في الأسبوع الجاري، يتوجّه الناخبون في كازاخستان إلى صناديق الاقتراع في انتخابات برلمانية مبكرة، يُتوقَّع أن تعزّز قبضة الرئيس قاسم جومارت توكاييف على الحكم في البلاد. وكانت آخر انتخابات برلمانية قد أُجريت في عام 2023.
وتأتي هذه الانتخابات بعد أسابيع فقط من إدخال كازاخستان، التي يبلغ عدد سكانها 21 مليون نسمة وتجاور روسيا والصين، تغييرات دستورية على نظامها التشريعي، حيث تحوّلت من برلمان من غرفتين إلى برلمان من غرفة واحدة، في مسعى لتقديم نفسها كقوة ديمقراطية رئيسية في آسيا الوسطى.
فكيف تعمل العملية الانتخابية؟ وما الذي على المحك؟ هذا ما نعرفه:
متى تُعقد الانتخابات؟
ستُجرى انتخابات المقاعد الـ145 لمجلس كورولتاي، وهو الهيئة التشريعية الجديدة ذات الغرفة الواحدة، في 23 أغسطس/آب. ولكي تدخل الأحزاب البرلمان، يجب أن تحصل على 5 بالمئة على الأقل من إجمالي الأصوات.
وقبل الأول من يوليو/تموز، عندما دخل النظام الدستوري الجديد في كازاخستان حيّز التنفيذ، كان البرلمان يتكوّن من غرفتين: المجلس الأدنى (ماجيليس) والمجلس الأعلى (مجلس الشيوخ). وفي اليوم الذي بدأ فيه النظام الجديد، وقّع الرئيس توكاييف مرسوماً يدعو إلى انتخابات مبكرة.
ووفقاً لوسيلة الإعلام الوطنية “أستانا تايمز”، كان التشريع في النظام السابق يمرّ عبر الماجيليس قبل أن ينتقل إلى مجلس الشيوخ. أما في النموذج الجديد، فيركّز الكورولتاي النظر في القوانين، ثم تُرسَل القوانين المعتمدة إلى الرئيس.
وبموجب النظام الدستوري الجديد، لن يُسمح للرئيس إلا بفترة رئاسية واحدة مدتها سبع سنوات. غير أن توكاييف سيتمكن، بعد انتهاء ولايته الحالية الثانية، من الترشح لولاية ثالثة مدتها سبع سنوات، لأن إنشاء الهيئة التشريعية الجديدة يعيد ضبط فترة توليه المنصب.
وقد فاز توكاييف في آخر انتخابات رئاسية عام 2022 بأكثر من 80 بالمئة من الأصوات، بعد حملة لم يواجه فيها منافسة حقيقية، إذ كان جميع منافسيه الخمسة غير معروفين.
وسيحضر مراقبون دوليون الانتخابات البرلمانية يوم الأحد. وأعلنت الجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا الأسبوع الماضي أن نحو 80 برلمانياً وموظفاً من حوالي 30 دولة سيتم نشرهم لمراقبة الانتخابات.
من يخوض انتخابات هذا العام؟
تشارك سبعة أحزاب سياسية بمرشحين في انتخابات هذا العام، من بينها حزب “عديلت” المشكَّل حديثاً، وأحزاب “أويل” و”أك يول” و”الحزب الشعبي لكازاخستان” و”الحزب الديمقراطي الاجتماعي الوطني” و”بايتاك” و”ريسبوبليكا”.
وفي يونيو/حزيران من هذا العام، صوّت حزب “أمانات”، الذي هيمن على السياسة الكازاخستانية تحت أسماء مختلفة منذ التسعينيات، رسمياً على حلّ نفسه في حزب “عديلت” الجديد، الذي يعني اسمه “العدالة”، ويقوده كبار مساعدي توكاييف. وجاء ذلك بشكل أساسي لقطع الصلة عن الزعيم السابق للحزب، الرئيس السابق نور سلطان نزارباييف.
فنزارباييف، الذي كان قريباً من توكاييف ويُعتبر معلمه، حكم البلاد من 1991 إلى 2019. ورغم أنه قاد عملية التحديث الاقتصادي، اتسم حكمه بالفساد والاضطرابات المدنية والاستبداد. وقد انتُخب رئيساً خمس مرات في اقتراعات تعرّضت لانتقادات واسعة.
وفي الفترة التي سبقت انتخابات الأحد، يعتمد حزب “عديلت” في حملته على شعار “كازاخستان العادلة”، متعهداً برفع دخل الأسر، وتعزيز الاقتصاد، وتحسين الخدمات العامة والبنية التحتية والرقمنة.
وذكرت وكالة رويترز أن ملصقات الحملات الانتخابية، ومعظمها يدعم “عديلت”، انتشرت في أنحاء ألماتي، أكبر مدن كازاخستان، لأسابيع.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الحزب الجديد من المرجح أن يفوز بأغلبية كبيرة من الأصوات، كما يُتوقع أن يدخل البرلمان عدد من أحزاب المعارضة الصغيرة التي يعتبرها المحللون موالية بشكل عام لتوكاييف.
ويخوض الحزب الديمقراطي “أك يول” حملته على أساس دعم ريادة الأعمال، بينما يدعو حزب “أويل” إلى تعزيز المجتمعات الريفية، ويقوم حزب “بايتاك” الأخضر بحملة حول القضايا البيئية.
وقال المحلل السياسي الكازاخستاني رستم بورناشيف لرويترز إن هذه الانتخابات المبكرة تمنح توكاييف فرصة لإبعاد شخصيات مرتبطة بسلفه نزارباييف عن المسرح السياسي، لكن من غير المرجح أن تحدث إصلاحات كبرى في النظام السياسي.
ورغم تشكيل حزب “عديلت” الجديد للابتعاد عن إرث نزارباييف، يقول المحللون إن القليل من الأمور سيتغيّر فعلياً. وأضاف بورناشيف: “جميع المرشحين للبرلمان معروفون، ولا يمكن القول إن البرلمان نفسه سيكون برلماناً تحويلياً”.
وعلى الرغم من أن كازاخستان شهدت نمواً اقتصادياً سريعاً في السنوات الأخيرة، فإن زيادات الضرائب والتضخم أثّرت على مستويات المعيشة. وقال أتابشا، وهو بائع فواكه رفض الكشف عن اسمه الكامل، لرويترز إنه سيدلي بصوته، لكن دون توقعات معينة: “عمري 73 عاماً. أنتظر أن تتحسن الأمور منذ 73 عاماً، لكن حتى الآن لم ينجح شيء حقاً. ومع ذلك، آمل أن تتحسن الأمور أخيراً هذا العام”.
ما الذي على المحك؟
في عام 2022، أطلق توكاييف حزمة إصلاحات “كازاخستان الجديدة” للنظام السياسي. وأُجري استفتاء على التغييرات التشريعية التي دخلت حيز التنفيذ في يوليو/تموز.
ويقول محللون إن الانتخابات المقبلة ستحدد ما إذا كان بوسع القادة الجدد في البلاد العمل ضمن الهيئة التشريعية الجديدة ذات الغرفة الواحدة، والحفاظ على السياسة الخارجية للبلاد.
وإلى جانب هذه التغييرات في التشكيل التشريعي، تأتي الانتخابات في وقت تحاول فيه أستانا إظهار نفسها كدولة ديمقراطية وقوة رئيسية في آسيا الوسطى. وتحقيقاً لهذه الغاية، ركّز توكاييف على تجديد البنية التحتية والاقتصاد وتوسيع العلاقات مع كل من الصين والاتحاد الأوروبي.
كما عززت البلاد علاقاتها مع الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وقّعت كازاخستان اتفاقاً بقيمة 4.2 مليار دولار مع شركة “وابتيك” الأمريكية لصناعة قطع غيار القاطرات. ووفقاً لوزارة التجارة الأمريكية، ستزوّد الصفقة كازاخستان بـ300 مجموعة لبناء قاطرات لصالح شركة السكك الحديدية الوطنية الكازاخستانية “كازاخستان تيمير جولي”.
وقد صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الترويج للصفقة عبر منصته “تروث سوشيال”، واصفاً إياها بأنها “أكبر عملية شراء لمعدات السكك الحديدية في التاريخ”.
وبينما كانت كازاخستان قريبة تقليدياً من روسيا، فضّلت البلاد لعب دور محايد في الحرب الروسية على أوكرانيا، ودعت إلى السلام. عرضت كازاخستان نفسها أيضًا مكانًا لإجراء محادثات السلام في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. وفي مقالٍ نُشر في أبريل/نيسان الماضي في مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية التابع لمدرسة كينيدي بجامعة هارفارد، كتبت نرجس كاسينوفا أن كازاخستان بدأت تضع نفسها كقوةٍ وسطى.
ووفقًا للمكتب الوطني للإحصاء، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي لكازاخستان بنسبة 6.5 بالمئة ليبلغ نحو 335 مليار دولار في عام 2025 مقارنةً بالعام السابق، وذلك باستخدام طريقة الاستهلاك في الحسابات.
وكتبت كاسينوفا: “رغم أنها دولة خفيفة الوزن وفق المعايير التقليدية، إلا أنها تملك مقومات تجعلها مهمة لبقية العالم. فموقعها الجيوستراتيجي في قلب أوراسيا يجعلها حلقة وصل وحاجزًا مهمًا بين أوروبا وروسيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق آسيا. وهي أيضًا رائدة إقليمية في آسيا الوسطى.”
وتنتج كازاخستان الغنية بالنفط نحو 2 بالمئة من الإمداد اليومي العالمي، ويُصدَّر معظم إنتاجها إلى الدول الأوروبية عبر خط أنابيب بحر قزوين إلى ميناء نوفوروسيسك الروسي. وقد تعرض خط الأنابيب والناقلات التي تخدمه لهجمات دورية من المسيّرات الأوكرانية، مما تسبب في اضطرابات بالصادرات.