وصفت أوساط إعلامية ومحللون سياسيون فوز حزب “البديل من أجل ألمانيا” في الانتخابات المحلية الأحد الماضي بأنه “زلزال” و”هزة اجتماعية-سياسية” و”لحظة فارقة لألمانيا”. فهل هذا وصف مبالغ فيه؟
صحيح أن ولاية ساكسونيا-أنهالت واحدة من أصغر ولايات ألمانيا الست عشرة، إذ لا يزيد عدد ناخبيها على 1.7 مليون من أصل 59 مليون ناخب على المستوى الوطني. كما أن الحزب لم يتمكن من تحقيق أغلبية مطلقة، بل اكتفى بفوز كبير. لكن رغم ذلك، فإن دلالة هذه النتيجة تتجاوز حجم الولاية بكثير.
في الداخل الألماني أولاً، هذه الانتخابات المحلية تحمل أثراً على السياسة الوطنية. الفوز الكبير لحزب البديل يزيد الضغوط على الائتلاف الحكومي الوسطي في برلين، الذي يعاني أصلاً من هزائم متتالية. وقد تكون النتيجة بمثابة المسمار الأخير في نعش المستشار المحافظ فريدريش ميرتس، الذي يعاني شعبيته من انهيار كبير، رغم أنه كان قد وعد بتراجع شعبية حزب البديل. وهذا الانشغال السياسي الداخلي سيُضعف ألمانيا، اللاعب الأقوى في الاتحاد الأوروبي، في وقت تعاني فيه القارة أزمة حادة بسبب العدوان الروسي، وتهديدات ترمب الجمركية، والتحدي الاقتصادي الصيني.
كما أن نتيجة ساكسونيا-أنهالت تدفع إلى مراجعة ذاتية عميقة في ألمانيا، حيث ما زال الماضي النازي يلقي بظلاله الثقيلة. فهذه المرة الأولى منذ سقوط الرايخ الثالث عام 1945 التي يحقق فيها حزب قومي متطرف فوزاً انتخابياً ساحقاً بهذا الشكل. والسلطات الألمانية تصنّف حزب البديل، جزئياً، كحزب غير ديمقراطي، وتعتبر عدداً من فروعه الإقليمية، بما فيها فرع ساكسونيا-أنهالت، متطرفاً يمينياً.
حزب البديل معروف بقوته في شرق ألمانيا، لكنه اليوم يتصدر استطلاعات الرأي على المستوى الوطني أيضاً. يبدو أن التيار السياسي التقليدي في ألمانيا خذل الناخبين. فماذا ستفعل أكبر قوة اقتصادية في أوروبا وأكثر دول الاتحاد سكاناً؟
خارج ألمانيا أيضاً، لفتت ولاية ساكسونيا-أنهالت الصغيرة الأنظار. فالرئيس الأميركي نفسه سارع مساء الأحد إلى نشر استطلاع الخروج من الانتخابات على منصته “تروث سوشال”. رسالة حزب البديل القائمة على معاداة الهجرة ومعارضة “الوعي الجديد” وشعار “ألمانيا للألمان” قريبة جداً من رسالة ترمب “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”. ويستعير حزب البديل، مثل غيره من الأحزاب القومية في أوروبا، الكثير من أدوات ترمب: الهجوم على وسائل الإعلام الرئيسية، والتشكيك في حياد القضاة، والوعد “بجعل ألمانيا عظيمة مجدداً”.
لكن من المهم ملاحظة أن السياسيين الأوروبيين يتجنبون ذكر ترمب بالاسم خلال حملاتهم الانتخابية، لأنهم يدركون جيداً مدى عدم شعبيته لدى الناخبين.
وخلف ترمب مباشرة على وسائل التواصل، ظهر رجل الأعمال الروسي النافذ كيريل دميترييف، الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي. ووصف نتيجة حزب البديل بأنها “تاريخية”، وقال إن الحكومة الألمانية “فقدت مصداقيتها” وإن المستشار الألماني “تعرض للإهانة”، وشبّه فريدريش ميرتس برئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر، الذي اضطر إلى الاستقالة في الصيف الماضي.
قد يتساءل المرء: ما مصلحة روسيا في انتخابات محلية ألمانية؟ وما علاقة هذا الطعن ببريطانيا؟ الجواب أن الحكومة الألمانية هي أكبر جهة مانحة منفردة لأوكرانيا، وبريطانيا معروفة بأنها زودت كييف بصواريخ استُخدمت في ضرب أهداف داخل الأراضي الروسية، وهو أمر أغضب موسكو بشدة.
أما حزب البديل، فيميل بوضوح إلى روسيا. فهو يريد وقف المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وإنهاء العقوبات المفروضة على موسكو، واستئناف شراء الطاقة الروسية الأرخص ثمناً. وقد تكبدت الصناعة الألمانية، التي تستهلك طاقة كثيفة، ضربة اقتصادية كبيرة بعد أن أوقفت ألمانيا استيراد الطاقة من روسيا إثر الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022.