أعادت سرعة تقدم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر تشكيل المشهد الاستراتيجي. بعد السيطرة على المخا، تحركوا إلى ذباب ووصلوا إلى ميون، أو جزيرة بريم، عند أضيق نقطة في مضيق باب المندب. ليست هذه مكاسب هامشية، بل تمنح الحركة نفوذا غير مسبوق على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
هذا التصعيد الأخير في اليمن ليس مجرد حلقة أخرى في حربه الأهلية الطويلة، وليس مجرد خطوة تصعيدية إيرانية ضد دول الخليج، ولا سيما السعودية. إنه في الوقت نفسه صراع على السيطرة على اليمن، ومواجهة متجددة بين الحوثيين والسعودية، وجبهة أخرى في الحرب الأوسع التي تشمل إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
ساهمت في ذلك عوامل عدة، منها الإحساس الزائف بتوازن القوى في اليمن، ورغبة الحوثيين في تأمين موقف تفاوضي أقوى، وتداعيات الحرب الإيرانية.
سلام معيب
لا يمكن فهم الهجوم الأخير من دون النظر إلى السلام الزائف الذي سبقه.
في أبريل 2022، بدأ سريان هدنة بوساطة الأمم المتحدة. ومع أنها انتهت رسميا بعد ستة أشهر، حافظت السعودية والحوثيون إلى حد كبير على وقف فعلي لإطلاق النار. وبعد عام، سافر وفدان سعودي وعماني إلى صنعاء. وفي يونيو 2023، استؤنفت الرحلات المباشرة بين صنعاء والسعودية لنقل الحجاج اليمنيين إلى الحج، وهي أول رحلات من نوعها منذ 2016. وفي سبتمبر 2023، زار وفد حوثي رفيع الرياض لبحث إنهاء الحرب.
كانت هذه خطوات مهمة لبناء الثقة، لكنها شجعت أيضا افتراضا خطيرا مفاده أن صراع اليمن يحل نفسه تدريجيا.
ويبدو أن الحكومة المعترف بها دوليا أخطأت حين اعتبرت غياب القتال الكبير توازنا مستداما للقوى. ورغم الحديث المتكرر منذ أبريل 2025 عن هجوم على الساحل الغربي، بقي قادتها منقسمين، وتابعت تشكيلاتها العسكرية أوامر متنافسة. وبدلا من استخدام التوقف لإعادة بناء الشرعية وتحسين الحكم وإنشاء بنية عسكرية متماسكة، أصابت الحكومة وداعميها الثقة المفرطة.
أما الحوثيون فاستخدموا الفترة نفسها بطريقة مختلفة. فقد أعطاهم تراجع القتال وقتا ومساحة استراتيجية لتثبيت إدارتهم، وإعادة تنظيم قواتهم، وتوسيع قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيرة، والتجنيد على نطاق واسع.
وقدّرت تقارير خبراء الأمم المتحدة في 2024 أن قوة الحوثيين القتالية ارتفعت من نحو 220 ألفا في 2022 إلى 350 ألفا، مقابل 30 ألفا فقط في 2015. وينبغي التعامل مع هذه الأرقام بحذر، لكنها تشير إلى حجم التوسع الذي شهدته الحركة خلال ما اعتبره آخرون فترة سلام. وتجدر الإشارة إلى أن هذه العملية شملت أيضا إكراها موثقا وتجنيدا للأطفال.
كما منحت حرب الإبادة في غزة الحوثيين قضية حشد قوية. ففلسطين قريبة من قلب كل يمني تقريبا، وتتجاوز كثيرا من الانقسامات السياسية والمناطقية والطائفية في البلاد. ومن خلال تقديم هجماتهم على إسرائيل وعملياتهم في البحر الأحمر على أنها عمل مباشر دفاعا عن غزة، قدّم الحوثيون أنفسهم لا كطرف واحد في الحرب الأهلية اليمنية، بل كالقوة العربية الوحيدة ربما القادرة على تحميل إسرائيل كلفة.
استراتيجية الردع الإيرانية مقابل أولويات الحوثيين
في الأشهر الستة الأولى من الحرب، بدت إيران وكأنها حاولت منع البحر الأحمر من التحول إلى جبهة كبيرة أخرى. كان لديها مصلحة واضحة في إبقاء السعودية ومصر، وهما القوتان العربيتان المحوريتان المطلتان على البحر الأحمر، خارج أي تحالف عسكري تقوده الولايات المتحدة. وكان تجدد هجمات الحوثيين على السعودية أو على الملاحة التجارية يهدد بدفع الرياض والقاهرة أقرب إلى واشنطن.
ومن المنطقي الافتراض أن طهران ضغطت في البداية على الحوثيين لعدم استفزاز السعودية. لكن الضربة السعودية على مطار صنعاء الدولي في يوليو غيرت الحساب. ويقال إنها كانت تهدف إلى منع طائرة إيرانية من الهبوط، فمنحت الحوثيين سببا للرد ودليلا على أن ضبط النفس لن يحميهم.
قد لا تكون إيران أرادت مواجهة سعودية-حوثية، لكن بعد أن قرر الحوثيون الرد، لم يكن بوسع طهران أن تطالبهم بالبقاء سلبيين من دون أن تقوّض مصداقية تحالف كرسته لسنوات.
كما أن التصعيد يخدم مصالح إيران. فقد كان تعطيلها للإمدادات الخليجية يفقد بعض قوته مع مساعدة واشنطن وشركائها السوق الدولية على التكيف عبر موردين وطرق بديلة تتجاوز هرمز.
أسعار النفط مرتفعة، لكن النقص الذي ربما كانت إيران تأمل في إحداثه لم يتحقق بالكامل، بينما بدأت عقوبات إضافية وحصار يتركان أثرا مؤلما.
ويمنح باب المندب نقطة ضغط أخرى: فتعطيل التجارة الدولية ورفع تكاليف النفط والنقل قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية قد يجعل الحرب أكثر كلفة سياسيا واقتصاديا لإدارة ترامب، وربما يدفعها إلى إعادة النظر في شروط إنهائها.
هذا لا يعني أن إيران أمرت بالهجوم الحوثي. لقد كانت الأسلحة والتدريب والمساعدة الفنية الإيرانية محورية في تحول الحركة، لكن الدعم يجب ألا يُفهم منه أن إيران هي من قررت أو خططت. إيران والحوثيون حلفاء، وليسا فاعلين متطابقين.
للحوثيين مصالحهم الخاصة. إنهم يسعون إلى موقف تفاوضي مستقل قبل أن يتم التفاوض على أي تسوية إقليمية فوق رؤوسهم. وحصارهم للسفن السعودية وهجماتهم على البنية التحتية السعودية وتقدمهم نحو باب المندب لم تكن فقط بالنيابة عن إيران، بل كانت تهدف أيضا إلى جعل الحوثيين طرفا لا غنى عنه في أي مفاوضات مستقبلية. والسيطرة على أرض تطل على المضيق تمنحهم نفوذا على الصادرات السعودية والمصالح المصرية، والأهم من ذلك على الملاحة بين آسيا وأوروبا.
جانب إيجابي للولايات المتحدة
مع أن إدارة ترامب تراقب على الأرجح هذا التصعيد في اليمن بقلق، نظرا لارتفاع أسعار الوقود ومشكلات التضخم في الداخل، فقد يكون فيه جانب إيجابي لها.
حتى الآن، واجهت الولايات المتحدة صعوبة في إقناع حلفائها الإقليميين والدوليين بالانضمام إلى مواجهتها مع إيران. وكان لدى السعودية ومصر كل الأسباب للبقاء على مسافة. لكن تهديدا مباشرا للبحر الأحمر يغير هذا الحساب.
إن تعطيل باب المندب سيعرض صادرات النفط السعودية للخطر، ويزيد تقليص إيرادات قناة السويس لمصر، ويهدد أهم صلة بحرية لأوروبا بآسيا. لذلك قد يصبح أعضاء حلف شمال الأطلسي ودول أوروبية أخرى أكثر استعدادا لدعم عملية تقودها الولايات المتحدة، لا على أنها حرب على إيران بل دفاعا عن الملاحة الدولية.
وستجد إسرائيل أيضا صعوبة في مقاومة الفرصة. وحتى من دون تعاون رسمي، قد يضع التنسيق الأمريكي قوات إسرائيلية وسعودية ومصرية وأوروبية في الجانب نفسه من مواجهة بحرية. وقد يحيي ذلك المنطق الأمني وراء التطبيع السعودي-الإسرائيلي في وقت كانت غزة قد جعلت التقارب السياسي يبدو مستحيلا.
لذلك قد يحقق الحوثيون عكس ما أرادته إيران أصلا. فبتهديد باب المندب، قد يدفعون السعودية ومصر أقرب إلى واشنطن، ويخلقون أشكالا جديدة من التنسيق مع إسرائيل لا يعترف بها غالبا.
قد يبدو ذلك جانبا إيجابيا للولايات المتحدة، لكنه خطير على اليمن. وتظهر التجربة أن تحالفا بحريا قد يحمي الملاحة، لكنه لن يحل الصراع على الأرض ولن يخفف معاناة المدنيين. وقد يوسع بدلا من ذلك العمليات العسكرية الإسرائيلية، ويعيد السعودية إلى حرب حاولت الخروج منها، ويزيد تدويل صراع لا يمكن أن يحل في نهاية المطاف إلا عبر عملية سياسية يمنية شاملة.
لم تكن هدنة 2022 خطأ؛ فقد أنقذت أرواحا. لكن الخطأ كان الخلط بين توقف القتال وتقدم نحو السلام. استخدمت السعودية التوقف لتقليل تعرضها ومساعدتها على التركيز على خطط تنميتها الاقتصادية. واستخدمه الحوثيون للتجنيد وإعادة التسليح والاستعداد. أما الحكومة اليمنية فاستخدمته بشكل سيئ.
والخطر الآن هو أن التحالف الذي سيُجمع للدفاع عن البحر الأحمر سيجعل السلام المقبل في اليمن أصعب في الوصول.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن صاحبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.