تعز، اليمن – اضطر عبد الله سعيد (47 عاماً) إلى مغادرة منزله في مديرية مقبنة غرب تعز عام 2022، تاركاً كل شيء خلفه، ليستقر في مخيم الرحابة بمنطقة جبل حبشي، على بُعد 90 كيلومتراً جنوباً.
وعلى مدى الأشهر الماضية، ظل سعيد وعائلته، إلى جانب نحو 300 أسرة في المخيم نفسه، يعانون لتأمين احتياجاتهم الأساسية، لكنهم كانوا يعيشون في هدوء بعيداً عن خطوط التماس.
لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً، إذ امتدت المعارك إلى جبل حبشي. فصباح الخميس، شنّ الحوثيون هجوماً على المديرية ومناطق أخرى في جنوب غرب اليمن، وتواصلت الاشتباكات بعنف.
ومع تقدّم الحوثيين باتجاه الرحابة، اضطر سعيد ومئات العائلات إلى الفرار مرة أخرى.
قال سعيد لقناة الجزيرة: “اندلعت المعارك فجأة في الليل. كنا بعيدين عن ساحة القتال، لكننا فوجئنا في الصباح بخطوط النار قرب مخيمنا. لم يكن هناك حل سوى أخذ بعض أغراضنا الأساسية والفرار. لقد مررنا بتجربة صعبة عندما حاصرتنا النيران في 2022، لذا لم نرغب في تكرار ذلك، وهربنا قبل أن تصل المعارك إلى مخيمنا”.
وأضاف أن الذين فروا لم يكونوا فقط نازحي مخيمه، بل أيضاً أشخاص من مخيمات وقرى مجاورة.
وتابع: “نحن نازحون للمرة الثانية، وهناك أسر نزحت للمرة الأولى. كلنا الآن في حاجة ماسة إلى مأوى وخدمات أساسية”، مشيراً إلى أنه يقيم حالياً عند أقاربه في مخيم آخر للنازحين.
بعد أربع سنوات من الهدوء على الجبهات اليمنية، كان سعيد يأمل أن يتمكن قريباً من العودة إلى منزله في مقبنة. لكن الآن، ومع احتمالية اندلاع حرب شاملة بين الحوثيين والحكومة اليمنية، سيكون سعيداً إذا تمكن فقط من العودة إلى الرحابة، حيث كان لديه مأوى ومصدر مياه ومكان يعرفه جيداً.
قال سعيد: “لا أؤيد أي طرف عسكري، لكنني آمل أن تتوقف المعارك قريباً وأن نعود إلى مخيمنا، فكل ما نحتاجه الآن هو الاستقرار”.
هجمات حوثية مفاجئة
شنّ الحوثيون هجوماً واسعاً على مواقع القوات الحكومية في الجبهات الغربية لمحافظة تعز، بما في ذلك مواقع في مديرية مقبنة، فجر الخميس، باستخدام الصواريخ والمسيّرات، قبل أن يبدأوا قتالاً برياً وُصف بأنه الأعنف منذ عام 2022.
وتمكن الحوثيون، المدعومون من إيران، من التقدم في جبهات متعددة في مقبنة وموزع وجبل حبشي، مما تسبب في موجة نزوح جديدة. وقالت القوات الحكومية المدعومة من السعودية إنها تتصدى للهجمات واستعادت بعض المناطق.
وتواصل وصول تعزيزات عسكرية، تشمل مقاتلين وآليات، إلى طرفي القتال. وتزداد المعارك ضراوة، وسط تقارير عن سقوط عشرات القتلى من الجانبين.
وهذه هي أحدث حلقة في نزاع يمني مستمر منذ أكثر من عقد، وقد تصاعد في الأشهر الأخيرة. بدأ الصراع عام 2014 عندما نفذ الحوثيون انقلاباً على الحكومة اليمنية، ثم سيطروا على معظم شمال غرب البلاد، بما في ذلك العاصمة صنعاء.
منذ أوائل أغسطس/آب، شنّ الحوثيون هجمات صاروخية ومسيّرات وهجمات برية قاتلة ضد القوات الحكومية في عدة محافظات، بينها مأرب وتعز والحديدة والضالع.
كما استهدف الحوثيون ميناء المخا، في محاولة واضحة لإجبار القوات الحكومية على الخروج من ساحل البحر الأحمر الجنوبي، وهو ما من شأنه أن يمنح الحوثيين سيطرة أكبر على الممر المائي الحيوي الذي يشنون منه هجمات على الملاحة السعودية.
وفي المقابل، تشن القوات الحكومية هجمات على الحوثيين في عدة محافظات، وأفادت بتنفيذ عشرات الضربات بمسيّرات ضد أهداف حوثية.
وقد يؤدي التصعيد الحالي إلى إعادة إشراك السعودية في النزاع، بعد أربع سنوات من آخر غارة جوية رسمية نفذتها في اليمن دعماً للحكومة.
الضحايا
أكد يحيى لطف، وهو مقاتل موالٍ للحكومة في جبل حبشي، أن الحوثيين شنوا هجمات مفاجئة على جبهات مختلفة في غرب تعز، لكنه ادعى أن القوات الحكومية استعادت عدة مناطق.
وقال لطف لقناة الجزيرة: “شنّ الحوثيون هذه الهجمات محاولين قطع الطريق الرئيسي بين مدينة تعز وساحل البحر الأحمر، لكنهم فشلوا. هدفنا ليس فقط تحرير ما سيطروا عليه يوم الخميس، بل سنتقدم إلى أبعد من ذلك، فمعنوياتنا عالية ونحن مستعدون تماماً للمعركة”.
وأضاف أن هناك خسائر في صفوف الجانبين.
وتابع: “النتيجة الحقيقية لهذه المعارك ستتضح في المستقبل القريب. أناشد من ينقلون أخبار تقدّم الحوثيين الانتظار، وأعدهم بأخبار سارة”.
وأشار لطف إلى أن مقاتلين من وحدات عسكرية مختلفة يشاركون في المعارك.
وتقع خطوط المواجهة بالقرب من الطريق الرئيسي الذي يربط مدينة تعز بساحل البحر الأحمر، وهو الطريق الذي يضم مقر “قوات المقاومة الوطنية”، وهي فصيل عسكري موالٍ للحكومة بقيادة طارق صالح، نجل شقيق الرئيس الراحل علي عبد الله صالح.
من جهته، قال مصدر حوثي في صنعاء لقناة الجزيرة إن المعارك الأخيرة تأتي ضمن “جهود كسر الحصار على اليمنيين”.
وأضاف: “نخوض معركة لكسر الحصار على اليمن، خاصة في البحر. هذا ليس هدف أنصار الله فقط، بل هو رغبة كل اليمنيين”.
ورفض المصدر تقديم مزيد من التفاصيل، كما امتنعت وسائل إعلام حوثية عن نشر تفاصيل حول القتال.
العامل الإقليمي
يرى الصحفي اليمني عدي الدخيني أن هذه الجبهات تحمل أهمية استراتيجية، لأن قطع الطريق الرابط بين تعز والمخا، وهو ما حاول الحوثيون فعله الخميس، سيؤثر على المدينتين معاً. فهذا الطريق يُعد شريان حياة لنقل الطعام والبضائع من المخا.
وقال الدخيني: “اختار الحوثيون هذه الجبهات الحالية لموقعها الاستراتيجي. إذا نجحوا في عزل جبهات ساحل البحر الأحمر، فسيبدأون في استهدافها واحدة تلو الأخرى”.
أما المحلل السياسي اليمني عبد الستار الشميري، فربط التطورات بأحداث أوسع في المنطقة، أبرزها الحرب الأمريكية على إيران.
وقال الشميري: “لا يمكن النظر إلى هذه المعركة بمعزل عن غيرها. الحوثيون يدفعون نحو السيطرة على مزيد من الأراضي على طول البحر الأحمر”.
وأضاف أنه يعتقد أن هذه الهجمات جزء من استراتيجية أوسع لإيران وحلفائها لإظهار القوة، “وهذا ما يفسر توقيت التصعيد الحالي”. لم يتم توفير النص الأصلي الذي ينبغي إعادة كتابته. يرجى إرساله كي أتمكن من إعادة صياغته بالعربية.