ما زال الدخان يغطي التلال السوداء المحيطة بقرية الكول القريبة من بلدة ساقية سيدي يوسف في محافظة الكاف الجبلية التونسية، بعد أيام على واحد من أسوأ الحرائق التي شهدتها المنطقة هذا الصيف.
وخارج أنقاض مزرعته المحترقة قرب الحدود الجزائرية، يحاول مونجي عبدلي البالغ من العمر 70 عامًا أن يجد كلمات تصف حجم الخسارة التي مُني بها. فقد أودى الحريق بعشرة من خرافه، ونفق اثنان آخران في اليوم التالي بسبب استنشاق الدخان. كما دمّر خلايا النحل، وأكثر من مئة شجرة زيتون، وكل أشجار اللوز في أرضه.
قال عبدلي للجزيرة: "كانت النار ملتهبة، وكانت تأتي من كل اتجاه. ظلوا يقولون لنا إنه لا توجد مياه لإخمادها، وكل ما استطاعوا فعله هو إجلاؤنا". بعض قطيعه تمكن من الفرار إلى التلال المحيطة، لكنه قال إنه لم يعد يملك وسائل تُبقيه على قيد الحياة. وتساءل: "ماذا سنطعمهم الآن؟ حتى سعر التبن ارتفع. حياتنا توقفت".
عبدلي عمل في هذه الأرض طوال حياته ليعيل أسرته. قال: "عشت في هذه الجبال سبعين عامًا، وأعتمد على نفسي، ولم أطلب شيئًا من الدولة يومًا". وأثناء تجوله بين أنقاض إسطبلاته، أعرب عن قلقه من أن تُسرق المواشي المتبقية لديه، لأنه لم يعد يملك مكانًا يؤويهم ليلًا. وأضاف: "لا يتذكروننا إلا في 8 فبراير"، في إشارة إلى ذكرى قصف ساقية سيدي يوسف عام 1958 عندما هاجمت طائرات حربية فرنسية البلدة خلال حرب الجزائر.
الحريق الذي اجتاح مزرعة عبدلي كان واحدًا من عشرات الحرائق التي اندلعت في تونس هذا الصيف خلال موجة حرّ رفعت درجات الحرارة إلى ما يقارب 50 درجة مئوية في بعض المناطق. بدأت الحرائق في يونيو وبلغت ذروتها في منتصف يوليو، وكانت من الأكثر تدميرًا منذ سنوات. وقالت الحماية المدنية إن رجال الإطفاء تعاملوا مع نحو 600 حريق خلال 48 ساعة في فترة الذروة.
أكبر الحرائق اندلعت في محافظات الكاف وباجة وبنزرت الشمالية، حيث أعاقت التضاريس الجبلية عمليات الإنقاذ حتى بعد نشر وحدات عسكرية لمساعدة رجال الإطفاء. ووصف المقدم بالحماية المدنية خليل مشار في إذاعة موزاييك حجم الحرائق بأنه "غير مسبوق"، وقال إنها "من بين الأعنف التي سُجلت في تونس، سواء من حيث شدتها أو مساحة الأراضي التي دمّرتها". وأكد أيضًا أن الإهمال البشري أو "أفعالًا إجرامية" تسبب في 95 بالمئة من الحرائق.
بالنسبة للعائلات في المنطقة التي تعاني أصلًا من سنوات الجفاف وضعف المحاصيل وارتفاع تكاليف المعيشة، كانت الحرائق ضربة إضافية. قرب أرضها المحروقة، قالت محجوب شواخية للجزيرة إن الطوارئ لم تنتهِ بمجرد السيطرة على النيران. وأضافت: "لم نكن نتخيل أن النار ستبتلعنا بهذه السرعة. وعندما وصلت الحماية المدنية إلينا، كان كل شيء قد ذهب". خسرت العائلة أعلاف المواشي والدجاج وكلاب الصيد، ولم يتبقَّ لهم سوى غرفة واحدة يعيش فيها ستة أفراد.
ومع سيطرة رجال الإطفاء تدريجيًا على النيران، أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى وصول الطلب على الكهرباء إلى مستويات قياسية. قالت شواخية: "في يوم الحريق طلبنا إعادة التيار الكهربائي والماء، لكن طلبنا رُفض". في تلك الفترة، كانت الشركة التونسية للكهرباء والغاز "ستيغ" قد أعلنت تقنينًا يوميًا للتيار بهدف منع انهيار أوسع للشبكة القديمة في البلاد.
وفي تصريحات لوسائل إعلام محلية، قالت الستيغ إن الطلب الاستثنائي على الكهرباء، الناتج بشكل كبير عن الاستخدام الواسع لمكيفات الهواء خلال موجة الحر، دفع الشبكة الوطنية إلى الاقتراب من حدودها التشغيلية. وأوضحت الشركة أنها فرضت قطعًا مبرمجًا للتيار للحفاظ على استقرار الشبكة وتفادي انقطاع شامل للكهرباء. ولم ترد الستيغ على طلب الجزيرة للتعليق.
في مختلف أنحاء البلاد، عطّل انقطاع التيار لفترات طويلة المصانع ومحطات ضخ المياه والحياة اليومية في المنازل، وترك كثيرًا من السكان دون تكييف أو تبريد أو مياه جارية. قال عبد الرزاق، بائع دواجن في ضاحية لاوينة شمال تونس، وسط انقطاع جديد للتيار: "تكبّدت خسائر بملايين خلال الأسابيع الثلاثة الماضية. من سيعوّضني عن كل هذا؟ كل شيء في هذا البلد انهار".
الأزمة سلطت الضوء أيضًا على تحديات طويلة الأمد تواجه قطاع الطاقة التونسي. تنتج البلاد معظم الكهرباء من الغاز الطبيعي، الذي تستورد جزءًا كبيرًا منه من الجزائر المجاورة، وهذا يجعلها عرضة بشكل متزايد لانقطاع الإمدادات وتقلب الأسعار العالمية.
قالت سحر مشمش، الاقتصادية السياسية ومديرة الاقتصاد الشامل في معهد طهير لسياسة الشرق الأوسط، إن انقطاع الكهرباء كان نتيجة سنوات من نقص الاستثمار وليس مجرد ارتفاع مفاجئ في الطلب. وأضافت: "شهدنا انقطاعات كبيرة للتيار في السنوات الماضية، لذلك القول إن هذا الأمر كان مفاجئًا هو نفسه أمر مفاجئ. المشكلة تكمن في توفير الكهرباء، وفي مدى استثمار تونس الموارد اللازمة للحفاظ على الأمن الطاقي وإنتاج وتوزيع الكهرباء".
وأشارت إلى أن الحكومة لم تستثمر بما يكفي في إنتاج الكهرباء والشبكة، موضحة أن آخر محطة كهرباء كبيرة في البلاد بُنيت في 2019. كما أن الأزمة المالية للستيغ حدّت من توسيع الشبكة وصيانتها، على حد قولها. وقال النائب ماهر كتاري خلال جلسة للجنة المالية في البرلمان مؤخرًا إن الحكومة مدينة للشركة بنحو 3.5 مليار دينار كدعم طاقة غير مدفوع.
واعتبر الرئيس قيس سعيد قطع الكهرباء والماء "غير مقبول" خلال اجتماع مع كبار الوزراء ورؤساء هيئات الكهرباء والماء والحماية المدنية. وأمر بإعادة الخدمات بسرعة، وضمان إبلاغ السكان مسبقًا كلما اقتضت الضرورة حدوث انقطاع. ويبدو أن هذا التفاعل جاء بسبب التوقيت؛ فقد وقعت الأزمة قبل أيام من إحياء تونس الذكرى الخامسة لما يُعتبر استيلاء سعيد على السلطة في 25 يوليو، عندما أقال رئيس الوزراء وحكومته، وعلّق عمل البرلمان، وبدأ الحكم بمراسيم. أعادت أزمة الكهرباء والمياه في تونس تسليط الضوء على قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية أثناء الطوارئ، في ظل إشراف الرئيس على هذه الملفات.
"وسائل أساسية للعيش"
وفي الوقت الذي نشرت فيه السلطات فرق الإطفاء والإنقاذ في مختلف أنحاء البلاد، قال سكان تحدّثوا إلى الجزيرة إنهم كثيراً ما اضطروا للاعتماد على الجيران، الذين كانوا أول من يبادر بالتحرك عندما اقتربت النيران من منازلهم.
وتمثّل الحرائق لتونسيين تذكيراً جديداً بمدى هشاشة كثير من المجتمعات في البلاد.
ومع ازدياد موجات الحر طولاً وقوة، يقول كثيرون إنهم يُتركون لمواجهة كوارث تتكرر بشكل متزايد، بينما تعجز البنية التحتية والخدمات العامة عن مواكبة ذلك.
وقالت خاتمة، وهي إحدى السكان الذين تحدثوا إلى الجزيرة: "أنا لا أطلب الكثير. حياتي انقضت ولن أعيش طويلاً. لكن ما أتمناه هو أن يعيش أبنائي وأحفادي في راحة، مع توفر الوسائل الأساسية للعيش."