التوحد والحرب: عائلات غزة تصارع الدمار والفقدان

بين ركام مدينة خان يونس، يجلس أحمد حاتم المهابيل (16 عامًا) ويمسك يده بإحكام تحت ذقنه، في حركة متكررة يلجأ إليها لتهدئة جهازه العصبي وليتعامل مع ذاكرة أصوات الانفجارات. أحمد، وهو طفل يعاني من اضطراب طيف التوحد، فقد أماكن كان يحبها كثيرًا: غرفته، مدرسته، والأكاديمية الرياضية التي كان يرتادها، جميعها دُمرت في حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.

قبل الحرب، كان أحمد في حالة جيدة. كان يتقدم في دراسته تحت إشراف مختص، ويتدرب في أكاديمية كرة قدم، ويحفظ القرآن، ويتفوق في اللغة الإنجليزية. لكن الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أسفرت عن مقتل أكثر من 73,380 فلسطينيًا وتدمير مساحات واسعة من القطاع. وخلف هذه الأرقام، انهارت الخدمات والبيئات الداعمة التي يحتاجها أشخاص مثل أحمد.

تقول أم أحمد: "كان أحمد يذهب إلى المسجد والنادي بمفرده، وكان وضعه ممتازًا، لكن الحرب دمرت كل ما بنيناه. إنه حساس جدًا للأصوات المفاجئة؛ فعندما تنفجر القنابل، يصاب بنوبة هلع شديدة، ويغطي أذنيه ويتمايل. وفي حالات الخوف الشديد، يؤذي نفسه ويضرب رأسه بالأرض ليهرب من الصوت". كما أن سوء التغذية الحاد ونقص البروتين أدى إلى انفجار الزائدة الدودية. وتضيف أم أحمد: "بسبب نقص الغذاء، حصلت مضاعفات أدت إلى التهاب الجرح، فاضطر الأطباء لإجراء عملية ثانية لفتح البطن وتنظيفه حتى تعافى".

اليوم، يقضي أحمد أيامه داخل البيت بسبب انعدام الأمن في غزة، حيث ما زالت الهجمات الإسرائيلية مستمرة رغم وقف إطلاق النار في أكتوبر. تقول والدته: "كل أملنا أن يحصل أحمد على فرصة للسفر إلى الخارج للعلاج والتأهيل، ليستعيد ما أخذته الحرب منه".

القصف والتحميل الحسي

يشكل القصف المستمر تهديدًا مباشرًا للجهاز العصبي للأطفال المصابين بالتوحد. ففي غزة، أدت الانفجارات المتواصلة إلى انتكاسات سلوكية حادة، منها الحرمان الكامل من النوم، والتجوال خارج الخيام، ونوبات الهلع، وإيذاء الذات.

يقرأ  القرارات الأكثر إثارة للجدل لتقنية الفيديو في دور المجموعات بكأس العالم 2026

يقول ضياء أبو عون، الأخصائي النفسي الذي تعامل مع أحمد: "الطفل المصاب بالتوحد يعتمد كليًا على الروتين والهدوء ليشعر بالأمان. عندما يُجبر على العيش في خيمة وسط انفجارات متواصلة، يتلقى دماغه صدمة حسية لا يستطيع معالجتها. هذا الخوف يتحول إلى أرق ومشاكل في الهضم ونوبات صراخ شديدة يفقد فيها الطفل السيطرة على نفسه تمامًا".

وفي مخيم النصيرات وسط القطاع، يُظهر منير الحاج (19 عامًا) بعض هذه السلوكيات. فعندما يسمع الغارات الجوية، يقبض يديه بقوة ويمشي ذهابًا وإيابًا وهو يصدر أصواتًا ليحجب الضوضاء. قبل الحرب، كان منير يتابع مسارًا تأهيليًا واعدًا بإشراف مختصين؛ فقد كان يذهب إلى المدرسة، ويظهر مهارات تواصل قوية، وموهبة في الرسم. لكن مع بدء القصف الإسرائيلي، ونقص الأدوية الناتج عن الحصار، تراجعت حالته إلى نوبات صراخ وأعراض تشبه التشنجات. وقد خُفِّض البروتوكول العلاجي لمنير إلى نصف قرص مهدئ يوميًا.

يقول والده، الذي طلب عدم ذكر اسمه كاملًا واكتفى بكنية "أبو منير": "كان يتواصل ويعبر عن نفسه بوضوح، لكن الحرب التهمت كل شيء. ذاب هذا المكان الآمن في وجه الخوف والمشقة. أصبح يطرح أسئلة ملحة لا نستطيع الإجابة عنها، ويدخل في نوبات حادة إذا لم تُحل. نحاول طمأنته أثناء القصف بالقول ‘الله يحمينا’، لكنه يدرك ما يحدث ويعبر عن ألمه بقوله: ‘أنا بلا مأوى ولا وطن’". وأضاف: "غياب المكان الآمن ونفاد المهدئات حول محاولاتنا لتهدئة أطفالنا إلى جهود فردية مليئة بالخوف والارتباك".

نقص الأدوية

يقول خبراء إن انقطاع العلاجات المتخصصة يهدد عشرات الأطفال بشكل مباشر. ويشرح أبو عون: "الانقطاع المفاجئ أو التخفيض القسري لجرعات الأدوية النفسية ومضادات التشنج يحدث خللًا حادًا في كيمياء الدماغ. فعندما يُحرم الطفل من الدواء أو يحصل على نصف الجرعة، يدخل الجهاز العصبي في حالة ارتدادية شديدة. تزداد النوبات العنيفة والتشنجات الحادة، مما يزيد إيذاء الذات ويمنع الاستجابة للتدريب السلوكي".

يقرأ  مبابي يسجّل هدفًا قاتلًا ويمنح ريال مدريد الفوز على تالاڤيرا في كأس الملك

إن نقص الأدوية وانهيار الخدمات المتخصصة جعل الأطفال المصابين بالتوحد دون علاج منتظم أو بدائل مناسبة. وتقول منظمة الصحة العالمية إنه لم تدخل أي معدات إعادة تأهيل إلى غزة بين مايو/أيار 2024 وأبريل/نيسان من هذا العام، وسط قيود شديدة على جميع المرافق.

كما دُمر مركز فلسطين للتربية الخاصة، وقُتلت مديرته السابقة أريج أبو سلطان، مما اضطر الأهالي إلى تحمل أدوار علاجية أكبر. وتؤكد ريم جرور، رئيسة برامج التوحد في جمعية الدلافين للتعليم والتنمية المجتمعية، أن الأشخاص المصابين بالتوحد يعتمدون على بيئات يمكن التنبؤ بها من أجل الاستقرار العاطفي. وتقول: "الطفل المصاب بالتوحد لا يستطيع العيش دون بيئة قابلة للتنبؤ؛ فالروتين صمام أمان عصبي. ما نشهده اليوم في غزة هو التدمير الكامل للأساسات السلوكية التي بُنيت على مدى سنوات. فالنزوح المفاجئ يحول المحفزات البيئية إلى تهديدات حادة، ويؤدي إلى تراجع كبير في المهارات اللغوية والاجتماعية".

أضف تعليق