لماذا تعود القرصنة مجددًا إلى سواحل الصومال؟ | أخبار الشحن

أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية في 29 أغسطس/آب أن البحرية التركية حرّرت، بالتعاون مع قوات صومالية، سفينة الشحن «إم في لطوف» بعد مطاردة استمرت عشرة أيام، وأسفرت العملية عن مقتل 14 قرصاناً وتدمير أربعة من قواربهم.

وكانت السفينة قد اختُطفت في 17 أغسطس/آب قبالة جيفلي، على ساحل بونتلاند، المنطقة شبه المستقلة في شمال شرق الصومال. وعزت وزارة الدفاع في مقديشو الإفراج عن السفينة إلى اتفاقية الدفاع الموقعة بين الصومال وتركيا عام 2024.

لكن بونتلاند اعترضت على هذه الرواية. وقالت وزارة الأمن فيها إنه لم تحدث أي عملية إنقاذ عسكرية، واتهمت مسؤولين في الحكومة الفيدرالية بتأمين إطلاق السفينة عبر دفع فدية للقراصنة. ولم يتم التحقق من الروايتين المتضاربتين بشكل مستقل. لكن عملية الاختطاف والرد العسكري عليها تمثلان الحلقة الأبرز حتى الآن في سلسلة هجمات القرصنة قبالة الصومال هذا العام، وتثيران أسئلة جديدة حول المدى الذي قد تبلغه عودة القرصنة التي بدأت في الربيع.

ما مدى خطورة عودة القرصنة الصومالية؟

شهدت المياه الصومالية وخليج عدن ارتفاعاً حاداً في حوادث القرصنة منذ الربيع، بعد سنوات كادت فيها هذه الجريمة تختفي تماماً من المنطقة. وأظهر تحليل لوكالة فرانس برس لبيانات المنظمة البحرية الدولية وقوع 15 هجوماً على الأقل منذ بداية العام، بينها ثمانية في خليج عدن منذ مايو/أيار.

ناقلة اختُطفت قبالة اليمن في مايو/أيار، وجّهها القراصنة لاحقاً نحو الصومال مطالبين بفدية قدرها عشرة ملايين دولار. وسفينة أخرى، «إم في هونر 25»، ما زالت محتجزة منذ أكثر من شهرين. وفي مايو/أيار، قال مسؤولون أمنيون في بونتلاند لوكالة فرانس برس إن مجموعة قراصنة منفصلة تركت مركباً شراعياً إماراتياً اختطفته بعد نفاد مؤنها، وكانت تستخدمه قاعدة انطلاق لمهاجمة سفن أخرى.

ورفع مركز المعلومات البحرية المشترك، الذي يرصد التهديدات التي تواجه الشحن في المنطقة، مستوى تقييمه لخطر القرصنة إلى «شديد» بعد الزيادة الكبيرة في الهجمات خلال أبريل/نيسان ومايو/أيار.

الارتفاع ملحوظ، لكنه ما يزال أقل بكثير من حجم الأزمة في أوائل العقد الثاني من القرن الحالي، حين كانت المنظمة البحرية الدولية، وهي وكالة الأمم المتحدة المسؤولة عن سلامة وأمن الملاحة، تسجل نحو 200 هجوم سنوياً. وقال أفري إلمي، الأكاديمي الصومالي في جامعة سيتي بمقديشو، للجزيرة إن «هناك زيادة، لكن عدد الهجمات ليس كبيراً مقارنة بمستويات أوائل العقد الثاني من القرن الحالي».

وقال مصطفى البنا من مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إن القرصنة ما تزال أقل بكثير من ذروتها التاريخية. وأضاف في اجتماع أمني في نيروبي الأسبوع الماضي أن دول المنطقة أصبحت أكثر قدرة على الاستجابة مما كانت عليه في الماضي.

ووفقاً لدراسة للبنك الدولي، نفذ القراصنة أكثر من ألف هجوم قبالة سواحل الصومال بين عامي 2005 و2012، ونجحوا في اختطاف 218 سفينة، وتحصلوا على فدية تقدر بين 315 و385 مليون دولار. وفي ذروة الأزمة عام 2011، كانت الصومال مسؤولة عن أكثر من نصف هجمات القرصنة المسجلة في أنحاء العالم.

يقرأ  أموريم ينتقد شعور «الاستحقاق» في مانشستر يونايتد — وتتصاعد تداعيات قضية ماينو

وقدّرت مبادرة «أوشنز بيوند بايرسي» التابعة لمنظمة «ون إيرث فيوتشر»، وهي مبادرة أمن بحري أُنشئت خلال أزمة القرصنة الصومالية، أن القرصنة قبالة الساحل الصومالي كلّفت الاقتصاد العالمي ما بين 6.6 و6.9 مليار دولار في عام 2011، معظمها بسبب الإجراءات الأمنية وارتفاع استهلاك الوقود والتأمين والعمليات البحرية.

وفي النهاية، تمكّن جهد أمني دولي واسع من السيطرة على الأزمة. فحلف الناتو عبر عملية «درع المحيط»، والاتحاد الأوروبي عبر عملية «أتالانتا»، وقوة المهام المشتركة 151 بقيادة الولايات المتحدة، كثّفوا الدوريات البحرية، بينما عززت شركات الشحن دفاعات سفنها وعدّلت إجراءاتها.

وبين عامي 2013 و2023، نجحت عمليات اختطاف معدودة جداً قبالة الصومال. وأنهى الناتو مهمته لمكافحة القرصنة في عام 2016.

غير أن فترة الهدوء النسبي الطويلة لم تعنِ اختفاء الظروف التي كانت تغذي القرصنة. فالدوريات الدولية والسفن الأفضل تحصيناً جعلت عمليات الاختطاف أصعب وأكثر كلفة، بينما استمرت الحوكمة الساحلية الضعيفة والصيد غير القانوني والشبكات الإجرامية على اليابسة.

في وقت مبكر من عام 2013، قال تقرير للأمين العام للأمم المتحدة إن استمرار شبكات القرصنة يعكس «فراغ سيادة القانون والحوكمة على اليابسة» الذي تعمل فيه، وحذّر من أن الهجمات قد ترتفع مجدداً إذا خُفّضت الدوريات البحرية أو خففت السفن التجارية من دفاعاتها. والعودة الحالية للقرصنة تختبر مدى صلابة ذلك النجاح السابق.

لماذا تتصاعد القرصنة من جديد الآن؟

قال عبد الله محمد كولميي، وزير الموانئ والنقل البحري السابق في غلمدغ، الولاية المجاورة لبونتلاند، للجزيرة إنه لا يوجد عامل واحد يفسر عودة القرصنة، بل يبدو أن عدة ظروف اجتمعت في وقت واحد.

أحد هذه الظروف هو انشغال القوات البحرية بمناطق أخرى في المنطقة. فمنذ أواخر فبراير/شباط، تشن الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً على إيران، وكانت إيران تسيطر أحياناً على المرور عبر مضيق هرمز. وانجذبت قوات بحرية كانت ستبقى في مياه أقرب إلى الصومال نحو هذه الأزمة.

وقال عبد الرحمن محمد علي من سلطة جيبوتي البحرية، أمام اجتماع أمني إقليمي في نيروبي هذا الأسبوع، إن القراصنة يستغلون تحويل القوات البحرية إلى أماكن أخرى. وأضاف: «يستغلون هذه الفرصة وانشغال القوات البحرية عالمياً في شن مزيد من الهجمات في هذه المنطقة، لأنهم يعرفون أن الجميع مشغولون بالنظر في اتجاه آخر».

وفي الوقت نفسه، اشتد الضغط الاقتصادي على اليابسة. بلغ التضخم في الصومال 9.2 بالمئة في مارس/آذار، وهو أعلى مستوى له منذ سنوات، مع قفزة في أسعار الوقود والغذاء. ويضع صندوق النقد الدولي الصومال ضمن عدد قليل من الدول، بينها السودان واليمن وأفغانستان، التي لا تملك تقريباً أي حاجز مالي لمواجهة صدمات كهذه.

يقرأ  لولا وترامب يتباحثان بشأن «مجلس السلام» ويتفقان على عقد لقاء في واشنطن — البرازيل — أخبار دونالد ترامب

كما أن خفض المساعدات من الولايات المتحدة وبريطانيا، وهما من أهم مصادر التمويل الإنساني للصومال، زاد الضغوط الاقتصادية على البلاد. وقد تلعب الظروف الموسمية دوراً أيضاً. وفقاً لتحليل أجراه معهد دراسات الأمن، وهو مركز أبحاث مقرّه جوهانسبرغ، فإن هجمات القرصنة تنخفض عادة أثناء موسم الرياح الموسمية الشتوية، لأن البحر الهائج يُبقي القوارب الصغيرة قريبة من الشاطئ، ثم ترتفع مجدداً عندما تهدأ المياه في الربيع.

تمتلك الصومال أطول خط ساحلي في البر الأفريقي، بينما تغطي منطقتها الاقتصادية الخالصة مساحة أكبر من مساحة يابستها. وما يزال البلد يعيد بناء نفسه بعد عقود من الحرب الأهلية، حيث تعمل أجهزة إنفاذ القانون تحت ضغط كبير على اليابسة، ولا يوجد خفر سواحل فعّال للقيام بدوريات في مياهه. ويقدّر البنك الأفريقي للتنمية أن الصومال تخسر نحو 300 مليون دولار سنوياً بسبب أساطيل صيد تعمل بشكل غير قانوني في مياهها.

وقد اتهمت المجتمعات الساحلية منذ فترة طويلة سفن الصيد الأجنبية باستنزاف المخزون السمكي الذي يعتمد عليه الصيادون المحليون. وساهم هذا الاستياء في تشكيل الموجة الأولى الكبيرة من هجمات القرصنة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حين حمل بعض الصيادين السلاح للدفاع عن مياه لم يكن أحد غيرهم يحميها. لكن القرصنة تطورت منذ ذلك الحين كثيراً، وأصبحت أبعد من هذه النشأة.

وقال أندرو موانغورا، مستشار الأمن البحري الذي قضى ثلاثة عقود في البحر وساعد لاحقاً في التفاوض على إطلاق سراح رهائن خلال الأزمة السابقة، للجزيرة إن الدافع تغيّر. وأضاف: “في السابق، كان الناس بمثابة مجموعات حراسة، دفعهم إلى البحر أساساً الصيد غير القانوني في المياه الصومالية وإلقاء المواد الكيميائية السامة. أما الآن فالأمر يتعلق أكثر باحتجاز السفن للحصول على فدية”.

الهجمات الأخيرة تشير إلى أن الدافعين ما زالا حاضرَين. فوفقاً لمركز معلومات التعاون والوعي البحري التابع للبحرية الفرنسية، تستخدم جماعات القراصنة التي تعمل بعيداً عن الساحل عادة مراكب داو الشراعية التي تتخفى في هيئة قوارب صيد، وتتخذها قواعد عائمة. ومنها تنطلق أطقم على زوارق سريعة قادرة على ضرب السفن على بعد يصل إلى 600 ميل بحري، أي نحو 1111 كيلومتراً، من الساحل الصومالي. ويرى موانغورا أن بعض المشاركين على الأقل بحارة مدرَّبون، مشيراً إلى استخدامهم أنظمة ملاحة عبر الأقمار الصناعية وأنظمة تتبع للسفن بعيدة المدى. أما في المناطق الأقرب إلى الشاطئ، فقد رصد المركز نمطاً مختلفاً، إذ تُشن هجمات مباشرة من الساحل تستهدف قوارب صيد أجنبية متهمة بسرقة الأسماك الصومالية، وليس السفن التجارية.

يقرأ  ترامب يدعو إلى «تجميد» الحرب بين روسيا وأوكرانيا — من يستفيد وماذا ينال كل طرف؟

كما أن عمليات القرصنة الأخيرة تبدو أكثر تنظيماً مما قد توحي به صورة صيادين فقراء يغتنمون الفرصة للإبحار، وفقاً لخبراء ومسؤولين صوماليين يتابعون عودة القرصنة. وقال قرصان سابق، تحدث إلى الجزيرة دون الكشف عن هويته، إن عمليات اليوم يمولها مستثمرون، غالباً من رجال الأعمال في اليمن والصومال، يزودون الأطقم بهواتف ساتلية ومعدات ملاحة وأسلحة ومؤن للانطلاق إلى البحر.

وقد وجدت دراسة مشتركة بين الإنتربول والأمم المتحدة والبنك الدولي أنه خلال أزمة القرصنة السابقة، كان المموّلون الذين يقفون خلف الهجمات يحصلون عادة على 30 إلى 50 في المائة من الفدية، بينما كان الرجال الذين يصعدون فعلياً إلى السفن يحصلون على أجر أقل كثيراً. كما وجدت الدراسة أن مجموعات صغيرة في المجتمعات القريبة من مراسي القراصنة كانت تمد الأطقم بالطعام وأعمال الإصلاح وأوراق القات، وهو نبات منبه يكثر مضغه في المنطقة.

وقال عبد الفتاح محمد عبد النور، وزير دولة في حكومة بونتلاند، إن القراصنة مرتبطون أيضاً بشبكات إجرامية تعمل في الصومال واليمن، وهو ما يسمح لبعض الجماعات بالعمل قرب الساحل اليمني وبمعدل نجاح أعلى في عمليات الاختطاف. وأضاف: “هناك صلة بالتأكيد، لكن علينا أن نجمع القطع ببعضها حتى تصبح الصورة الكاملة أوضح”.

المشهد الأمني حول الصومال تغيّر كثيراً منذ الأزمة السابقة. فقد ساعدت الاستجابة الدولية للقرصنة في تحويل جيبوتي القريبة، الواقعة على مضيق باب المندب الضيق بين البحر الأحمر وخليج عدن، إلى مركز للقوات العسكرية الأجنبية، وأصبحت المنطقة الآن واحدة من أكثر الساحات الاستراتيجية ازدحاماً في العالم. وهناك مؤشرات إلى أن استجابة جديدة بدأت تتشكل، وإن كانت نطاقها وفرص نجاحها لا تزال غير مؤكدة.

فقد وقّعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، اتفاقية تمركز جديدة مع جيبوتي في يوليو/تموز، بما يحافظ على وصول عملية أتالانتا ومهمة أوروبية ثانية تجوب البحر الأحمر. كما شكّلت السعودية قوة عمل بحرية للبحر الأحمر، انضم إليها عدد متزايد من الدول، بينها الصومال. وفي أوائل أغسطس/آب، وقّع رئيس بونتلاند اتفاقاً مع وفد عسكري أمريكي زائر لتعزيز التعاون في الأمن البحري حول بوساسو، الميناء الرئيسي للبونتلاند. واجتمع مسؤولون من الصومال وجيبوتي وإثيوبيا واليمن هذا الأسبوع في نيروبي، ضمن برنامج تدعمه الأمم المتحدة يهدف إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية حول القرصنة وغيرها من الجرائم البحرية.

هذه الإجراءات قد تجعل عمليات الاختطاف أكثر صعوبة، لكن الظروف التي سمحت للقرصنة بالصمود في وجه الحملة الدولية السابقة لم تختف. ويرى إلمي، الأكاديمي الصومالي، أن الدوريات البحرية وحدها لا تستطيع منع القرصنة من العودة مراراً، وقال للجزيرة: “الحلول القائمة على اليابسة أكثر استدامة في التعامل مع القرصنة على الساحل الصومالي”.

أضف تعليق