بعد أكثر من ستة أشهر على تصعيد إسرائيل حربها على لبنان، بدأت أزمة النزوح تترسخ ببطء.
في ذروتها في نيسان، نزح أكثر من 1.2 مليون شخص بسبب الهجمات الإسرائيلية على لبنان.
اليوم، يقدر العدد بنحو 330 ألفًا، وفق تقديرات المنظمة الدولية للهجرة، لكن العاملين في المجال الإنساني يقولون إن هذا الانخفاض لا ينبغي أن يُفهم على أنه دائم أو حتى مستقر.
وقالت نادين مظلوم، من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن أنماط النزوح لا تزال «شديدة التقلب وغالبًا قابلة للانعكاس» بسبب احتمال تجدد الهجمات. وأضافت: «صحيح أن العدد الإجمالي للنازحين انخفض كثيرًا عن ذروة تجاوزت 1.2 مليون، لكن لا ينبغي الخلط بين ذلك وبين حل الأزمة».
هذه أرضنا
تخوض إسرائيل وحزب الله قتالًا منذ تشرين الأول 2023، بدرجات متفاوتة من العنف.
في 2 آذار 2026، رد حزب الله للمرة الأولى منذ أكثر من سنة على الهجمات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، وقال إنه كان ردًا على أكثر من عشرة آلاف خرق لوقف إطلاق النار المتفق عليه في 2024، وعلى اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي قبل يومين، في أول يوم من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
بعد ذلك كثفت إسرائيل هجماتها الجوية على لبنان، وأعادت اجتياح جنوب لبنان للمرة الثانية في أقل من سنتين. وهي تحتل حاليًا أكثر من 50 قرية.
أسفر الهجوم عن مقتل أكثر من 4,380 شخصًا، ودفع مئات الآلاف من منازلهم، معظمهم في جنوب لبنان، لكن أيضًا في سهل البقاع، وأجزاء من العاصمة بيروت وضواحيها الجنوبية.
لجأ النازحون إلى أي مكان يستطيعون، ففي بيروت نصب بعضهم خيامًا على الواجهة البحرية أو الكورنيش، أو استأجروا شققًا في أحياء اعتبروها أكثر أمانًا. لكن كثيرين من النازحين تعرضوا أيضًا لهجمات، من بينها ضربات مزدوجة.
رغم سلسلة من إعلانات وقف إطلاق النار، واتفاق إطاري في حزيران جاء بعد محادثات مباشرة برعاية أمريكية بين إسرائيل ولبنان، استمرت الهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان.
مع ذلك، خف القصف على بقية البلاد، وعاد أكثر من 810 آلاف شخص إلى منازلهم أو إلى أماكن قريبة، غالبًا إلى منازل متضررة وبنية تحتية مدمرة.
ومن هؤلاء سجود رمضان، وهي امرأة من فرون، بلدة على ما يسمى «الخط الأصفر»، وهي منطقة عسكرية تطالب بها إسرائيل وتمتد نحو 10 كيلومترات شمال الحدود اللبنانية-الإسرائيلية.
أُدرجت فرون في اتفاق حزيران الإطاري، الذي كان يفترض أن تنسحب بموجبه القوات الإسرائيلية من «مناطق تجريبية»، ويدخل الجيش اللبناني لينزع سلاح حزب الله.
وبينما يقع كثير من فرون تحت الأنقاض بسبب الغارات الإسرائيلية، لم يدخل الجيش الإسرائيلي البلدة منذ 2024.
عادت رمضان إلى قريتها، لكن منزلها مدمر، لذا تقيم في المدرسة المحلية التي تعمل كمأوى للنازحين.
«عدنا بعد وقف إطلاق النار»، قالت وهي تجلس أمام دكان صغير مؤقت تديره عند مدخل المدرسة. «عدنا لأن هذه الأرض أرضنا، ومن المستحيل أن نتخلى عنها».
دورة مستمرة
على الرغم من صمودهم وتصميمهم، قالت مظلوم من المفوضية إن كثيرًا من العائدين لا يعيشون بعد في استقرار كامل.
«الواقع أن كثيرًا من الأسر لا تزال تتنقل بين المواقع مع تغير الظروف، ما يجعل النزوح والعودة جزءًا من دورة مستمرة لا حدثًا واحدًا»، قالت مظلوم.
ومع مرور الوقت، تتراكم آثار النزوح الطويل، وتتجاوز الحاجات الفورية إلى الغذاء والمأوى.
«يواجه كثيرون مجموعة مختلفة من التحديات تركز على الإرهاق وعدم الاستقرار والتآكل التدريجي لآليات التكيف»، قالت مظلوم. «نفدت المدخرات، وتراكمت الديون، وشبكات الدعم تتعرض لضغط متزايد. والأسر التي تدفع الإيجار منذ أشهر تواجه غالبًا ضغطًا ماليًا متزايدًا في الوقت الذي تبقى فيه سبل العيش معطلة».
وفق أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة، يتركز نحو 80 في المئة من النازحين في خمس مناطق: بيروت تستضيف نحو 31 في المئة من النازحين، بينما تستضيف صيدا وصور والشوف وعاليه 15 في المئة و14 في المئة و11 في المئة و9 في المئة على التوالي.
وتقول البيانات أيضًا إن 17,566 نازحًا مسجلًا يعيشون في 184 موقعًا جماعيًا، وإن هذا العدد ارتفع على الأرجح في الأسابيع الأخيرة، خصوصًا مع تكثيف الهجمات الإسرائيلية على مناطق جنوبية، بما في ذلك مدينة النبطية. ومن بين النازحين، يعيش نحو 75 في المئة في مساكن مستأجرة.
«هذه المنطقة عانت كثيرًا من الحرب»، قال كامل جابر، وهو صحفي من النبطية، لقناة الجزيرة عن الهجمات الأخيرة على مدينته. «دُمرت مئات المتاجر والمستودعات وغيرها من البنية التحتية».
وقال إن الأعمال عادت إلى النبطية بعد وقف إطلاق النار في 2024، لكن استئناف الحرب دمر البنية التحتية والاقتصاد في المنطقة. وقال أيضًا إن السكان بدأوا يشعرون بـ«قلق ويأس كبيرين يتسللان إلى قلوبهم» مع استمرار الحرب دون أفق لنهايتها.
ليس هناك جدار واحد قائم
انتشرت في الأسابيع الأخيرة مقاطع فيديو عدة تظهر عمليات هدم إسرائيلية في قرى جنوبية، مع انفجارات ترفع الغبار في السماء.
زارت الجزيرة «الخط الأصفر» في أوائل أيلول، وسمعت انفجارات قوية كل بضع دقائق، وقال السكان إنها تفجيرات لمنازل وبنية تحتية أخرى على الجانب الآخر من المنطقة.
ويقول شهود تمكنوا من الذهاب جنوب «الخط الأصفر» إنه كلما اقترب المرء من الحدود مع إسرائيل، زاد انتشار الدمار.
قالت مورين فيليبون، مديرة مكتب المجلس النرويجي للاجئين في لبنان، إنها مرت في رحلة جنوبًا بقرى «ليس فيها جدار واحد قائم».
وقالت إن كثيرين من السكان المحليين في قرى جنوبية قريبة من الحدود عادوا إلى منازلهم بعد وقف إطلاق النار في 2024، لكن «عددًا كبيرًا اضطر إلى الفرار مرة أخرى» بعد استئناف الهجمات.
«اليوم لا يتصورون أي عودة»، قالت فيليبون، محذرة من أن «دورات العنف والدمار هذه» تضيف «ثقلًا نفسيًا» كبيرًا لكثير من النازحين.
ومع فقدان سبل العيش، وتدمير المنازل، وغياب الأمن أو الاستقرار الكافي لامتلاك الثقة لإعادة البناء، يعيش كثير من اللبنانيين في حالة نزوح، بينما يرى آخرون أن نزوحهم يترسخ.
وانتشرت تقارير مؤخرًا تفيد بأن إسرائيل قد تتراجع إلى ما يسمى «الخط الرمادي» الذي يمتد حتى 4 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وهذا يعني أن القرى الحدودية قد تبقى على الأرجح غير مأهولة، وأن نزوح أهلها من تلك المناطق قد يطول أكثر. أما القادمون من مناطق أبعد إلى الشمال، فقد يعودون إلى أماكن دُمّرت بالكامل، فلا يجدون منزلاً ولا كهرباء ولا بنية تحتية للمياه.
ويحذّر الخبراء من أن تحوّل النزوح في لبنان إلى حالة دائمة، بسبب الحرب الإسرائيلية المتواصلة، له عواقب بعيدة المدى.
وقالت مزلوم من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: «تبقى المساعدة الإنسانية ضرورية، لكن لا بد أيضاً من إزالة الأنقاض، وترميم المنازل، وإعادة الخدمات العامة، ودعم سبل العيش. ومن دون ذلك، قد يبقى كثير من العائدين في وضع هش أو غير مستدام».