في بلدة ستاينفايك الهولندية، أخرج عبدالولي عملةً معدنية خاصة وشهادة تسلّمها عام 2023 من الحكومة الهولندية، تقديراً لخدماته في أفغانستان. يقول إن هاتين القطعتين ترمزان إلى وعدٍ قطعته هولندا عندما أجلت نحو 4500 موظف أفغاني، معظمهم كانوا يعملون مترجمين أو حراس أمن أو ضمن بعثة الشرطة الأوروبية، مع عائلاتهم، بعد سيطرة طالبان على كابول في أغسطس/آب 2021.
انتشرت وقتها صور مأساوية لأفغان يحاولون اقتحام مطار كابول بينما كانت الطائرات الأميركية تقلع، وعكست تلك الصور الخوف الذي اجتاح كثيرين من سلطة جديدة في البلاد. وتعرّضت حكومات أوروبية، بينها هولندا، لانتقادات شديدة بسبب عملية الإجلاء الفوضوية التي تركت آلاف الأفغان المعرّضين للخطر، خصوصاً من عملوا مع الإدارة السابقة أو جهات أجنبية.
وصل عبدالولي إلى هولندا في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، بعد أن ضغط سياسيون وعسكريون هولنديون لإجلائه. كان قد تلقّى تهديدات من طالبان بسبب عمله مع منظمة “كورديد” الهولندية غير الحكومية، ومساعدته مترجماً مرتبطاً بالجيش الهولندي. يقول عبدالولي للجزيرة: “نحن مجموعة مستهدفة من طالبان، وهم يعرفوننا جيداً”.
بعد خمس سنوات، كان هو وزوجته وأطفاله الأربعة قد بدأوا حياة جديدة في حي هادئ في ستاينفايك، وهي بلدة صغيرة في شمال هولندا. كوّنوا صداقات مع جيرانهم الهولنديين وتعلّموا اللغة. بناته الثلاث يدرسن في مدرسة محلية، وعبدالولي وجد عملاً في مصنع قريب.
وفي يونيو/حزيران الماضي، تقدّمت العائلة بطلب للحصول على جوازات سفر هولندية، لكن الحكومة غيّرت القانون فجأة، وهدّدت بذلك الحياة الجديدة التي بدأوها. آلاف العائلات مثل عائلة عبدالولي، التي حصلت على وضع لاجئ، باتت تحمل الآن إقامة مؤقتة فقط، ما يضعها في حالة من الترقب والقلق.
يقول عبدالولي: “نحن وكل العائلات الأخرى أصبحنا غير متأكدين من مستقبلنا؛ نشعر بالقلق وعدم الأمان”. ويعتقد أن الحكومة الهولندية تتحمل مسؤولية تجاه موظفيها السابقين في أفغانستان، بسبب المخاطر التي يواجهونها من انتقام طالبان.
بحسب وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، تقدّم نحو نصف مليون أفغاني بطلبات لجوء في الاتحاد الأوروبي منذ وصول طالبان إلى السلطة عام 2021. ورغم أن الاتحاد لا يزال لا يعترف بالإدارة الجديدة في كابول، عقد 15 سفيراً أوروبياً اجتماعاً مع وفد من طالبان في بروكسل في 23 يونيو/حزيران. ويُقال إن الموضوع الرئيسي على جدول الأعمال كان احتمال إعادة اللاجئين الأفغان إلى أفغانستان.
مع تصاعد المشاعر المعادية للهجرة وصعود الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، تسعى حكومات الاتحاد الأوروبي إلى إظهار استعدادها لتطبيق سياسات لجوء أكثر تشدداً، حتى لو كان ذلك يعني التعاون مع طالبان لترحيل الأفغان إليها. وكانت ألمانيا أول دولة أوروبية تتعامل مع دبلوماسيين عيّنتهم طالبان في بعثاتها في برلين وبون.
في عام 2024، قررت ألمانيا رفع الحظر الفعلي على ترحيل الأفغان إلى كابول، وجاء هذا القرار بعد أن حُكم على رجلين، أحدهما سوري والآخر أفغاني، بالسجن في قضيتين منفصلتين تتعلقان بطعنات في ألمانيا في ذلك العام. خلال العامين الماضيين، رُحّل نحو 200 شخص، معظمهم لديهم سوابق جنائية، إلى أفغانستان. وفي أواخر يوليو/تموز، رحّلت ألمانيا لأول مرة رجلاً أفغانياً لم يرتكب أي جريمة.
وثيقة سويسرية حصلت عليها صحيفة “إن آر سي” الهولندية، تُظهر أن دولاً مثل هولندا وألمانيا والدنمارك والنرويج تخطط لترحيل أعداد أكبر من اللاجئين إلى أفغانستان. وكما سبق أن نشرت الجزيرة، تأمل اليونان أيضاً في ترحيل أشخاص.
كان الدبلوماسي الهولندي السابق سيس رولز، نائب السفير، في كابول عندما دخلت طالبان العاصمة الأفغانية في أغسطس/آب 2021. وقال للجزيرة إنه شعر بالصدمة عندما قررت حكومات الاتحاد الأوروبي تحسين العلاقات مع طالبان، كما ظهر في اجتماع بروكسل في يونيو/حزيران. وأضاف: “ما تريده أوروبا هو خلق نظام تكون فيه طالبان حارس بوابة سياسات الهجرة الأوروبية. وما يقلل الناس من شأنه هو أن طالبان هي التي تخلق الظروف التي تجعل الناس يرغبون في الرحيل”.
في منزله شرقي هولندا، يقضي فريدون، الذي نكتفي بذكر اسمه الأول حفاظاً على سلامة عائلته في أفغانستان، معظم وقته في تعلّم اللغة الهولندية. فريدون محامٍ متدرّب، عمل في بعثة “يوبول” الأوروبية في أفغانستان، وكان مساعداً سياسياً للبعثة الأوروبية هناك. وهو من بين 1800 لاجئ أفغاني وقّعوا رسالة إلى الحكومة الهولندية والبرلمان العام الماضي، يطلبون فيها توضيحاً بشأن مستقبلهم المهدد.
يقول: “نحن لم نختر المجيء إلى هنا؛ لم يكن لدينا خيار حينها بمغادرة بلدنا بسبب العمل الذي قمنا به. لقد حمونا طوال السنوات الخمس الماضية، والآن نطلب منهم أن يستمروا في حمايتنا، خصوصاً أطفالنا. إذا عدنا، فالموت بانتظارنا”.
الخوف من أن يُرحَّل هو وعائلته في أي لحظة إلى أفغانستان يبقيه مستيقظاً في الليل. وفي ستاينفايك، يجول أبناء عبدالولي وبناته في الحي على دراجاتهم، وهم لا يعرفون ماذا يحمل لهم المستقبل. يقول والدهم: “لا يمكنهم الانتظار حتى يعودوا إلى المدرسة. ولا أستطيع حتى أن أتخيل ماذا يعني أن تُحرَم بناتنا من التعليم إذا عدنا إلى أفغانستان”.