لماذا ترفض الصين الانصياع للعقوبات الأمريكية على إيران؟ | الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران

اجتمع زعماء الصين وروسيا والهند في بشكيك لحضور القمة السنوية لمنظمة شنغهاي للتعاون، كما حضر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. ودعا البيان الختامي للقمة، الصادر في الأول من سبتمبر/أيلول، إلى إنشاء بنك تنمية جديد. وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن هذا البنك سيتمتع بأقصى قدر من الاستقلال عن الأنظمة المالية للدول التي تستخدم الأدوات الاقتصادية كسلاح لتحقيق مكاسب أحادية في الشؤون الدولية.

وانعقدت القمة بعد أسبوع واحد فقط من إعلان واشنطن أحدث حزمة من العقوبات ضد إيران. لكن إيران، بدلًا من أن تعيش عزلة، حظيت باستقبال حار في بشكيك. وكما أظهرت قمة شنغهاي، تواجه واشنطن صعوبات كبيرة بالفعل في ضمان امتثال الدول لعقوباتها.

لعل أكبر من يتحداها هو الصين. بكين تقف إلى جانب إيران مجددًا، ليس بدافع أخلاقي أو أيديولوجي، بل لأنها قادرة على ذلك ولأن ذلك في مصلحتها.

## عقوبات بلا أسنان

بفضل شرائها 90% من صادرات إيران النفطية، أبقت الصين بمفردها الاقتصاد الإيراني واقفًا على قدميه. وكل ذلك مع تجنب العقوبات الأمريكية عبر شبكة معقدة من «أساطيل الظل» وهي سفن تخفي الأصل الإيراني للشحنات، و«مصافٍ صغيرة خاصة» سُميت كذلك بسبب حجمها المتواضع.

وردًا على إنذار واشنطن «معنا أو ضدنا» بخصوص العقوبات، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية: «ستفعل الصين كل ما يلزم لحماية حقوقها ومصالحها بحزم». وبعد أن خاضت عدة حروب تجارية مع الولايات المتحدة وصلت إلى طريق مسدود، طوّرت الصين قدرة عالية على تحمل الألم الاقتصادي الذي تسببه أمريكا، وقدرة منخفضة بنفس القدر على تحمل ممارسة الضغوط عليها.

بالنسبة إلى بكين، التدخل الأجنبي في علاقاتها التجارية الثنائية مع دولة ثالثة أمر غير مقبول. والأهم من ذلك أنها ترى تهديد واشنطن بلا أسنان، ولسبب وجيه. الصين محصنة إلى حد كبير من العقوبات الأمريكية الثانوية المرتبطة بإيران. فالبنوك والشركات الصينية التي تتعامل مع إيران غالبًا ما تتعامل معها بشكل حصري؛ إذ تسوّي المعاملات باليوان أو بالمقايضة، وهذا يجعلها محصنة فعليًا من سلطة القانون الأمريكي خارج الحدود.

يقرأ  الحرب الروسية–الأوكرانية: قائمة الأحداث الرئيسية — اليوم ١٢٩٠ | أخبار الحرب

وفي الوقت نفسه، فإن الشركات الصينية القليلة التي ما تزال تسوّي معاملاتها بالدولار تختبئ تحت طبقات من الشركات الوهمية التي يمكن التخلص منها بكلفة قليلة أو معدومة. وهذا يجعل واشنطن في لعبة ملاحقة تنظيمية لا نهاية لها؛ فما أن تقضي على كيان حتى يحل مكانه آخر بسرعة.

ويمكن لواشنطن بالطبع أن تفرض عقوبات على بنوك وشركات صينية كبرى لا علاقة لها بإيران، وتستخدمها كورقة مساومة للضغط على بكين حتى تكبح جماح الجهات التي تتعامل مع إيران. غير أن القيام بذلك سيدفع بكين إلى الرد بالمثل. وبما أن الاقتصاد الأمريكي مثقل أصلًا بالحرب مع إيران، والانتخابات النصفية على الأبواب، فإن الدخول في مواجهة مع الصين هو آخر ما تحتاجه الولايات المتحدة.

## يجب ألا تخسر إيران

عقوبات أمريكا بلا أسنان جانبًا، لدى الصين دافع آخر للوقوف إلى جانب إيران: فخسارة إيران قد تكون مكلفة للمصالح الجيوسياسية والاقتصادية الصينية. من منظور بكين، إذا خسرت إيران، فسيعود الشرق الأوسط برمته إلى المدار الأمريكي. والدول التي تبحث حاليًا عن شركاء أمنيين بديلين لن يكون أمامها خيار كبير سوى الاحتماء مجددًا تحت مظلة الأمن الأمريكية.

مثل هذا التحول لن يوجّه ضربة قاسية لنفوذ الصين المتنامي في المنطقة فحسب، بل سيعقّد أيضًا التعاون المستقبلي في التقنيات المتقدمة، مثل الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي والدفاع. والأخطر من ذلك أن مصالح الصين في الطاقة قد تكون مهددة. الصين تستورد 40% من نفطها من الخليج، وإيران تمثل 10% من تلك الواردات. ومع أن جزءًا كبيرًا من واردات النفط يأتي من دول تحت النفوذ الأمريكي، فإن شريان الحياة الاقتصادي للصين سيصبح في الواقع في يد الولايات المتحدة.

كما أن تحقيق الولايات المتحدة نصرًا في إيران سيمنحها جرأة على مواصلة السعي إلى تغيير الأنظمة في دول أخرى قريبة من بكين. وهذا سيجعل من الصعب على الصين حماية مصالحها في الخارج، كما حدث عندما استولت بنما على ميناءين تديرهما شركات صينية تحت ضغط أمريكي.

يقرأ  صور مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُعرض زوراً كتحضيرات هونغ كونغ للإعصار الفائق «راجاسا»

## حذر صيني

غير أن الصين لا ترى نفسها في تحالف وثيق مع إيران، ومن هنا يأتي ترددها في زيادة دعمها. وهي قلقة من أن انتصارًا كاملًا لإيران قد يمكنها من الهيمنة على المنطقة، ويزيد الشقاق في علاقاتها المتوترة أصلًا مع دول الخليج، ويقوض سنوات من الجهود الدبلوماسية الصينية الهادفة إلى رأب الصدع.

لذلك تحافظ بكين على مسافة مضبوطة من طهران: ليست قريبة جدًا ولا بعيدة جدًا، بل مناسبة. عدم دعوة بزشكيان إلى بكين حتى الآن يوضح أن السلطات الصينية غير متحمسة لعناق وثيق. وهذا بدا واضحًا أيضًا في قمة شنغهاي؛ فالزعيم الصيني التقى نظيريه الروسي والهندي، لكنه لم يعقد لقاءً رسميًا مع بزشكيان. وكانت هناك مشاورات رسمية على مستوى وزراء الخارجية. الرسالة دقيقة لكنها لا تخطئها عين: بكين تقدّر العلاقة، لكنها تحافظ على مسافة.

## الموازنة مع واشنطن

عند النظر إلى العلاقة بين الصين وإيران، من المهم تذكر أن العلاقات مع الولايات المتحدة، رغم ما يشوبها من تنافس في كثير من الأحيان، مهمة جدًا لبكين. إعادة ضبط العلاقات الصينية-الأمريكية تحظى بالأولوية، ولهذا تُعقد هذا العام قمتان رفيعتا المستوى: الأولى كانت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين في مايو/أيار، والثانية هي زيارة شي جين بينغ إلى واشنطن في وقت لاحق من هذا الشهر.

خلال زيارة ترامب إلى الصين في مايو/أيار الماضي، أعلن هو وشي جين بينغ أن البلدين اتفقا على بناء «علاقة صينية-أمريكية بناءة تقوم على الاستقرار الاستراتيجي»، بحيث يكون التعاون في المقدمة، وتبقى المنافسة ضمن حدود، ولا تنزلق أبدًا إلى لعبة محصلتها صفر، ويُتجنب الحرب بأي ثمن.

في هذا السياق، فإن تقديم دعم كبير لإيران سيكون له أثر عكسي؛ ولهذا بقيت بكين خارج الحرب وتعهدت بعدم تسليح إيران. وقد لاقى ذلك تقديرًا واضحًا في واشنطن؛ ففي يونيو/حزيران، شكر ترامب الصين علنًا لبقائها «محايدة تمامًا». وفي الوقت نفسه، تدرك إدارة ترامب جيدًا المصالح الاقتصادية الصينية في إيران، ويبدو أنها لم تفاجأ حين سمعت موقف الصين من العقوبات الجديدة.

يقرأ  سيناريوهات إنهاء الحرب بين إسرائيل وإيران: ما الذي قد يضع حدًا للصراع؟

السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق الذي أوقعت واشنطن نفسها فيه هو التخلي عن العقلية الهيمنية والعودة إلى طاولة المفاوضات؛ فأي شيء أقل من ذلك لن يؤدي إلا إلى إطالة المعاناة، سواء على الولايات المتحدة أو على العالم أجمع.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة.

أضف تعليق