وتحسين وصول المساعدات الإنسانية. بالنسبة للجيش السوداني، الحفاظ على الأُبيّد مهم للحفاظ على موقعه في شمال كردفان والوصول إلى غرب السودان. بالنسبة لقوات الدعم السريع، فإن زيادة الضغط على مدينة الأُبيّض قد يعزز موقعها العسكري في المنطقة، رغم أن نتائج أي هجوم مستقبلي تبقى غير مؤكدة.

يقرأ  إيران تطلق مزيدًا من الصواريخ والطائرات المسيّرة عبر منطقة الخليج تزامنًا مع هجمات أميركية وإسرائيلية

وفي حال تصاعد القتال، تحذر منظمات الإغاثة من أن أعدادًا أكبر من الأسر قد تفر، حيث تتفاقم ندرة الغذاء والمياه النظيفة والوقود والإمدادات الطبية. كما أن معركة أوسع قد تعطل بشكل أكبر العمليات الإنسانية في كردفان، وهي منطقة تشكل ممرًا مهمًا للمساعدات التي تصل إلى المجتمعات المتضررة من الحرب.

على نطاق أوسع، تعكس المعركة من أجل الأُبيّض الجغرافيا المتغيرة للحرب في السودان. فمع تحول خطوط المواجهة بعيدًا عن الخرطوم، تبرز كردفان كواحدة من أخطر مسارح الصراع، مما يحمل تداعيات عميقة ليس فقط على التوازن العسكري بل أيضًا على مئات الآلاف من المدنيين المحاصرين.

وكما توضح أحدث موجات النزوح، فإن العواقب الإنسانية تتكشف بالفعل. وما إذا كانت الأُبيّض ستتحول إلى ساحة معركة حضرية أخرى طويلة الأمد، أو ما إذا كانت الجهود الدولية المستمرة ستساعد في تجنب هجوم واسع النطاق، هو الذي سيحدد ليس فقط المرحلة التالية من الحرب السودانية بل أيضًا مصير مئات الآلاف من المدنيين الذين هم في مرماها.

وكان فولكر ترك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، قد حذر في نهاية الأسبوع الماضي قائلاً: “الإشارات القادمة من الأُبيّض واضحة لا لبس فيها: إنها كارثة إنسانية جديدة تتكشف في السودان. هذا ليس مجرد تمرين، بل هو إنذار أحمر يجب أن يصل إلى مكاتب رؤساء الدول والحكومات في جميع أنحاء العالم.”

أضف تعليق