خيارات محدودة أمام كثير من الإيرانيين والحرب مع أمريكا تخنق الاقتصاد

في طهران، يقول سعيد (26 عامًا) إنه يشعر بالإحباط وهو يبحث عن وظيفة أفضل أجرًا من وظيفته الحالية مدرّسًا في مدرسة ابتدائية، بعد أشهر من الحرب مع الولايات المتحدة وحصارها البحري للموانئ الإيرانية.

ويضيف: “إذا ألقيت نظرة على إعلانات الوظائف المتاحة سواء على الإنترنت أو في الواقع، فستفهم لماذا يشعر بعض الشباب أنه لا جدوى من الخروج للعمل. لكن المصاريف لا تختفي”.

بحسب سعيد، فإن من يعملون مدرّسين أو صرافين أو بائعين يحصلون على راتب شهري يقل عن 200 مليون ريال إيراني (نحو 107 دولارات بسعر الصرف الحالي)، وبعض الوظائف تدفع أقل من الحد الأدنى الأساسي للأجور البالغ حوالي 166 مليون ريال (نحو 88 دولارًا).

ويقول إن “كثيرًا من أرباب العمل لا يقدمون تأمينًا صحيًا، ويطلبون 12 ساعة عمل يوميًا، أحيانًا ستة أيام في الأسبوع. كما يختلقون أعذارًا لخصم الأجور متى استطاعوا، وهم يعرفون أن خياراتك محدودة”.

سعيد حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفارسي، لكنه يقول إن كثيرًا من الإيرانيين مثله يبحثون الآن عن أي فرصة عمل ممكنة، بغض النظر عن تخصصهم أو خبرتهم، لأن تأمين قوت اليوم أصبح أصعب بكثير.

بالنسبة لعامل يتقاضى الحد الأدنى للأجور ويتلقى دعمًا حكوميًا، فإن كيلوغرامًا واحدًا من لحم الضأن يستهلك حاليًا نحو 10% من راتب شهر كامل، بينما يستهلك عشرة كيلوغرامات من الأرز الإيراني أكثر من خُمس الراتب. هذا دون الحديث عن تكاليف السكن المرتفعة بسرعة، إضافة إلى فواتير الكهرباء والماء والوقود، ومواصلات، والرعاية الصحية.

عندما وافقت الحكومة في مارس/آذار الماضي على زيادة الحد الأدنى الأساسي للأجور بنسبة 60%، وهو ما يحمل مخاطر طباعة المزيد من النقود وارتفاع التضخم، قُدّرت تكلفة سلة الاحتياجات الأساسية لأسرة عامل متوسطة من 3.3 أفراد بنحو 430 مليون ريال (حوالي 230 دولارًا).

يقرأ  جدول مباريات ربع نهائي كأس العالم 2026 الكامل وخلاف مصر مع الفيفا

وقد جاء ذلك بينما كانت الصدمات الاقتصادية الناجمة عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ما تزال تتداعى، إضافة إلى انقطاعين للإنترنت فرضتهما الدولة، بما في ذلك خلال الاحتجاجات الواسعة في يناير/كانون الثاني عندما قُتل آلاف الأشخاص. هذه العوامل زادت من المشاكل المزمنة في الاقتصاد الإيراني الناتجة عن عقود من الفساد وسوء الإدارة، إلى جانب عقود من العقوبات الأميركية والأممية.

ملايين الأشخاص في إيران يكافحون من أجل تأمين معيشتهم والبقاء على قيد الحياة، لكن الاقتصاد المنهك في البلاد لا يزال بعيدًا عن الانهيار رغم مرور أكثر من خمسة أشهر على الحرب.

إيران، وهي دولة غنية بالموارد ويبلغ عدد سكانها أكثر من 92 مليون نسمة، طوّرت اقتصادًا متنوعًا نسبيًا بالنسبة لدولة مصدرة رئيسية للنفط، إذ اعتمدت السلطات لعقود على سياسة الاكتفاء الذاتي في مواجهة الحظر الاقتصادي والمواجهات مع الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب.

لكن الإيرانيين يشعرون بالآثار المباشرة للعقوبات والحرب الحالية. فحسب أحدث تقرير صادر عن مركز الإحصاء الإيراني في نهاية يوليو/تموز، بلغ التضخم السنوي نحو 88%.

أما تضخم المواد الغذائية فقد تجاوز 128% مقارنة بالعام السابق، ما يعني أن سلة الغذاء نفسها تكلف الآن نحو 2.28 ضعف ما كانت تكلفه في يوليو/تموز 2025. ومن بين المجموعات الغذائية الرئيسية، بلغ التضخم السنوي 261% للزيوت والدهون، و147% للحليب والجبن والبيض، و145% للحوم والدواجن.

وبينما ارتفعت الأسعار بمعدلات لم تشهدها إيران منذ أكثر من ثمانية عقود، فُقدت وظائف في معظم القطاعات خلال عام 2026. وبلغت البطالة بين الشباب 23.4% في الربيع، مرتفعة 3.7 نقطة مئوية عن العام السابق، وفق مركز الإحصاء.

وبلغت البطالة الإجمالية 9.1% في الفترة نفسها، لكن معدل المشاركة في القوى العاملة بلغ 40% فقط، ما يعني أن معظم الناس في سن العمل يعملون خارج القوى العاملة الرسمية، وكثير منهم في أعمال غير منتظمة أو غير رسمية.

يقرأ  البرلمان العراقي ينتخب السياسي الكردي نزار أميدي رئيساً — أخبار الانتخابات

حتى بعض الذين يملكون أصولًا ومشاريع خاصة يجدون صعوبة في تدبير أمورهم في ظل الاقتصاد الإيراني المتعثر. يقول يشار (38 عامًا)، وهو يشارك والدته في امتلاك متجر بقالة في لاهيجان شمال إيران، إنهما يملكان أيضًا منزلهما ومتجرًا صغيرًا آخر يؤجرانه لمستأجر.

ويضيف: “من الخارج قد يبدو أننا في حال جيدة، لكننا نشعر بالعكس تمامًا، لأن الإيجار ومعاش والدتي بالكاد يغطيان التكاليف الأساسية، ناهيك عن أي مشتريات إضافية أو ادخار. العمل في المتجر بطيء جدًا، ونظل دائمًا عاجزين عن تدبير المال اللازم لشراء البضاعة في المرة التالية”.

وقال الرئيس مسعود بزشكيان الأسبوع الماضي إن الحرب والحصار البحري الأمريكي على الموانئ الجنوبية الإيرانية رفعا التكاليف على حكومته التي تعاني من شح السيولة. وأضاف: “كنا نستطيع بيع النفط، والآن لا نستطيع. كما أنهم ضربوا ودمروا بعض مصانعنا، لذلك لا يمكننا تحصيل الضرائب بالطريقة نفسها”. وأضاف أن الأمر يتطلب أيضًا دفع الأموال لهذه القطاعات حتى تبقى قائمة وتدور عجلة الاقتصاد. إدارة بزشكيان تدرس بجدية رفعًا كبيرًا لسعر البنزين، بعد زيادة أخرى في ديسمبر/كانون الأول، وتشديدًا للسقوف المفروضة على الحصص الشهرية للوقود للسيارات الخاصة. لكنها تتعامل مع الأمر بحذر، لأن الزيادات السابقة في الأسعار أسهمت في احتجاجات شعبية واسعة في مختلف أنحاء إيران.

بزشكيان وبعض كبار المسؤولين في المؤسسة الحاكمة يؤيدون حلًا دبلوماسيًا مع واشنطن، لكن لا يلوح في الأفق أي اتفاق مع الولايات المتحدة في المدى القصير، رغم استمرار المحادثات مع عُمان والوسطاء حول ترتيب لمرور السفن عبر مضيق هرمز. وبينما تستعد السلطات لجولة مواجهة محتملة أخرى حول هذا الممر المائي الاستراتيجي وقضايا أخرى، يواصل الإيرانيون دفع أعلى فاتورة من بين جميع الأطراف المتأثرة والمستهلكين حول العالم.

يقرأ  مانشستر يونايتد يهزم تشيلسي — هدف كونها يعزز آمال التأهل إلى دوري أبطال أوروبا

الصورة: بائع يرتب المكسرات في متجره في سوق تجريش شمال طهران (فاهيد سليمي/أسوشيتد برس).

لادن، 28 عامًا، تعمل في وظيفة مكتبية في طهران وتدير أيضًا متجرًا إلكترونيًا على إنستغرام لبيع القلائد والأساور والتحف الصغيرة لتأمين لقمة العيش. تقول إن هذا الكدح قد يبدو بلا جدوى في بعض الأحيان، لأنه لا يقدم آفاقًا حقيقية لنمو مستدام. وأخبرت الجزيرة أنها لاحظت الأسبوع الماضي أن أرباحها لم تتجاوز نحو 20 مليون ريال (أقل من 11 دولارًا) بعد إتمام أكثر من اثنتي عشرة عملية بيع عبر الإنترنت.

وأضافت: “أنا تعبت وسئمت من كل شيء. ورغم أنني أعيش مع والديّ ولا أدفع إيجارًا، لا أستطيع حتى أن أشتري لنفسي سيارة برايد، لأنني في النهاية أربح بالريال.” وتقصد أرخص سيارة محلية، يطلق عليها الإيرانيون لقب “عربة الموت” بسبب انخفاض معايير الأمان فيها، ويبلغ سعرها نحو عشرة مليارات ريال (5350 دولارًا).

أضف تعليق