بعد أكثر من سبعة عقود على مساعدة الولايات المتحدة في الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدق عام 1953، يعود البلدان اليوم إلى المواجهة من جديد.
في 28 فبراير/شباط الماضي، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، زاعمتين أنها كانت على وشك امتلاك أسلحة نووية. وقد امتد القتال إلى أكثر من منطقة، حيث شنت إيران هجمات انتقامية على دول خليجية، كما اندلعت المواجهات في لبنان ضد حزب الله المدعوم من إيران، وفي اليمن حيث يستهدف الحوثيون المدعومون من إيران سفناً مرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر. وأدى إغلاق مضيق هرمز إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية، وتوقف التقدم نحو اتفاق سلام.
هذه الحرب ليست سوى فصل جديد في علاقة أميركية إيرانية طبعتها الانقلابات والعمليات السرية والعقوبات والمواجهات العسكرية، ومحاولات دبلوماسية قصيرة لم تنجح.
منذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، التي قادها المرشد الأعلى السابق روح الله الخميني وأطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي المدعوم من واشنطن، سعت الولايات المتحدة مراراً إلى إضعاف الحكومة في طهران. غير أن إيران ليست حالة معزولة؛ فمن غواتيمالا وكوبا إلى تشيلي وفنزويلا، تدخلت الولايات المتحدة على مر السنين ضد حكومات اعتبرتها معادية لمصالحها. فما هي نتائج هذه المحاولات؟ وما الدروس التي قد تهم واشنطن اليوم؟
في عام 1953، عملت وكالة المخابرات المركزية الأميركية مع بريطانيا على الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدق، بعد أن أمّم شركة النفط الأنجلو-إيرانية، وهو ما رأت فيه القوى الغربية مساساً بمصالحها. وكان مصدق قد وصل إلى السلطة عام 1951.
وأعاد الانقلاب الشاه بهلوي إلى الحكم. وكان الشاه قد تسلّم مقاليد البلاد أول مرة عام 1941، أثناء الحرب العالمية الثانية، بعد أن أجبرت القوات البريطانية والسوفيتية والده رضا شاه على التنازل عن العرش. فقد كانت قوات الحلفاء تخشى علاقات رضا شاه مع ألمانيا النازية، التي كانت أكبر شريك تجاري له في ذلك الوقت، كما كانت مهتمة بالسيطرة على الأراضي والسكك الحديدية في إيران لدعم جهودها الحربية.
بعد انقلاب 1953، كانت واشنطن وطهران في عهد بهلوي حليفتين قريبتين طوال ربع القرن التالي. وقد دعمت الولايات المتحدة الشاه، بل وساعدت إيران في تطوير برنامج نووي مدني. ففي عام 1957، وقّع البلدان اتفاق تعاون نووي ضمن مبادرة الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور المعروفة بـ”الذرة من أجل السلام”. وبعد عشر سنوات، زودت واشنطن إيران بمفاعل نووي ويورانيوم.
لكن حكم الشاه الاستبدادي المتصاعد أثار بمرور الوقت معارضة واسعة. وفي عام 1979، أجبرته الاحتجاجات الجماهيرية على مغادرة البلاد، وعاد الخميني من المنفى ليؤسس الجمهورية الإسلامية. وهنا تحولت العلاقة بين واشنطن وطهران من تحالف وثيق إلى عداء مستمر، وأصبحت إيران أحد أبرز خصوم الولايات المتحدة.
في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأميركية واحتجزوا 52 أميركياً كرهائن لمدة 444 يوماً، ما دفع واشنطن إلى قطع العلاقات الدبلوماسية وفرض عقوبات على طهران. وخلال الحرب بين إيران والعراق في الثمانينيات، دعمت الولايات المتحدة العراق، كما واجهت إيران مواجهات عسكرية مباشرة مع القوات الأميركية.
وفي العقود التالية، شددت واشنطن العقوبات على إيران، مستندة إلى أنشطتها النووية ودعمها جماعات مسلحة في المنطقة، من بينها حماس في غزة وحزب الله في لبنان. وبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وصف الرئيس الأميركي جورج بوش الابن إيران بأنها جزء من “محور الشر”، رغم التعاون السابق بين واشنطن وطهران ضد طالبان والقاعدة. ثم جاء انتخاب باراك أوباما ليشهد تحولاً نادراً نحو الدبلوماسية.
في عام 2015، أُبرمت خطة العمل الشاملة المشتركة، وهي اتفاق نووي بين إيران والولايات المتحدة وعدد من الاقتصادات الكبرى، بما فيها بريطانيا وفرنسا والصين. وكان الاتفاق يقيد الأنشطة النووية الإيرانية مقابل رفع العقوبات. لكن الاتفاق لم يدم طويلاً؛ ففي عام 2018، انسحب الرئيس دونالد ترامب منه في ولايته الأولى وأعاد فرض العقوبات. وبعد عام واحد، بدأت إيران تخصيب اليورانيوم بما يتجاوز الحدود التي وافقت عليها، حتى بنت مخزوناً يقدر بنحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب.
في عام 2025، وبعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، اقترح محادثات نووية جديدة مع إيران، وبدأت المفاوضات عبر وسطاء في عُمان. لكن تلك المحادثات انهارت عندما شنت إسرائيل هجمات على إيران، فيما عُرف بالحرب التي استمرت 12 يوماً. وانضمت الولايات المتحدة لاحقاً إلى الحرب، مستهدفة ثلاثة منشآت نووية.
في 28 فبراير/شباط من هذا العام، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جديدة على إيران، مرة أخرى في خضم المفاوضات. وكان أحد الأهداف المركزية للحرب، كما قال ترامب، هو تغيير النظام في طهران، وقد صاغ ذلك على أنه “حرية للشعب”. وقال في اليوم الذي بدأت فيه الحرب: “عندما ننتهي، ستديرون حكومتكم، وستكون ملكاً لكم”.
لكن هذا الهدف فشل. فرغم مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة في الضربات الأولى، جرى استبدالهم سريعاً بقادة دينيين آخرين، بينهم المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، نجل علي. وما تزال الحكومة في طهران قائمة، بل إنها، بحسب كثير من المراقبين، شددت قبضتها على شؤون البلاد.
ونتيجة للضربات الأميركية-الإسرائيلية، قُتل آلاف الأشخاص في إيران، وقتل آخرون في هجمات انتقامية في أنحاء المنطقة. وبعد وقت قصير من اندلاع الحرب، بدأ حزب الله اللبناني المدعوم من إيران بإطلاق صواريخ على شمال إسرائيل رداً على مقتل المرشد الأعلى. وأدى ذلك إلى قصف إسرائيلي شبه يومي واحتلال نحو خُمس لبنان. ولقي آلاف الأشخاص حتفهم هناك، في حين نزح أكثر من مليون شخص من منازلهم، بينما تسعى إسرائيل إلى إنشاء «منطقة عازلة» واسعة بين أراضيها ومقاتلي حزب الله.
نفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ ذلك الحين أنه كان يسعى إلى تغيير النظام في إيران، وقال في يونيو/حزيران إنه «لم يهتم قط بتغيير الأنظمة». وأضاف: «رأيت تغيير الأنظمة لسنوات، وهي لا تنجح أبداً».
أين حاولت الولايات المتحدة أيضاً فرض تغيير النظام في الشرق الأوسط وأفغانستان؟
لقد تسببت التدخلات الأميركية في أماكن أخرى من المنطقة في خسائر بشرية ومالية هائلة.
في عام 2003، غزت واشنطن وحلفاؤها العراق سعياً لإزاحة صدام حسين، الذي زعموا أنه يمتلك أسلحة دمار شامل. ورغم إزاحته من السلطة في النهاية، لم يُعثر في عمليات التفتيش اللاحقة على أي مخزون من أسلحة الدمار الشامل. وأُعدِم صدام شنقاً في بغداد بعد إدانته بجرائم ضد الإنسانية.
ووفقاً لمعهد واتسون للشؤون الدولية والعامة في جامعة براون، قُتل نحو 315 ألف شخص بشكل مباشر خلال النزاع الأميركي في العراق. وفي النزاعات التي قادتها الولايات المتحدة منذ عام 2001 في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا واليمن ومناطق صراع أخرى، قُتل حوالي 940 ألف شخص. ومع احتساب الوفيات المرتبطة بشكل غير مباشر بالحرب من خلال الأمراض والجوع وفقدان الرعاية الصحية، يرتفع العدد التقديري إلى ما بين 4.5 و4.7 مليون، وفقاً لحسابات المعهد.
وكانت الكلفة المالية للتدخلات الأميركية في الشرق الأوسط هائلة. فأنفقت الولايات المتحدة حوالي 5.8 تريليون دولار على أكثر من عقدين من الحرب هناك، مع توقعات بإنفاق 2.2 تريليون دولار إضافية على رعاية المحاربين القدامى خلال الثلاثين عاماً التالية.
وبينما نجحت القوات الأميركية وقوات الحلفاء في الإطاحة بحركة طالبان في أفغانستان عام 2001، وبقيت هناك 20 عاماً دعماً لحكومة مدنية، عادت طالبان بسرعة واستعادت السلطة فور انسحاب القوات الأميركية من البلاد في عام 2021.
في ليبيا، أدى التدخل العسكري الأميركي والغربي في عام 2011 إلى إزاحة الزعيم معمر القذافي، الذي حكم ليبيا لعقود. وقادت الولايات المتحدة في البداية عملية عسكرية دولية أذن بها مجلس الأمن الدولي لحماية المدنيين من القوات الموالية للقذافي. ثم نقلت القيادة إلى حلف الناتو في مارس/آذار 2011، مع استمرارها في تقديم قدرات عسكرية رئيسية، بما في ذلك طائرات مسيّرة للمراقبة ومسيّرات مسلحة.
منذ الإطاحة بالقذافي، عانت ليبيا من الانقسام السياسي وحكومات متنافسة وجماعات مسلحة تتنافس على السلطة. وتوّجت سنوات من القتال بين الفصائل بوقف لإطلاق النار أيدته الأمم المتحدة في عام 2020، لكن البلاد ما تزال منقسمة بين مؤسسات متنافسة ومراكز قوة عسكرية. وتشارك واشنطن حالياً في جهود للوساطة في مبادرة تهدف إلى إنهاء الانقسام المؤسسي في البلاد وجمع السلطات التنفيذية المتنافسة تحت حكومة موحدة.
ما هو تاريخ الولايات المتحدة في التدخل في أماكن أخرى من العالم؟
خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي من 1945 إلى 1991، دعمت واشنطن عمليات ضد حكومات يسارية منتخبة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، في محاولة إلى حد كبير لحماية مصالحها المالية في تلك البلدان.
في عام 1954، ساعدت وكالة المخابرات المركزية الأميركية في الإطاحة بالرئيس الغواتيمالي المنتخب جاكوبو أربينز، بعد أن سعت حكومته إلى تأميم الأراضي واتبعت سياسات رأت فيها واشنطن توجهات اشتراكية متزايدة ومناهضة للمصالح الأميركية. وتلت ذلك حرب أهلية استمرت من 1960 إلى 1996.
في كوبا، دربت وكالة المخابرات المركزية منفيين كوبيين لشن غزو يهدف إلى إزاحة الزعيم فيدل كاسترو. وفشل غزو خليج الخنازير عام 1961 عندما هزمت القوات الكوبية المهاجمين.
دعمت الولايات المتحدة القوى والسياسيين المناهضين للشيوعية في البرازيل، مما أدى إلى انقلاب عسكري عام 1964 أطاح بالرئيس جواو غولار. وحدث تدخل مماثل في الإكوادور وبوليفيا.
في تشيلي، مولت وكالة المخابرات المركزية جهوداً ضد الرئيس الاشتراكي المنتخب سلفادور أليندي، الذي تضمنت خططه تأميم شركات النحاس المملوكة لشركات أميركية. وأدى انقلاب عسكري عام 1973 إلى وصول الجنرال أوغستو بينوشيه إلى السلطة لمدة 17 عاماً.
خلال حكم بينوشيه، قُتل أكثر من 3,000 شخص، وتعرض عشرات الآلاف للتعذيب أو السجن. وفقد نحو 1,400 شخص بسبب الاختفاء القسري، ولجأ ما لا يقل عن 200 ألف تشيلي إلى المنفى.
كما غزت الولايات المتحدة غرينادا عام 1983 وبنما عام 1989، وأطاحت بحكومتين كانت واشنطن تعارضهما.
بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول على مدينة نيويورك، غزت الولايات المتحدة أفغانستان عام 2001 بهدف تفكيك القاعدة والإطاحة بحركة طالبان. واحتلت أفغانستان حتى عام 2021، بعد أن استعادت طالبان البلاد في هجوم خاطف. ووفقاً لمعهد واتسون، تسببت الحرب في أفغانستان والنزاع المرتبط بها في باكستان في نحو 243,000 حالة وفاة مباشرة.
في يناير/كانون الثاني 2026، اختُطف الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في عملية عسكرية أميركية، بعد أن بلغت التوترات الطويلة بين واشنطن وكاراكاس ذروتها. ومنذ ذلك الحين، تولت ديلسي رودريغيز الرئاسة بصفة مؤقتة، وقرّبت البلاد أكثر من المصالح الأميركية، التي تشمل السيطرة على صناعة النفط في البلاد. ومنذ اختطاف مادورو، وعد ترامب باستثمارات أميركية في حقول النفط والبنية التحتية في فنزويلا. في وقت سابق من هذا العام، رفعت واشنطن بعض العقوبات عن قطاع النفط في البلد، مما جعل بيع النفط الخام أسهل للشركات الأميركية.
عند الحديث عن إيران، تقول تجربة الولايات المتحدة إنها نجحت مرارًا في تغيير المسار السياسي الفوري للبلاد، دون أن تتمكن من التحكم بالعواقب. هكذا يقول أندرياس كريغ، الأستاذ المشارك في كلية كينغز لندن، في حديثه للجزيرة.
فانقلاب عام 1953 أطاح بمصدّق وحافظ على الشاه، لكنه في الوقت نفسه ربط النظام الملكي بالتدخل الغربي ارتباطًا دائمًا. ويضيف كريغ أن دعم الولايات المتحدة للشاه حوّل معاداة أميركا من مجرد تيار داخل السياسة الإيرانية إلى مكوّن أساسي في الائتلاف الثوري الذي أطاح بالشاه عام 1979. لذلك يقول: “بهذا المعنى، نجح عام 1953 من الناحية العملياتية وفشل تاريخيًا”.
وبالمثل، يرى كريغ أن الغزو الأميركي للعراق أزال صدام حسين، الذي كان يشكّل الثقل الإقليمي الرئيسي في مواجهة إيران، و”خلق بالصدفة مساحة سياسية في العراق تمكّن الحرس الثوري الإيراني من خلالها من بناء جزء كبير من شبكته الإقليمية بعد عام 2003″.
أما “الدرس الحقيقي” من سبعين عامًا مضت، فيقول كريغ إنه يتمثل في “الانضباط الاستراتيجي”. فالأمر يتطلب أن تفرّق الولايات المتحدة بين تقليص قدرات إيرانية محددة وبين محاولة إعادة تصميم النظام السياسي الإيراني. وهنا، كما يقول، يجب أن يجعل السجل التاريخي واشنطن حذرة للغاية، ففي إيران اكتشفت الولايات المتحدة مرارًا أن إزالة مشكلة استراتيجية واحدة قد تخلق مشكلة أكبر بكثير.
من جهتها، تقول نغار مرتضوي، الزميلة البارزة في مركز السياسات الدولية في الولايات المتحدة، إن عواقب التدخل الأميركي في الشرق الأوسط كانت في كثير من الأحيان مدمرة. وتضيف: “من انقلاب 1953 في إيران إلى حروب تغيير الأنظمة والتدخلات في أنحاء المنطقة، سجل الولايات المتحدة مليء بالفوضى وعدم الاستقرار وغياب الأمن”.
وفي الحالة الإيرانية، كما تقول مرتضوي، سحق الانقلاب حركة ديمقراطية ورسّخ الحكم الاستبدادي وأرسى الأسس للعداء العميق لأميركا الذي ما زال يحدد العلاقة بين البلدين حتى اليوم.
وعلى مستوى المنطقة، أدت المحاولات الأميركية المتكررة لإزالة الحكومات وهندسة النتائج السياسية إلى تدمير دول، وتمكين جماعات مسلحة، وتشريد ملايين البشر، وإنتاج عواقب لم تكن واشنطن تتوقعها ولا تستطيع السيطرة عليها.
وتخلص مرتضوي إلى أن “الدرس المركزي يجب أن يكون واضحًا: تدمير حكومة أسهل بكثير من السيطرة على ما يلي ذلك. ومع ذلك، ظلت واشنطن تخلط بين القوة العسكرية والسيطرة السياسية، وبين إزالة نظام وتحقيق النصر. وبعد سبعة عقود، ما زالت الافتراضات نفسها قائمة: أن الولايات المتحدة يمكنها فرض نظامها المفضّل من الخارج، وأن المجتمعات ستستجيب كما تتوقع واشنطن، وأنه يمكن احتواء العواقب. قد تتغير التكتيكات، لكن الخطأ يبقى نفسه”.