الحرب والنقص يدفعان مستشفيات غزة إلى حافة الانهيار | أخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

في مدينة غزة، داخل قسم غسيل الكلى في مستشفى الشفاء، يتكرر نفس المشهد يومياً. الأجهزة تعمل دون توقف، والمرضى يجلسون في صفوف متقاربة، والأنابيب الطبية تصل أجسادهم بآلات تمنحهم الحياة لساعات محدودة.

في أحد الكراسي، تجلس الطفلة روعة منتصر عبد الكريم، البالغة من العمر أربعة عشر عاماً، من جباليا شمال غزة. حجمها الصغير يجعلها واضحة بين غرفة مزدحمة بالمرضى. يدها اليسرى موصولة بجهاز غسيل الكلى، وعيناها تتابعان حركة الطاقم الطبي، لكنها تبقى صامتة طوال الجلسة؛ فالعملية كلها أنهكتها.

والدها منتصر يجلس إلى جانبها، ووجهه يعكس القلق. يقول: “ابنتي كانت تمشي وتلعب قبل المرض. حياتها تغيرت بعد العمليات وغسيل الكلى. كل جلسة غسيل تبقيها على قيد الحياة. أي انقطاع يسبب لها إرهاقاً شديداً وضيقاً في التنفس.”

لكن القسم الذي يحافظ على حياة روعة يعاني هو الآخر تحت ضغط دائم لدعم الآلاف من المحتاجين للعلاج في غزة، دون الموارد اللازمة. الحرب الإسرائيلية على غزة دمرت القطاع الصحي عبر هجمات متكررة على المستشفيات، منها الشفاء، وفرض قيود صارمة على ما يدخل القطاع.

بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، ٥٠٪ من أجهزة غسيل الكلى في غزة توقفت عن العمل تماماً بسبب نقص بيكربونات الصوديوم اللازمة لتشغيلها. كما انخفض عدد المستشفيات القادرة على معالجة مرضى الفشل الكلوي من سبعة إلى أربعة، بعد تدمير مركز نور الكعبي لغسيل الكلى على يد القوات الإسرائيلية أثناء الحرب.

النتيجة أن مرضى الفشل الكلوي يموتون بمعدل مخيف. تشير إحصاءات وزارة الصحة إلى وجود ١٢٠٠ مريض قبل الحرب، والآن انخفض العدد إلى نحو ٧٠٠ بعد وفاة أكثر من ٤٧٠ بسبب تفويت جلسات الغسيل ونقص الأدوية الأساسية، وفقاً للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.

في مستشفى الأقصى وسط غزة، وهو أحد المستشفيات الأربعة التي ما زالت تعالج مرضى الفشل الكلوي، يقول الدكتور أسامة أبو رحمة، رئيس قسم الكلى: “لدينا ٥١ جهاز غسيل، لكن ٢٥ منها متوقفة تماماً.” هذا الضغط أثر سلباً على ٢٤٠ مريضاً يتلقون العلاج هناك، مما اضطر المستشفى لتقليل عدد الجلسات ومدتها. ازدادت المضاعفات الطبية بين المرضى: ضعف عام، ضيق تنفس، مشاكل في القلب والرئة، وارتفاع خطير في نسبة البوتاسيوم بالدم. أبو رحمة واضح: الوضع يعرض حياة المئات لخطر مباشر.

يقرأ  أوستن ريفز يقود ليكرز إلى الفوز على تيمبر وولفز بصافرة النهايةأخبار كرة السلة

في مستشفى الشفاء، روعة تحدق بالسقف. بعض المرضى الأكبر سناً نائمون، والمشهد يعكس إرهاقاً مستمراً. والدها منتصر يراقب الشاشة الطبية بجانبها، مركزاً على المؤشرات الحيوية. يتذكر أيام صحتها الأفضل، لكن حالتها تدهورت: انخفض وزنها من ٦٥ كيلوغراماً إلى ٣٥، وعدد جلسات الغسيل الأسبوعية تراجع من ثلاث إلى اثنتين. الحل الوحيد الدائم هو زراعة الكلى. يقول منتصر: “كل شيء جاهز للزراعة، والدتها المتبرعة، والفحوصات متطابقة.” لكن إسرائيل تعيق علاجها مرة أخرى؛ سفرها للخارج معلق منذ ستة أشهر، لأن الزراعة لا يمكن أن تتم داخل غزة، وعليها الانتظار.

نقص العلاج لا يقتصر على غسيل الكلى. الحرب خلفت أكثر من ٤٣٠٠٠ مصاب بجروح وصفها منظمة الصحة العالمية بأنها “مغيرة للحياة”، بينها آلاف البتر والإعاقات الدائمة. حتى بعد علاج الإصابة الأولية، يواجه المصابون تحدياً جديداً: التأهيل والحصول على وسائل الحركة الأساسية.

في خان يونس جنوب غزة، تقول أخصائية العلاج الطبيعي آيا الشلتوني: “هناك نقص واضح وكبير في الأطراف الصناعية والكراسي المتحركة والعكازات، الطلب أكبر بكثير من العرض.” هذا النقص لا يؤثر فقط على المعاناة الجسدية، بل يغير مسار حياة المريض بالكامل. “نضع خطط علاجية، لكن دون أدوات مساعدة مناسبة لا نصل للنتائج المرجوة، والتقدم يبقى محدوداً.” وأضافت أن مراكز التأهيل تعمل بموارد محدودة، تاركة فجوة واضحة في نظام العلاج.

الفلاح زكي جمعة سالم أبو حرب، ٦٠ عاماً من شمال غزة، فقد ساقه بعد إصابة في هجوم إسرائيلي في مارس ٢٠٢٥. يقول: “كل يومي تغير في لحظة. بعد الهجوم، استيقظت مصاباً ولا أستطيع التحرك كما كنت.” بعد أشهر من الانتظار، حصل أخيراً على طرف صناعي، لكنه يدرك وجود آلاف آخرين ينتظرون. “كثير من الناس ليس لديهم كراسي متحركة أو عكازات، يضطرون للحركة بجذع شجرة أو أي قطعة خشب. هناك أطفال فقدوا أطرافهم ولا يملكون أجهزة تساعدهم على المشي، أشعر بتأثر عميق عندما أراهم، وكأنهم حُرموا من أبسط حقوق الحياة.”

يقرأ  حملة الضغط الأوروبية على ترامب: دليل قوة أم إشارة إلى ضعف؟ الحرب بين روسيا وأوكرانيا

مع الموارد المحدودة، غالباً ما يُعطى علاج الإصابات الجسدية أولوية، لكن الأزمة الصحية تمتد إلى الصدمات النفسية والاجتماعية الناتجة عن حرب مدمرة دامت ثلاث سنوات تقريباً.

على أطراف مستشفى الأقصى، داخل خيمة صغيرة محاطة بخيام النزوح، تجلس هديل البالغة من العمر ٢٢ عاماً أمام نار بسيطة للطبخ. بدلاً من الجلوس في قاعة الجامعة، تقسم وقتها بين رعاية إخوتها السبعة وتأمين احتياجاتهم داخل الخيمة، ومحاولة استكمال حياة توقفت عند بداية الحرب. في البداية، لجأت العائلة إلى منزل قريب، ثم أصاب قصف عنيف منزلاً مجاوراً، مما أرغمهم على الفرار في فوضى وذعر. تقول هديل: “تلك الليلة، استيقظنا على صراخ الأطفال والنساء، كنا نركض ونحاول إيجاد بعضنا. أمي كانت تحت الأنقاض، فقط أصابعها كانت ظاهرة. الجيران ساعدونا في إخراجها. صوت أمي وهي تنادي أسماءنا وصورتها لم يفارقني أبداً.” أثناء علاج والدتها، أصبحت هديل المسؤولة كاملة عن إخوتها. “بعض الأيام أشعر باكتئاب، وأيام أخرى يجب أن أستمر وأعتني بهم.” بمرور الوقت، ظهرت علامات الضغط النفسي: نوبات بكاء متكررة، صعوبة في النوم، وثقل الذكريات والمسؤوليات.

هديل مجرد قصة واحدة بين كثيرات. تقول آصيل أبو شاويش، أخصائية نفسية في وسط غزة، إن أزمة الصحة النفسية واسعة الانتشار بسبب الحرب والتهجير المتكرر وفقدان الأحبة وتدمير المنازل. “الجميع في هذه الظروف يحتاج دعماً نفسياً، وهذا الاحتياج سيستمر، مما يجعل الصحة النفسية أولوية يجب الاستجابة لها.” تلاحظ آصيل اضطرابات واسعة: اكتئاب، قلق، اضطراب ما بعد الصدمة، أرق، نوبات هلع، ومشاكل لدى الأطفال مثل التبول اللاإرادي والسلوك العدواني وصعوبة التركيز والكوابيس والتعلق المفرط بمقدمي الرعاية. تواجه العاملون في الصحة النفسية تحديات كبيرة: “ضغط نفسي مستمر، نقص في الأمان، طلب مرتفع، شح في الموارد، وصعوبة الوصول إلى المرضى.” لكن آصيل تعرف أهمية الخدمات التي تقدمها، ومستعدة لبذل الجهد رغم كل الصعوبات.

يقرأ  روبرت لونجو لا يرقى إلى مستوى اللحظة في المعرض الضخم لغاليري بايس

أضف تعليق