يزور رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، العاصمة الإيرانية طهران، يوم الخميس، لإجراء محادثات حول خفض التصعيد وإحياء المفاوضات الفاشلة بين إيران والولايات المتحدة.
وتأتي الزيارة وسط موجة من الزيارات رفيعة المستوى إلى طهران في الأيام الأخيرة، حيث يحاول الوسطاء إقناع الطرفين المتحاربين بالعودة إلى طاولة المفاوضات، رغم استمرار التصريحات المتشددة من الجانبين.
وسيلتقي الشيخ محمد، الذي يشغل أيضا منصب وزير الخارجية القطري، بعدد من المسؤولين الإيرانيين في طهران لبحث إنهاء العدائيات و”تهيئة الظروف المواتية للحوار”، وفق ما قال متحدث باسمه. كما سيتناول قضية مضيق هرمز الحيوي في الخليج، و”ضرورة عودته إلى الوضع الذي كان عليه قبل 28 فبراير/شباط”. ويظل المضيق مغلقا إلى حد كبير أمام الملاحة منذ أوائل مارس/آذار، عندما أغلقته إيران. وكانت حركة الشحن عبر هذا الممر تنقل قبل الحرب أكثر من خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، وقد انهارت هذه الحركة، ما ألقى بأسواق الطاقة العالمية في أزمة.
وقطر وسيط رئيسي خلف الكواليس بين واشنطن وطهران، ولعبت دورا محوريا في التوصل إلى مذكرة تفاهم في يونيو/حزيران أوقفت الأعمال العدائية مؤقتا، لكن هذه المذكرة انتهت صلاحيتها منذ ذلك الحين.
وفي ما يلي أبرز ما نعرفه عن هذه الجهود المتجددة:
من هم الآخرون الذين يزورون طهران؟
يوم الاثنين، التقى قائد الجيش الباكستاني عاصم منير بعدد من كبار المسؤولين في طهران، بينهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين. كما التقى الجنرال محسن رضائي، الأمين الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
ويوم الثلاثاء، التقى وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي بنظيره الإيراني عباس عراقجي في طهران لبحث ملف مضيق هرمز، الذي أصبح أكبر نقطة اشتعال في الصراع. وكان البلدان يتفاوضان لأسابيع حول كيفية إدارة الممر المائي المشترك. وفي اليوم نفسه، أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن الجانبين توصلا إلى اتفاق بشأن طريق ملاحي مؤقت جديد في المضيق، ينص على أن تدخل السفن عبر المياه الإيرانية، ويمنح طهران سيطرة جزئية على مخارج المضيق. لكن إيران شددت على أن المضيق لن يعاد فتحه قبل أن ترفع الولايات المتحدة العقوبات وتلغي تجميد الأصول الإيرانية.
في أي مرحلة تقف الحرب الآن؟
رسميا، لا تزال الولايات المتحدة وإيران في حالة حرب، وكل طرف يعلن أن الطرف الآخر مهزوم، رغم أن كليهما يعاني اقتصاديا وسياسيا من هذه الحرب.
وسط تقارير إعلامية أمريكية عن أن واشنطن قد تكون أوشكت على نفاد صواريخها الاعتراضية ومعداتها الحيوية في الشرق الأوسط، تحولت إدارة ترامب إلى استراتيجية الضغط الاقتصادي على إيران، فأعلنت فرض عقوبات جديدة هذا الأسبوع وهددت الدول التي تواصل التعامل التجاري مع طهران بعقوبات ثانوية.
وتبقى العقبة الأكبر هي إغلاق مضيق هرمز. فإيران تريد مواصلة السيطرة على هذا الممر المائي، الذي يمر عبر المياه الإقليمية الإيرانية والعمانية، كما فعلت خلال النزاع، بينما تعارض واشنطن ذلك وتريد العودة إلى الترتيب السابق للحرب، الذي كانت تمر بموجبه جميع السفن بحرية عبر المضيق. ورغم أن ترامب أعلن هذا الأسبوع إزالة جميع الألغام البحرية من المضيق، فإن خبراء يحذرون من احتمال بقاء بعضها، مما يشكل خطرا إضافيا على السفن. وفي الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة حصارها البحري على الموانئ الإيرانية في المضيق ومحيطه، مما يعيق صادرات النفط الإيرانية.
هل توجد مؤشرات على نجاح الدبلوماسية؟
ربما. فقد اعتبر بعض الخبراء أن الاختراق الذي تحقق في المحادثات بين إيران وعُمان بشأن مضيق هرمز علامة على أن طهران منفتحة على التفاوض.
وبحسب وكالة رويترز يوم الخميس، ستبدأ الولايات المتحدة أيضا في إعادة موظفيها الدبلوماسيين الذين أُجْلوا سابقا من مواقعهم في الشرق الأوسط في وقت مبكر من الأسبوع المقبل. وكان الموظفون وعائلاتهم قد غادروا المنطقة بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران في أواخر فبراير/شباط، وردّت طهران على دول مجاورة، وجرى إجلاؤهم من الأردن والبحرين والكويت والسعودية ولبنان والعراق. كما أغلقت السفارتان الأمريكيتان في السعودية والكويت مؤقتا بعد تعرضهما لإطلاق نار.
والآن، حسبما نقلت وسائل إعلام أمريكية، ستعمل البعثات في الأردن وإسرائيل وعُمان بشكل كامل. أما في الإمارات والسعودية وقطر ولبنان، فسيُحدد عدد الموظفين بنسبة 85 في المئة، بينما ستقتصر البعثات في العراق والكويت والبحرين على 75 في المئة. ولم يتم التأكد مما إذا كان قرار الولايات المتحدة إعادة موظفي سفاراتها مرتبطا بالتحرك الدبلوماسي الجاري. لكن محللين يقولون إنه يعكس ثقة واشنطن في أن الحرب لن تتصاعد عسكريا، رغم انهيار المحادثات المباشرة.
ماذا قال الجانبان عن محادثات السلام؟
ومع ذلك، تتناقض تصريحات الجانبين تناقضا حادا مع هذه الجهود الجديدة للسلام. فقد قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقناة الجزيرة يوم الأربعاء إنه “ليس في عجلة من أمره” لاستئناف المحادثات مع إيران، وإنه يعتقد أن الضغط الاقتصادي والعسكري ضد طهران سيكون فعالا.
لكن واشنطن تحولت بشكل ملحوظ بعيدا عن العمليات العسكرية إلى استراتيجية زيادة الضغط الاقتصادي على طهران. ويوم الاثنين، أطلقت حزمة عقوبات واسعة على الشركات الإيرانية وشركاء طهران التجاريين. واستهدفت العقوبات أكثر من 60 فردا ومنظمة في خمسة قطاعات تتهمها واشنطن بدعم الاقتصاد الإيراني: الأصول الرقمية، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران، والشحن. وكان قطاعا النفط والمالية خاضعين بالفعل لعقوبات منذ فترة. وتشمل العقوبات الجديدة كيانات في الصين وهونغ كونغ وبريطانيا وأوكرانيا وسوريا وفرنسا وماليزيا وسنغافورة وعدة دول أخرى.
أما إيران فقد رفضت العقوبات الجديدة وأدانت هذه العقوبات بشدة. وفي رسالة إلى الأمم المتحدة يوم الأربعاء، وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العقوبات الأمريكية بأنها “عمل إرهاب دولة وإرهاب اقتصادي”. حضّ الدول الأعضاء على عدم تنفيذها، فيما واصل مسؤولون عسكريون رفيعو المستوى، عُيّنوا مؤخراً في تعديل على المجلس الأعلى للأمن القومي، إطلاق تصريحات متحدية. وخلال زيارة المسؤول الباكستاني منير، قال أمين المجلس رضائي لطهران إن إيران “لا تثق بالولايات المتحدة”.
في المقابل، بدا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مختلفاً بعض الشيء. فالأسبوع الماضي، دعا إلى التفاوض من موقع قوة لا ضعف، وقال: “من الأفضل أن ننهي الحرب الآن ونحن في موقع قوة وكرامة”. غير أن صلاحيات الرئيس محدودة، إذ إنه يأتي بعد المرشد الأعلى مجتبى خامنئي. وقد اتهمه المتشددون، خصوصاً في المؤسسة العسكرية، بأن حكومته قدّمت تنازلات للولايات المتحدة بقبولها مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو/حزيران، لكن الرئيس ردّ على هذا الانتقاد مؤكداً أن الاتفاق لا يمثل استسلاماً.
ما معنى النشاط الدبلوماسي المتجدد؟
لا يوجد حتى الآن تأكيد على أن الولايات المتحدة طرف مباشر في هذا الحراك الدبلوماسي الذي شهدناه الأسبوع الماضي. غير أن بعض المحللين يرجّحون أن يكون الضغط الاقتصادي الأميركي المتزايد على إيران وسيلةً لإجبار طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
علي واعظ، من مجموعة الأزمات الدولية، قال إن واشنطن تسعى إلى إحداث “كارثة مالية” في إيران عبر الحصار العسكري، إلى جانب العقوبات المفروضة على اقتصادها المنهك أصلاً. وأضاف واعظ في تصريح للصحفيين: “واجهت الجمهورية الإسلامية كل هذه الضغوط من قبل، لكنها نادراً ما اجتمعت كلها في وقت واحد، وفي ظل تحديات داخلية حادة بهذا الشكل”. وتابع: “السؤال هو: هل هذه المرحلة الجديدة من المواجهة الاقتصادية تهدف إلى حملة صفرية لإسقاط النظام، أم إلى ورقة ضغط للوصول إلى اتفاق؟”