إندونيسيا تبدأ بناء أول غواصة محلية الصنع

أقامت إندونيسيا حفل قصّ أول قطعة فولاذ لغوّاصتها المحلية في حوض “بي تي بال” في سورابايا يوم 7 أغسطس 2026، ليكون ذلك إيذانًا بانتقال البلاد من مرحلة تدريب مهندسيها في فرنسا إلى مرحلة بناء سفينة حربية على أراضيها.

وشهد الحفل انطلاق العمل الفعلي في بناء أول غواصة من طراز “سكوربين” ضمن برنامج أُطلق عليه اسم “سكوربين لجمهورية إندونيسيا”، وهو مشروع مشترك بين شركة “بي تي بال” الإندونيسية المملوكة للدولة والشركة الفرنسية “نافال غروب”. وسيُبنى في إطار هذا البرنامج غواصتان من طراز “سكوربين إيفولفد” تعملان ببطاريات الليثيوم أيون، وتُبنى الغواصتان بالكامل في إندونيسيا بفضل ما وصفته الشركتان بأنه نقل شامل لقدرات بناء السفن من “نافال غروب” إلى “بي تي بال”، بعد دورات تدريبية أتمّها مهندسون إندونيسيون في شيربورغ الفرنسية، تلتها مراحل اعتماد لرفع مستوى العمالة الإندونيسية إلى المعايير الدولية في بناء الغواصات.

ويأتي هذا الإنجاز بعد أكثر من عامين من الأعمال التحضيرية، منذ اختارت إندونيسيا في مارس 2024 شركتي “نافال غروب” و”بي تي بال” لبناء غواصتين من طراز “سكوربين إيفولفد” المزود بدفع ببطاريات الليثيوم أيون، وهي نسخة أكثر حداثة من التصميمات القديمة التي تستخدم بطاريات الرصاص الحمضية، إذ تسمح للغواصة بالبقاء تحت الماء لفترة أطول دون الحاجة إلى الصعود للسطح لإعادة الشحن. ودخل العقد حيز التنفيذ رسميًا في يوليو 2025، وتم تقسيم المسؤوليات بين الشركتين بوضوح: “بي تي بال” تتولى بناء الهيكل ودمج المعدات وإجراء الاختبارات والتجميع النهائي وتسليم الغواصات إلى البحرية الإندونيسية، بينما تقدم “نافال غروب” التصميم والدعم الهندسي والإرشاد الفني المستمر عبر فريق من الخبراء يقيم بشكل دائم في سورابايا بدلًا من العمل عن بُعد من فرنسا.

ويعكس هذا الترتيب استراتيجية إندونيسية مقصودة لبناء قدرة محلية دائمة في مجال بناء السفن، بدلًا من مجرد شراء غواصات جاهزة من مورد أجنبي. فإندونيسيا تمتد على نحو 17 ألف جزيرة وتغطي مياهها منطقة اقتصادية خالصة تقارب 6 ملايين كيلومتر مربع، وهي واحدة من أكبر المساحات البحرية التي تسيطر عليها دولة واحدة في العالم. وقد أصبحت البلاد تنظر إلى الاكتفاء الذاتي البحري كأمر ضروري للدفاع عن هذه المساحة الشاسعة، بدلًا من البقاء معتمدة على أحواض أجنبية في قدرة حسّاسة من الناحية الاستراتيجية مثل الغواصات. وما تزال بعض منشآت “نافال غروب” الفرنسية المتخصصة تساهم بمكونات لم يتمكن الجانبان بعد من إنتاجها محليًا، ومنها شيربورغ لأعمال الهيكل والمنصات، ولوريان ونانت-إندريه لأنظمة الدفع وبطاريات الليثيوم أيون، وأولول لس نظام إدارة القتال، وأنجوليم-رويل للصواري وأنظمة إطلاق الأسلحة وخطوط الأعمدة. وهذا يعني أن الغواصتين تمثلان جهدًا صناعيًا ثنائيًا حقيقيًا، حتى لو تم التجميع النهائي بالكامل في سورابايا.

يقرأ  أهم مساعدي رئيس الوزراء السابق يتحدث عن أول اتصال بين ستارمر وترامب

وستحمل الغواصتان، عند اكتمالهما، قدرات قتالية جدية. فكل غواصة ستعمل بنظام “سوبتيكس” لإدارة القتال من إنتاج “نافال غروب”، وستجهز بستة أنابيب طوربيد عيار 533 مليمترًا قادرة على إطلاق طوربيدات ثقيلة وصواريخ “إكزوست” المضادة للسفن، وهي منظومة فرنسية التصميم أصبحت من أكثر الصواريخ المضادة للسفن تصديرًا في العالم منذ استخدامها القتالي الأول خلال حرب جزر فوكلاند في 1982. ومن المتوقع بعد دخول الغواصتين الخدمة أن يتجاوز مداهما التشغيلي 8 آلاف ميل بحري، وأن تبقيا في البحر حتى 80 يومًا دون إعادة تموين، وهي أرقام من شأنها أن تتيح للبحرية الإندونيسية الدوريات في أراضيها الجزرية الشاسعة ومياهها المحيطة دون الحاجة إلى العودة المتكررة إلى الميناء.

ونقلت وكالة الأنباء الإندونيسية الرسمية عن فنسنت فيمون، مدير برنامج “سكوربين” في “نافال غروب”، قوله إن التعاون مع “بي تي بال” يتجاوز بكثير المهمة المباشرة المتمثلة في بناء غواصتين. وأضاف: “هذا التعاون لا يقتصر على بناء غواصتين، بل على وضع الأساس لقدرات صناعية مستدامة”.

أما قيادة “بي تي بال” فقد صاغت البرنامج في إطار طويل الأجل أيضًا، حيث أشار رئيس الشركة قهار الدين جينود إلى القيمة الاستراتيجية الأوسع التي تمثلها قدرة بناء الغواصات محليًا بالنسبة لمكانة إندونيسيا في منطقة تتزايد فيها المنافسة بين القوى الكبرى. وقال: “في ظل التنافس المتنامي بين القوى العالمية الكبرى في منطقة الآسيان، تمنح الصناعة الدفاعية القوية إندونيسيا نفوذًا استراتيجيًا في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، مع تعزيز مكانتها كدولة بحرية محترمة في المنطقة”.

وكان الوصول إلى حفل قصّ الفولاذ يوم الخميس يتطلب من “بي تي بال” بناء البنية التحتية المادية والقوى العاملة المدربة التي يتطلبها برنامج بناء الغواصات، وذلك من نقطة الصفر تقريبًا، إذ لم يسبق لإندونيسيا بناء غواصة محليًا بهذا الحجم. ويضم فريق “نافال غروب” الهندسي في البرنامج الإندونيسي أشخاصًا شاركوا سابقًا في جهود نقل تكنولوجيا “سكوربين” في الهند والبرازيل، مما أتاح لـ”بي تي بال” الاستفادة من الدروس التي تعلمها البلدان في نسخهما الخاصة من عملية نقل التكنولوجيا، بدلًا من البدء من الصفر تمامًا. وكان قد تم في ديسمبر 2025 الإعلان رسميًا في سورابايا عن تصنيع قسم تأهيلي أولي، وهو خطوة تصنيع أولية تُستخدم للتحقق من قدرة العمال والمعدات الإندونيسية على تلبية معايير اللحام والبنية الدقيقة التي تتطلبها هياكل الغواصات، مما مهد الطريق لبدء البناء الكامل للغواصة الأولى هذا الأسبوع.

يقرأ  تفجيرات تهزّ الإكوادور — اتهامات تطال عصابة محلية ومنشقين سابقين عن «فارك»

ومن المقرر أن يبدأ بناء الغواصة الثانية في عام 2027، بحيث يتم بناء الغواصتين على خطي إنتاج متوازيين يفصل بينهما حوالي عام، وليس تباعًا. وأشارت الشركتان إلى أن الجدول الزمني قد يتسارع إذا سار البناء بسلاسة. وتشير التوقعات الحالية إلى أن الغواصة الأولى ستخضع للتجارب والاختبارات البحرية بين عامي 2030 و2032، على أن يتم تسليمها في 2032، في حين تخضع الغواصة الثانية لفترة اختبار مماثلة من 2031 إلى 2033، يليها تسليمها في العام التالي.

ومن المتوقع أن يوفر البرنامج نحو 2250 وظيفة في مجالات البناء وخدمات الدعم وأعمال الصيانة طويلة الأجل بعد دخول الغواصتين الخدمة، مما يؤهل “بي تي بال” ليكون ليس مجرد شركة بناء لمرة واحدة، بل مركز صيانة محتملًا على المدى الطويل لغواصات فئة “سكوربين” العاملة في أي مكان في العالم.

أضف تعليق