أجواء معتدلة سنوية تعيد الحياة إلى ساحل اليمن

قبل أن تشرق الشمس على شواطئ المكلا، يكون عبدالرحمن بدر (15 عامًا) وصديقه طارق قد وصلا إلى مكانهما المعتاد على الرمال. إنهما يحضّران الشاي ويعجنان العجين لصنع “البخمري”، وهو خبز تقليدي مخمّر من حضرموت، المحافظة الشاسعة في شرق اليمن، والمكلا هي عاصمتها.

زبائنهما هم آلاف المتنزهين الذين يتوافدون على ساحل البحر العربي، بسبب ظاهرة مناخية سنوية تجعل الصيف الحارّ لطيفًا لبعض الأسابيع. تُعرف هذه الظاهرة باسم “البلدة”، وعادة ما تستمر من أواخر يوليو حتى أوائل أغسطس، وتجذب آلاف الزوار من مختلف مناطق اليمن وخارجه إلى المكلا.

ففي هذا الموسم، تمتلئ الشواطئ التي تشتهر عادة بالحرّ والرطوبة الشديدة بالرجال والنساء والأطفال قبل شروق الشمس، يستمتعون بالمياه الباردة والنسيم البارد.

يقول بدر للجزيرة وهو يضغط قطع العجين ويشكّلها بيديه بهدوء: “البلدة موسم رائع. الأعمال مزدهرة والناس يأتون من كل مكان”. مثل كثيرين غيره، يستغل بدر الازدحام الموسمي لكسب المال. ففي بداية الموسم، أقام مع أربعة من أصدقائه طاولة خشبية يبيعون عليها البخمري والسمبوسي والشاي للسباحين الجائعين الذين يبحثون عن فطور ساخن.

وأضاف بدر، وهو طالب، ووجهه المتعب مغبّر بالدقيق ورمل الشاطئ: “سأوفر ما أكسبه من عملي هنا لشراء مستلزمات السنة الدراسية الجديدة التي توشك أن تبدأ”.

منذ أكثر من عقد، يعيش اليمن حربًا بين الحوثيين المدعومين من إيران والحكومة المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية، وهي حرب خلّفت آلاف القتلى والجرحى وشردت الملايين. كما أدخلت الملايين في دائرة الجوع والفقر، ودمرت بنى أساسية مهمة مثل المدارس والطرق ومحطات الكهرباء. لذلك، يشكّل موسم البلدة بالنسبة لسكان وزوار المكلا فرصة نادرة ليس فقط للراحة من المعاناة، بل أيضًا لكسب المال.

فواد حسن، وهو من سكان المكلا وأصله من مدينة تعز، جلس على الشاطئ بعد سباحة، بينما واصل طفلاه اللعب في البحر. قال إنه يستعيد طاقته بالمشي والسباحة في الفجر، ويحب أن يرى الشواطئ مليئة بالسباحين السعداء. وأضاف: “نأتي إلى الشاطئ بعد صلاة الفجر ونسبح في الماء البارد لمدة ساعة أو ساعتين قبل العودة إلى المنزل. أحب المرح والحركة. أينما تنظر ترى الناس يلعبون ويستمتعون”.

يقرأ  هجمات إسرائيلية على غزة تسفر عن مقتل ثلاثة وعشرين شخصًا فيما يموت أربعة آخرون جراء سوء التغذية

وفي الشواطئ المزدحمة، كانت مجموعات من الشبان يلعبون، يمسك أحدهم بصديقه من الخلف ويرميه على الرمال أو يدفنه ويُبقي رأسه ظاهرًا فقط. أما النساء فكن يرتدين العبايات السوداء وينزلن إلى البحر البارد للسباحة. وعلى طول الواجهة البحرية، اصطفت أكشاك مؤقتة تبيع الطعام والمشروبات والوجبات الخفيفة، بينما يخدم الباعة الحشود.

لكن ليست كل المشاعر فرحة. هاني عبدالله، شاب عاطل عن العمل وله لحية سوداء رفيعة ومهذبة، وقال إنه ترك الجامعة، جلس بهدوء على شاطئ البحر رغم أنه يرتدي ملابس السباحة، منزعجًا من بعض سلبيات الازدحام الشديد. قال: “البلدة تنعش مدينة المكلا، والناس يأتون من كل مكان. لكننا لا نستفيد من كل هذا الزحام”. وأشار عبدالله إلى أن حرص الناس على الذهاب إلى الشاطئ ليس خبرًا جيدًا بالكامل، فكثيرون يهربون من منازل أصبحت خانقة بسبب انقطاع الكهرباء الطويل.

وبالنسبة له، فإن الأولوية ليست أن تنفق السلطات المحلية أموالًا على تنظيم موسم البلدة بقدر ما هي إصلاح أزمة الكهرباء وإطعام الجياع. قال: “الدولة صرفت أموالًا على أنشطة غير ضرورية بينما الناس جوعى. كان عليهم أن يهتموا بالناس”.

لا يقتصر تأثير توافد الزوار إلى المكلا على امتلاء الشواطئ، بل يمتد إلى الفنادق أيضًا، ما ينشط الأعمال ويخلق رواجًا اقتصاديًا نادرًا يشبه ما يحدث في رمضان والعيد. وفي المساء، عندما يغادر الناس الشواطئ، تشهد المدينة زحامًا مروريًا، وتمتلئ الشوارع والمحلات والمجمعات التجارية بالمشترين.

أرقام رسمية من مكتب السياحة في المحافظة قالت للجزيرة إن نحو 35 ألف شخص زاروا المكلا خلال موسم البلدة هذا العام، مقارنة بعشرين ألفًا في العام الماضي و30 ألفًا في 2024.

قال رائد السواد، موظف استقبال شاب في فندق مكة المطل على البحر: “نسبة إشغال الفندق أعلى حتى من المواسم الأخرى. الفندق ممتلئ معظم الوقت خلال موسم البلدة”.

يقرأ  هل حصل إيلون ماسك فعلاً على حزمة تعويضية بقيمة تريليون دولار؟أخبار صناعة السيارات

أما أحمد، وهو صاحب متجر أغطية منزلية وطلب تعريفه باسمه الأول فقط، فقال إنه رغم الأرقام الرسمية، فإن الحركة هذا العام بدت أخف من السنوات الماضية، وهذا أثر على المبيعات. وأضاف: “الأعمال عادة تنتعش خلال البلدة، وإن لم يكن هذا العام مثل السنوات السابقة. كنا نستقبل زبائن كثيرين من مأرب وشبوة ووادي حضرموت. لكن هذا العام، كثير من الزوار من مأرب الذين عادة ما تكون قدرتهم الشرائية أعلى لم يأتوا”.

في المقابل، بذلت السلطات المحلية جهدًا للترفيه عن السكان والسياح على حد سواء، فنظّمت مهرجان البلدة السياحي في النصف الثاني من يوليو. تضمن المهرجان برنامجًا حافلًا بالفعاليات الثقافية والرياضية، من بينها عروض موسيقية تقليدية ورقصات شعبية وأمسيات شعرية وسباقات سباحة وبطولة كرة طائرة شاطئية وماراثون.

قالت أروى الأكبري، نائبة رئيس مكتب وزارة السياحة في حضرموت، إن الزوار اطلعوا أيضًا على معارض تعرض منتجات منزلية وأطعمة تقليدية، إضافة إلى عروض موسيقية في الهواء الطلق. وأضافت للجزيرة: “يمثّل الموسم ذروة النشاط السياحي السنوي، حيث تتحول المكلا والمدن الساحلية مثل الشحر وحامي وبروم إلى وجهات نابضة بالحياة تستقبل مئات الآلاف من الزوار”. هذا الإقبال الكبير ينعش الفنادق والحدائق والأسواق التجارية، ويعيد الحياة إلى المدينة بعد فترات من الهدوء والركود الاقتصادي المحلي.

ورداً على الانتقادات التي تقول إن الأموال التي تُصرف على احتفالات البلدة كان يجب توجيهها نحو تحسين الكهرباء والخدمات الأساسية، شددت أروى على أن هذه الفعاليات تمولها الشركات المحلية وليس المال العام.

وأضافت: “الأموال المخصصة للفعاليات لا تنقص من ميزانية تشغيل الكهرباء. إنها استثمار في الاقتصاد المحلي. فما يُدفع لتنظيم الموسم يعود عدة مرات من خلال زيادة النشاط التجاري، ويدعم آلاف الأسر والباعة الصغار.”

يقرأ  سقوط ليندسي فون يُقصيها من سباق هبوط السيدات في الألعاب الأولمبية الشتوية — وزميلتها بريزي جونسون تتوّج بالميدالية الذهبية

ومع اقتراب نهاية الموسم، وبعد أن عمل في معظم أيامه، يتمنى بدر ليس فقط أن تتعافى اليمن من الحرب، بل أيضاً أن تتحسن الخدمات الأساسية.

قال بدر: “أريد أن يتحسن وضع البلد. أريد كهرباء موثوقة، وأريد أن يتوفر النفط والغاز.”

أضف تعليق