اتساع حملة التضييق يزيد الضغوط على المجتمع المدني في تونس

تونس، تونس – كثّفت السلطات التونسية ضغوطها بشكل حاد على المجتمع المدني، إذ تحاكم نشطاء وعاملين في منظمات غير حكومية، وتفتش في تمويل هذه المنظمات، وتعلّق عمل العشرات من الجمعيات، في حملة تقول منظمة هيومن رايتس ووتش إنها ضيّقت بشدة المجال المدني الذي ظهر بعد ثورة 2011.

وفي تقرير من 49 صفحة نشرته المنظمة يوم الأربعاء، وثّقت ما وصفته بتصاعد القمع ضد المنظمات المدنية المحلية والدولية، وضد العاملين فيها والمنتسبين إليها، عبر اعتقالات واحتجاز وقائي طويل وتحقيقات جنائية ومالية وتعليق جماعي لعمل الجمعيات وتهديدات بحلها.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات وجهت اتهامات إلى 47 شخصاً على الأقل مرتبطين بمنظمات غير حكومية، واحتجزت 10 أشخاص على الأقل احتجازاً وقائياً لأكثر من 14 شهراً، وهو ما يتجاوز الحد الأقصى المسموح به بموجب القانون التونسي.

وأضافت المنظمة أنه بعد محاكمات جرت في 2025 و2026، حُكم على 14 شخصاً على الأقل مرتبطين بالمجتمع المدني بالسجن.

ومن بينهم الناشطة البارزة في مجال حقوق الإنسان سعاد موسى، التي صدر بحقها حكم بالسجن ثماني سنوات وغرامة مالية كبيرة بتهمة ارتكاب جرائم مالية في 19 مارس/آذار، وفقاً للتقرير.

كما أدين خمسة موظفين في منظمات تساعد طالبي اللجوء، بتهم تتعلق بعملهم وبالمهام المسجلة قانوناً للجمعيات التي يعملون فيها. وقالت هيومن رايتس ووتش إن هذه المنظمات توقفت عن نشاطها منذ ذلك الحين.

كيف اتسع الضغط؟

لم يقتصر القمع على نشطاء بعينهم، بل طال منظمات تعمل على أكثر القضايا حساسية سياسياً في البلاد، وخاصة قضية الهجرة.

فمن مايو/أيار إلى ديسمبر/كانون الأول 2024، اعتقلت السلطات عدة عاملين في جمعيات تساعد اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، إضافة إلى أشخاص يعملون في مكافحة العنصرية والتمييز، بحسب هيومن رايتس ووتش.

يقرأ  الضباط يقدمون تحديثًا بشأن إطلاق النار في مونتريال يوم الإثنين

وجاءت هذه الاعتقالات في وقت كانت فيه التوترات مرتفعة حول طريقة معاملة الأفارقة جنوب الصحراء في تونس.

ففي فبراير/شباط 2023، قال الرئيس قيس سعيد إن وجود اللاجئين والمهاجرين من جنوب الصحراء يندرج ضمن “مخطط إجرامي” يهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية لتونس، ووصفه بأنه شكل من أشكال “التوطن”.

وأوضحت هيومن رايتس ووتش أن السلطات استخدمت قوانين تجرّم مساعدة الأجانب في وضع إقامة غير قانونية، كما استخدمت قانون “مكافحة الإرهاب” وغسل الأموال الصادر عام 2015، لتوجيه اتهامات وصفتها المنظمة بأنها تعسفية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في المنظمات غير الحكومية.

كما اتخذ الضغط شكلاً مالياً.

ففي نهاية عام 2024، قبل الانتخابات الرئاسية بوقت قصير، أبلغت فرقة التحقيق في التهرب الضريبي والوقاية منه ما لا يقل عن اثنتي عشرة جمعية، من بينها المكتب الإقليمي لمنظمة العفو الدولية وجمعية مكافحة الفساد “أي ووتش”، بأنها قيد التحقيق، وفقاً لهيومن رايتس ووتش.

وقالت المنظمة إن هذه التحقيقات خلقت عبئاً إدارياً وتشغيلياً، وأدت إلى تجميد الحسابات المصرفية لجمعيتين على الأقل.

كما فرضت البنوك الخاصة قيوداً على بعض الجمعيات، مثل إلغاء حقها في التعامل بالعملة الصعبة أو الحسابات بالدينار القابل للتحويل، ومنع تحويلات مالية أجنبية كانت موجهة إلى حسابات تونسية أو إعادتها، أو إغلاق حساباتها.

وأعربت هيومن رايتس ووتش عن قلقها من أن الاستخدام الواسع لهذه التحقيقات يثير الشك في أن السلطات تستخدم الإجراءات المالية والجنائية لترهيب منظمات المجتمع المدني.

لماذا تعلّق الجمعيات؟

تحركت السلطات أيضاً ضد المنظمات بشكل جماعي.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات استخدمت المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المتعلق بالجمعيات لتعليق عمل منظمات، وذلك في الفترة من يوليو/تموز إلى أكتوبر/تشرين الأول 2025، ومرة أخرى من أبريل/نيسان إلى مايو/أيار من هذه السنة.

يقرأ  غارة إسرائيلية على ملجأ في غزة ترفع حصيلة الضحايا

وحددت المنظمة ما لا يقل عن 20 جمعية مدنية معلّقة، مع الإشارة إلى أن العدد الدقيق لا يمكن تحديده لغياب بيانات رسمية.

وأوضحت هيومن رايتس ووتش أن عمليات التعليق شابتها مخالفات إجرائية، فبعض الجمعيات لم تتلقَّ الإنذارات الرسمية التي يتطلبها القانون التونسي، وبعضها الآخر حاول الرد لكنه لم يتلقَّ أي جواب.

وقال محامون يدعمون الجمعيات المعلّقة للمنظمة إن المسؤولين رفضوا الطعون المقدمة من حوالي 30 جمعية.

وأضافت هيومن رايتس ووتش أن هذه الجمعيات تواجه خطر الحل بشكل جدي بعد استنفاد كل طرق الطعن.

ووفقاً للتقرير، فإن جمعية “الخط” التي تنشر المجلة الإلكترونية المستقلة “إنكيفرادا”، وجمعية “منمتي” المناهضة للعنصرية، تواجهان حالياً إجراءات حل قضائية.

والسلطة القضائية التي تصدر أوامر تعليق الجمعيات أصبحت خاضعة للسلطة التنفيذية منذ عام 2022، عندما اتخذ سعيد إجراءات واسعة قالت هيومن رايتس ووتش إنها قوضت استقلال القضاء.

وبحسب هيومن رايتس ووتش، أبلغت جمعيات أيضاً بأنها حُرمت من الاعتماد لمراقبة الانتخابات، وواجهت قيوداً أكثر صرامة على الوصول إلى السجون ومراكز الاحتجاز، ومُنعت من تنظيم فعاليات عامة.

هل يغيّر الضغط طريقة كلام الناس؟

بالنسبة للنشطاء، أصبح تأثير الضغط محسوساً قبل أن تتحرك السلطات، أي في القرارات المتعلقة بما إذا كانوا سيتحدثون أو ينظمون أو يعملون علناً من الأساس.

قال ربيع قاسم، عضو التجمع المدني “نفس”، إن المخاوف التي أثارتها هيومن رايتس ووتش تعكس ما يعيشه النشطاء بالفعل.

وأضاف قاسم: “اليوم، أي ناشط أو أي شخص مهتم بالشأن العام في تونس يفكر مرتين قبل أن يتحدث أو يكتب أو ينظم نشاطاً”.

وتابع: “نحن نتحدث عن بيئة أصبح فيها العمل المدني وحقوق الإنسان بحد ذاته مرتبطاً بإمكانية الملاحقة أو التشهير أو التعرض للضغط”.

يقرأ  الصين تُعدم ١١ شخصًا مرتبطًا بعمليات احتيال متصلة بميانمارالإعلام الرسمي | أخبار الجرائم السيبرية

كما طال الضغط الصحفيين الذين يوثقون الأحداث.

قال نور الدين أحمد، مصور صحفي ورئيس لجنة المصورين الصحفيين في النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، إن القيود المفروضة على الصحفيين أصبحت أكثر وضوحاً خلال السنوات الخمس الماضية.

وأوضح أن الصحفيين يتعرضون بشكل متزايد للتوقيف أثناء عملهم في الشوارع، ويُطلب منهم إبراز بطاقاتهم المهنية أو الحصول على تصاريح قبل التحدث مع المواطنين، وقد يُقتادون أحياناً إلى مراكز الشرطة للاستجواب. يبدو أن النص الأصلي غير مرفق في رسالتك. يرجى إرسال المقال الذي تريد إعادة كتابته بالعربية، وسأقوم بتحريره بأسلوب عربي سليم وواضح.

أضف تعليق