بعد شهر من الهدوء في الضربات الأمريكية ضد إيران، قصفت الولايات المتحدة أهدافاً عسكرية في جزيرة لارك يوم الأحد. وقال مسؤولون أمريكيون إن الضربة جاءت لمنع طهران من استخدام صواريخ لنشر ألغام بحرية في مضيق هرمز.
وأوضح متحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية أن الجيش الأمريكي، الذي يفرض حصاراً على الموانئ الإيرانية في المضيق وخارجه، رصد استعدادات من الحرس الثوري الإيراني لإطلاق صواريخ تحمل ألغاماً بحرية. ووصفت واشنطن الضربة بأنها “إجراء محدود ودقيق” ضد قوات زرع الألغام.
وأدان القادة الإيرانيون الهجوم ووصفوه بأنه “عمل عدواني”، ورداً على ذلك أطلق الحرس الثوري هجمات على قاعدتين عسكريتين أمريكيتين في الأردن. وقال الحرس الثوري إن عناصر من أعضائه ومدنيين قتلوا في الضربة الأمريكية، بينما ذكرت وكالة تسنيم أن شخصين على الأقل قتلا وأصيب اثنان.
لكن هل يمكن فعلاً زرع ألغام بحرية بواسطة الصواريخ؟ هذا ما نعرفه حتى الآن.
### هل يمكن إطلاق ألغام بحرية في البحر باستخدام الصواريخ؟
يرى ضابط بحري أمريكي متقاعد أن ادعاء الولايات المتحدة بشأن صواريخ تحمل ألغاماً “غير مقنع”. وقال إنه يود أن يعرف من القيادة المركزية الأمريكية لماذا يعتقدون أن إيران كانت تستخدم صواريخ لهذا الغرض، لأن هذه الفكرة جديدة جداً بالنسبة له. وأشار إلى أن الصاروخ عندما يسقط في الماء قد تتضرر الألغام بشدة بسبب قوة الاصطدام.
لكن إيران نفسها أعلنت سابقاً قدرتها على استخدام صواريخ لزرع ألغام بحرية. ففي يناير 2025، بث التلفزيون الإيراني مشاهد يبدو أنها تظهر الحرس الثوري وهو يستخدم نظام “فجر-5” لإطلاق صواريخ متعددة لزرع ألغام خلال مناورات بحرية.
### كيف تُزرع الألغام البحرية عادة؟
عادةً، توضع الألغام البحرية بواسطة سفن حربية متخصصة، أو غواصات، أو طائرات. ويمكن إسقاطها إلى قاع البحر، أو تثبيتها على عمق قريب من القاع، بحيث تتفجر عند رصد الإشارة المغناطيسية أو الاهتزاز الناتج عن مرور السفن. كما يمكن وضعها قرب سطح الماء لتنفجر عند ملامسة أي سفينة.
يُعتقد أن إيران اعتمدت على زوارقها السريعة الصغيرة في إسقاط أعداد غير معروفة من الألغام في مياه هرمز قبل الانسحاب بسرعة. وقد استهدفت القوات الأمريكية العديد من هذه الزوارق.
وكان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد قال الأسبوع الماضي إن القيادة المركزية أنهت عمليات إزالة الألغام من مضيق هرمز، وحذر إيران من أن أي سفينة تزرع ألغاماً جديدة سيتم تدميرها.
ويقول خبراء إن تطهير المضيق من الألغام يتطلب عملية بطيئة ودقيقة للعثور على كل لغم وتفجيره بشكل مسيطر عليه. ويستخدم الأسطول الأمريكي عادة سفناً من فئة “أفنجر” لهذه المهمة، لأنها مصنوعة من مواد تقلل من إشارتها المغناطيسية.
### ما هو نظام “فجر-5” الصاروخي الإيراني؟
عرفت إيران منذ زمن طويل بابتكارها في تكتيكات منخفضة التكلفة وعالية التأثير، أو ما يسمى بالحرب غير المتماثلة. وفي يناير من العام الماضي، كشف الحرس الثوري عن تكتيك جديد لزرع الألغام خلال مناورات بحرية، باستخدام نظام “فجر-5” من على الشاطئ لنثر الألغام في البحر.
واعتبره محللون في ذلك الوقت “مبتكراً” لكنه “مقلق”، لأنه يعني أن الحرس الثوري يستطيع نشر آلاف الألغام فوق مساحات واسعة من الماء في إطلاق واحد.
نظام “فجر-5” هو نظام صاروخي متوسط المدى من عيار 333 ملم، طُوّر في التسعينيات، ويُستخدم عادةً لإطلاق صواريخ مدفعية. ويمكنه إطلاق أربعة صواريخ من شاحنة متحركة متعددة الأنابيب. يحمل كل صاروخ رأساً حربياً شديد الانفجار وزنه 175 كيلوغراماً، ويتفكك إلى شظايا سريعة يمكنها إصابة عدة أهداف. ويبلغ مداه حوالي 75 كيلومتراً.
وهذا المدى يعني أنه إذا استُخدم لزرع الألغام، فيمكنه تغطية كامل مضيق هرمز. وهناك نسخ أحدث مثل “فجر-5 سي” مزودة بأنظمة ملاحة دقيقة ومدى يصل إلى 130 كيلومتراً.
### كيف يمكن استخدام “فجر-5” لزرع الألغام؟
لم تؤكد إيران أنها تستخدم حالياً نظام “فجر-5” أو أي نظام آخر لزرع الألغام البحرية. لكن نظرياً، يمكن وضع ألغام بحرية داخل الرأس الحربي للصاروخ بدلاً من المتفجرات، كما ظهر في المناورة البحرية في يناير 2025.
وبعد إطلاق الصاروخ من شاحنة على الساحل، يطير نحو الإحداثيات المحددة في البحر، ثم تفتح حاوية الصاروخ في الجو. تنطلق الألغام من الصاروخ وتسقط في المحيط، ويمكن أن تكون مزودة بمظلات صغيرة لإبطاء سقوطها وضمان هبوطها بهدوء حتى لا تنفجر عند ملامسة الماء.
وبعد وصولها إلى الماء، تغوص الألغام إلى القاع أو تطفو تحت السطح. ويمكن أن يحمل الإطلاق الواحد عشرات أو حتى مئات الألغام، مما قد يربك عمليات إزالة الألغام، وفي الوقت نفسه يحفظ الزوارق السريعة الإيرانية من استهداف القوات الأمريكية.
### من يملك قدرات زرع ألغام جوية؟
وفقاً للبحرية الأمريكية، فهي تستخدم بالفعل طائرات وقواذف لزرع ألغام من نوع “كويكسترايك” في البحر. هذا لغم مخصص للمياه الضحلة، ويتكون من قنبلة تزن حوالي 907 كيلوغرامات، مع إضافات تحوله إلى لغم موجه ويمكن إسقاطه بدقة من طائرات حربية تابعة للبحرية والقوات الجوية الأمريكية. يمكن إطلاق هذه الألغام من مسافة تصل إلى 25 كيلومترًا (40 ميلًا)، أي من خارج نطاق الدفاعات الجوية للعدو.
أما النسخ الحديثة منها فتعتمد على نظام “JDAM” للتوجيه، وهو ما يسمح للطائرات بإلقاء الألغام بدقة أكبر من ارتفاعات أعلى بكثير. ووفقًا للبحرية الأمريكية، فإن “JDAM” عبارة عن طقم توجيه يُضاف إلى قنبلة غير موجهة لتحويلها إلى ذخيرة موجهة بدقة، أي ما يُعرف بالذخيرة “الذكية”.
حتى الآن، لم تستخدم الولايات المتحدة هذه الطريقة إلا في التدريبات والتجارب فقط، وكان آخرها في أبريل/نيسان، عندما أعلنت البحرية الأمريكية أنها اختبرت ذخيرة موجهة جديدة تُعرف باسم “GBU-75″، قادرة على ضرب أهداف بحرية أو إلقاء ألغام بحرية من طائرات على بُعد مئات الكيلومترات.
ويقول خبراء إن على الولايات المتحدة أن تسرّع في تطوير وسائل جديدة لوضع الألغام في البحر، بما في ذلك إطلاقها من البر.
وكتب قائد البحرية الأمريكية آدم بيس في مقال نشرته مجلة معهد الولايات المتحدة البحري العام الماضي: “ما زال من الضروري إيجاد حل يدعم حرب الألغام مع تحقيق القدرة على البقاء والحجم المطلوب وسرعة التسليم. فزرع الألغام بحريًا من البر يعتمد على وحدات وأنظمة قائمة، مثل أفواج مشاة البحرية وفرق العمل متعددة المجالات التابعة للجيش، لتوسيع قدرة الوحدات البرية على التأثير في المجال البحري”.