حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن المجال الجوي الروسي أصبح مغلقاً عملياً بسبب الكم الكبير من الطائرات المسيّرة الأوكرانية في سماء روسيا.
وقال زيلينسكي يوم الثلاثاء إن روسيا، التي بدأت الحرب بغزو أوكرانيا في شباط/فبراير 2022، “تغلق الآن مجالها الجوي بنفسها”. وأضاف أن كييف لا تهدد الطيران المدني، “لكن المسيّرات ستكون حاضرة في الأجواء الروسية، ويجب على شركات الطيران وشركات التأمين أن تأخذ ذلك في الحسبان”.
وردّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هذه التصريحات واصفاً إياها بأنها “إعلان إرهاب دولة”.
فهل تستطيع أوكرانيا فعلاً أن تُغلق الأجواء الروسية؟ وماذا يحدث إذا أصبح المجال الجوي لأكبر دولة في العالم غير متاح للطيران؟
في الأشهر الأخيرة، أصبحت المسيّرات الأوكرانية تهدد حركة الطيران في مطارات روسية عدة، وتسبب تعطيلاً متكرراً. وتأتي هذه التطورات في وقت تكثف فيه روسيا استخدام الصواريخ الباليستية ضد أوكرانيا، فيما تعجز كييف عن اعتراضها بسبب النقص الحاد في ذخائر أنظمة الدفاع الجوي، ولا سيما منظومات باتريوت الأمريكية الصنع. ولهذا، لجأت أوكرانيا إلى ضرب أهداف روسية في العمق، من بينها منشآت نفطية وموانئ ومستودعات التجارة الإلكترونية.
في خطابه المسائي يوم الثلاثاء، قال زيلينسكي: “اليوم نريد أن نحذر كل شركة طيران تستخدم الأجواء الروسية، وكل شركة تأمين، وكل من لا يزال يستخدم المطارات الرئيسية في روسيا: الأجواء الروسية أصبحت غير آمنة تماماً”. وأكد أن أوكرانيا “لا تهدد الطيران المدني، ولا طائرة مدنية واحدة”، لكنه أضاف: “ستكون هناك مسيّرات في سماء روسيا بكميات لا يمكن تجاهلها”. وتابع: “الأجواء المليئة بالمسيّرات ليست مكاناً للطيران المدني، فالسماء فوق روسيا أصبحت للمسيّرات ما دامت الحرب مستمرة. نحن في أوكرانيا لا نريد أن نفقد أرواحاً بريئة، لذلك نحذّر شركاءنا: لقد انتهت أيام الأمان في الأجواء الروسية”.
وقد غيّرت المسيّرات التي تنتجها أوكرانيا الآن بكميات كبيرة وبتكلفة منخفضة طبيعة الحرب، إذ باتت كييف قادرة على ضرب أهداف تبعد مئات الكيلومترات عن خط الجبهة، وصولاً إلى مدن روسية كبرى. ويرى محللون أن الخطر الأكبر لم يعد في حجم الدمار الذي تحدثه هذه المسيّرات، بل في مداها الذي يتزايد باستمرار، لأنها تتداخل مع حركة الطيران المدني في عمق روسيا، حتى حول موسكو.
وتقول أوكرانيا إن مدى ضرباتها العميقة ارتفع من نحو 630 كيلومتراً في عام 2022 إلى 1750 كيلومتراً هذا العام، وقد وصلت مسيّراتها إلى أهداف في أومسك على بعد نحو 2500 كيلومتر من الأراضي الأوكرانية. وعندما تقترب هذه المسيّرات من المدن الروسية، تفرض السلطات قيوداً مؤقتة على المجال الجوي، فتوقف حركة الإقلاع والهبوط في المطارات حتى زوال الخطر، وهو ما قد يستغرق ساعات. وتسببت الإنذارات المتكررة في إغلاقات مؤقتة بالمطارات الروسية، وأصبحت مصدر قلق متزايداً للطائرات التي تعبر الأجواء الروسية.
وقال مارك بريس، رئيس قسم التحليل في شركة أوسبري فلايت سوليوشنز لاستشارات مخاطر الطيران، إن أوكرانيا تطلق باستمرار أكثر من 500 مسيّرة يومياً تقريباً، مع تجاوز العدد ألف مسيّرة في أكثر من يوم واحد، وفق أرقام وزارة الدفاع الروسية. وأضاف أن هذا أدى إلى إغلاقات متكررة وممتدة للمطارات وتعليق للرحلات الجوية. وقال: “ما يفعله زيلينسكي هو التعبير علناً عما كانت أوكرانيا تقوم به منذ أشهر، أي تعطيل المجال الجوي الروسي بشكل منهجي”.
ووفقاً لبيانات الشركة نفسها، بلغ متوسط إغلاقات المطارات الروسية نحو 30 إغلاقاً يومياً منذ بداية الحرب.
وفي تنبيه لعملائها، قالت أوسبري إن معظم الضربات الأوكرانية بالمسيّرات والصواريخ ستقع على الأرجح ضمن مسافة 300 كيلومتر من الحدود بين البلدين، لكن الهجمات اليومية في عمق روسيا مرشحة للاستمرار طوال ما تبقى من عام 2026، بما في ذلك قرب موسكو وسانت بطرسبرغ. وحذّر التنبيه من أن “الخطأ في التقدير أو في التعرف على الأهداف أمر وارد جداً في المناطق المرتبطة بالنزاع في أوكرانيا”.
وفي العام الماضي، قال بوتين للرئيس الأذربيجاني إلهام علييف إن صاروخين روسيين انفجرا قرب طائرة تابعة للخطوط الجوية الأذربيجانية في عام 2024، بعد دخول مسيّرات أوكرانية إلى المجال الجوي الروسي، في حادث أسفر عن مقتل 38 شخصاً.
أما بالنسبة لشركات الطيران والركاب، فيرى المحلل أليكس ماشيراس أن المجال الجوي الروسي لا يزال “أكبر تشوه هيكلي في الطيران العالمي”. فقبل شباط/فبراير 2022، كان العبور فوق روسيا أقصر طريق بين أوروبا وشمال شرق آسيا، إذ كان يمر فوق سيبيريا أكثر من 360 ألف رحلة سنوياً. لكن بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، تجنبت كثير من الشركات الأوروبية والأمريكية هذا المسار.
ونتيجة لذلك، أصبحت رحلات أوروبا وشمال شرق آسيا أطول بساعتين إلى أربع ساعات، وفق ماشيراس، الذي أشار إلى أن رحلة هلسنكي-طوكيو ارتفعت مدتها من تسع ساعات إلى 13 ساعة. وأضاف أن هذه التكلفة أصبحت جزءاً من أسعار التذاكر، والمصاريف التشغيلية، وجداول أطقم الطائرات، واستخدام الطائرات في شبكات المسافات الطويلة الأوروبية.
ورغم استمرار الحرب، تواصل بعض شركات الطيران الكبرى من دول مثل الصين وتركيا والإمارات ودول خليجية أخرى استخدام الأجواء الروسية. وتشكو شركات الطيران الأمريكية من أن الشركات التي سُمح لها بالتحليق فوق روسيا، مثل الشركات الصينية، تحظى بميزة تنافسية لأنها تستخدم مسارات أقصر وتكاليف تشغيل أقل. وإذا أُغلقت الأجواء الروسية أمام هذه الشركات، فستختفي هذه الميزة. وفي الوقت الحالي، تقدم الشركات الصينية أسرع الرحلات بين آسيا وأوروبا لأنها احتفظت بحقوق التحليق فوق روسيا. قال محلل الطيران ماكيراس إن شركات الطيران التي تعتمد على الأجواء الروسية إذا خسرت هذا الامتياز، فإن ميزتها في أوقات الرحلات أمام مراكز الخليج وتركيا ستتراجع بشكل حاد.
وفي المقابل، أشار المحلل إلى أن الخطوط الجوية التركية بنت قيمة استراتيجية حقيقية من وصولها المحايد إلى الأجواء الروسية، ما جعل إسطنبول نقطة عبور طبيعية للحركة الجوية التي لم تعد الناقلات الغربية قادرة على تسييرها مباشرة.
وأضاف أن الناقلات الهندية، ولا سيما طيران الهند، تعتمد هي الأخرى على الأجواء الروسية لتشغيل رحلاتها بكفاءة بين دلهي ولندن، وبين دلهي ونيويورك.
أما ناقلات الخليج التي تنطلق من مطارات الدوحة ودبي وأبوظبي، فهي على حد قوله لا تعتمد على الأجواء الروسية بالطريقة التي تعتمد عليها إسطنبول. وأوضح أن الإغلاق الأوسع للأجواء الروسية من شأنه على الأرجح أن يعزز نموذج المراكز الخليجية بدلاً من أن يضرّ بها، لأن حركة الرحلات الطويلة ستنحرف نحو الجنوب عبر الخليج بدلاً من المرور عبر ممر القوقاز.
هل يواجه قطاع الطيران ضغوطاً أخرى؟
شهد قطاع الطيران خلال العامين الماضيين اضطرابات كبيرة بسبب النزاعات في الشرق الأوسط، إضافة إلى التداعيات التي خلّفتها الحرب الروسية الأوكرانية.
وقال براس من شركة أوسبري فلايت سوليوشنز لقناة الجزيرة إن المسارات البديلة عبر القوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط والبحر الأحمر والسعودية والخليج أصبحت مزدحمة أصلاً بسبب عدم توافر الأجواء الروسية واستمرار النزاع في منطقة الخليج.
كما أن قيوداً إقليمية أخرى زادت الازدحام سوءاً، ومنها منع الناقلات الهندية من استخدام الأجواء الباكستانية بسبب التوتر الثنائي في جنوب آسيا.
وأضاف براس أنه رغم فتح أجزاء من أجواء الشرق الأوسط والخليج خلال فترات الهدوء النسبي في الأشهر الأخيرة، لم يحدث أي عودة كبيرة إلى استخدام أجواء العراق وإيران كمسار جوي، ويعود ذلك أساساً إلى تقييمات شركات الطيران للمخاطر، وإلى حظر الهيئات التنظيمية على تشغيل الرحلات في هذه المناطق.
وتوقّع براس أن يؤدي تجدد القتال بين الولايات المتحدة وإيران هذا الأسبوع إلى مزيد من الضغط على المسارات البديلة.
كما أن ارتفاع أسعار وقود الطائرات يشكل مصدر قلق كبيراً لشركات الطيران. ففي يوم الاثنين، أعلنت أكبر ثلاث شركات طيران صينية عن خسائر في النصف الأول من عام 2026. ومن المتوقع أن تسجّل شركات الطيران في الشرق الأوسط خسائر مجتمعة بسبب الحرب.
ماذا يحدث عندما تتعطل الحركة الجوية؟
الحركة الجوية تشبه حركة المرور على الطرق؛ فعندما تُغلق الطرق الرئيسية والتقاطعات الكبيرة، تضطر السيارات والحافلات والدراجات إلى استخدام الشوارع والأزقة الصغيرة، ما يؤدي إلى ازدحام وزيادة في أوقات الرحلات. والوضع نفسه يحدث في السماء.
وأذربيجان، التي تقع بين روسيا من الشمال وإيران من الجنوب، مثال على ذلك.
فبسبب النزاعات التي تشمل روسيا وإيران، أصبحت أذربيجان ممراً جوياً حيوياً يسمح لشركات الطيران بالعمل بين أوروبا وآسيا.
وقد لاحظ المسؤول عن الحركة الجوية في أذربيجان أنه قبل الغزو الروسي الشامل عام 2022، كانت البلاد تتعامل بمعدل 278 رحلة يومياً. وبحلول نهاية عام 2025، ارتفع الرقم إلى متوسط 695 رحلة يومياً.
وبعد أن هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في فبراير/شباط من هذا العام، ارتفعت الرحلات الجوية فوق أذربيجان إلى متوسط يومي بلغ 810 رحلات خلال مارس/آذار. وسجّلت أذربيجان ذروة بلغت 1062 رحلة في يوم واحد في 9 مايو/أيار.
وإذا أصبحت الأجواء الروسية مغلقة تماماً، فإن المحلل ماكيراس يرى أنه من الناحية النظرية “لا توجد قدرة احتياطية كبيرة” في الأجواء المزدحمة أصلاً.
وأضاف أن ممر القوقاز يبلغ عرضه حوالي مئة ميل فقط عند أضيق نقطة، وهو يعالج بالفعل حركة تحويلية ناتجة عن إغلاق الأجواء الروسية، وأيضاً عن اضطرابات الشرق الأوسط المرتبطة بالنزاع الإقليمي في الآونة الأخيرة. وتابع أن أي قيود إضافية على الأجواء الروسية ستدفع بمزيد من الحركة نحو هذا الممر الذي يقترب من التشبع، مما سيرفع أسعار التذاكر وأوقات الرحلات عموماً.