كوريا الجنوبية تحتضن قادة آسيا الوسطى لتعزيز نفوذها الإقليمي

تستعد كوريا الجنوبية لاستقبال رؤساء دول آسيا الوسطى الخمس في أول قمة رئاسية من نوعها بين سيول والمنطقة، وهي قمة وصفتها وسائل إعلام محلية بأنها «تاريخية».

قمة الأربعاء، التي تسبقها لقاءات ثنائية بين الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ وقادة أوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان وطاجيكستان وقيرغيزستان، تهدف إلى تعميق الانخراط الاقتصادي بين آسيا الوسطى وكوريا الجنوبية، ووضعه على أساس أكثر دواماً.

قال سانات كوشكومبايف من معهد كازاخستان للدراسات الاستراتيجية لـ«الجزيرة»: «التوقع الأول سياسي. سترفع القمة حواراً قائماً منذ 2007 إلى مستوى رؤساء الدول. لكن الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت ستنتج أجندة قابلة للتنفيذ في المعادن الحيوية والطاقة والتقنيات الرقمية والنقل».

وأضاف: «بالنسبة لآسيا الوسطى، تكمن قيمة الاجتماع أيضاً في إظهار أن المنطقة قادرة على التواصل مع شركاء خارجيين بشكل جماعي من دون التخلي عن أولوياتها الوطنية. وأتوقع إطاراً للتعاون المنتظم رفيع المستوى، تتبعه اتفاقات ثنائية أكثر تفصيلاً».

وقال محللون إن دول آسيا الوسطى، التي تضع نفسها بشكل متزايد ككتلة تُعرف باسم «سي 5+»، تبحث عن استثمارات ووصول إلى التكنولوجيا وتنويع شراكاتها الدولية خارج موسكو وبكين، في حين تحتاج كوريا الجنوبية إلى تنويع اعتمادها الاقتصادي واعتمادها على سلاسل التوريد.

قالت سابينا إنسيباييفا، عالمة سياسة في جامعة نزارباييف: «حالياً، تملك كوريا الجنوبية قاعدة موارد محلية محدودة، وتعرّضاً كبيراً في سلاسل التوريد للصين، خصوصاً في المواد الحيوية والمكونات والمدخلات الصناعية الأخرى. يمكن لآسيا الوسطى أن تقدم لكوريا الجنوبية معادن حيوية وطاقة وفرص إنتاج بديلة وتنويعاً أكبر لسلاسل التوريد. وفي المقابل، يمكن لكوريا أن توفر التكنولوجيا ورأس المال والخبرة الصناعية».

وأوضحت أن مبادرة طريق الحرير الكوري، وهي استراتيجية كوريا الجنوبية تجاه آسيا الوسطى التي أُطلقت في 2024، تهدف إلى تجاوز تأمين المواد الخام إلى تطوير قدرات المعالجة والتصنيع والتكنولوجيا بالشراكة مع شركات محلية.

يقرأ  يحذر العلماء:تحولات مفاجئة تهدد المناخ الهش في القارة القطبية الجنوبية

لم تعد آسيا الوسطى تريد تقديم نفسها كمصدّر للمواد الخام. بل تسعى إلى المهارات والتكنولوجيا اللازمة لبناء مراكز صناعية محلية. ويمكن لكوريا الجنوبية أن تكون شريكاً طويل الأجل لتحقيق هذا الهدف، خصوصاً في كازاخستان وأوزبكستان.

قال كوشكومبايف: «تمثل كازاخستان بالفعل جزءاً كبيراً من الحضور التجاري والاستثماري لكوريا الجنوبية في المنطقة، لذا يمكنها أن تسعى بشكل معقول إلى مشروعات صناعية أكبر ومرافق بحثية وشبكات موردين محليين. لكن الجزء الصعب سيكون الانتقال من التجميع ومذكرات التفاهم إلى التوطين الحقيقي والإنتاج التجاري».

وبحلول نهاية عام 2025، بلغ الحجم الإجمالي للاستثمارات المباشرة لكوريا الجنوبية في آسيا الوسطى نحو 6.4 مليار دولار.

لكن جاذبيتها في آسيا الوسطى تتجاوز إمكاناتها كمستثمر ومزود للتكنولوجيا، إذ توجد صلة اجتماعية قديمة.

علاقات كوريا الجنوبية التاريخية بالمنطقة

في عام 1937، وبأمر من جوزيف ستالين، نُقل قسراً أكثر من 170 ألف كوري سوفييتي من الشرق الأقصى السوفيتي إلى أوزبكستان وكازاخستان السوفيتيتين، بذريعة منع تخريب ياباني.

قال رومان زاخاروف، وهو فنان من كازاخستان من أصل كوري جزئي: «عندما وصل جدّاي إلى جنوب كازاخستان كان الخريف، وكان الجو بارداً بالفعل، لكن لم تكن لديهم بيوت يعيشون فيها. في ذلك الشتاء عاشوا مع كازاخستانيين محليين دعموهم ومع مطرودين من بلدان أخرى».

انتظر جدّاه عاماً كاملاً حتى منحتهما السلطات سكناً، لكنهما، بصفتهما مطرودين، لم يكن مسموحاً لهما بمغادرة المزارع الجماعية التي عملا فيها حتى وفاة ستالين.

سعى المطرودون وذريتهم، الذين يُعرفون مجتمعين باسم كوريو سارام، إلى البقاء على صلة بجذورهم، لكن ذلك لم يكن سهلاً.

قال زاخاروف، الذي عُرضت أعماله الفنية في معرض بكوريا الجنوبية عام 2023: «حاول كوريو سارام تكييف منتجات محلية مثل الجزر لصنع مخللات كورية. لكن الثقافة الكورية المحلية تغيرت مع الوقت… حاولت جدتي الاستماع إلى برامج كورية جنوبية على التلفاز، لكنها لم تفهم شيئاً. كانت لغة مختلفة عن اللغة التي كان يتحدثها جدّاي».

يقرأ  آي إي سي توقع مذكرة تفاهم مع إيه إي بي لتعزيز فرص قطاع الطاقة في البرازيل

عندما انهار الاتحاد السوفيتي، بدأت كوريا الجنوبية تؤسس مراكز ثقافية في أنحاء آسيا الوسطى، حيث يمكن للسكان المحليين، بمن فيهم كوريو سارام، تعلم اللغة والاقتراب من الثقافة الكورية. والتحقت أخت زاخاروف بصفوف رقص كوري تقليدي.

لكن الاختراق الحقيقي للقوة الناعمة الكورية في آسيا الوسطى جاء في العقد 2010، عندما أصبحت المسلسلات والبوب الكوري حديث الجميع.

قالت أيغانيم توليولييفا، باحثة كازاخستانية تبلغ 28 عاماً وانتقلت إلى كوريا الجنوبية للدراسة في 2019: «ظلت الحكومة الكورية الجنوبية تروّج للثقافة الكورية في آسيا الوسطى وتستخدمها كقوة ناعمة قوية جداً بالفعل».

وأضافت: «في أستانا هناك مهرجان كوري للكيمتشي، ومهرجان للموسيقى الكورية بتمويل من السفارة الكورية. ومن خلال هذا النوع من القوة الناعمة، وتشجيع الشباب من آسيا الوسطى على الدراسة في كوريا الجنوبية، تتوسع كوريا في المنطقة».

عندما زارت كوريا لأول مرة في 2015، كان قليلون من السكان المحليين يعرفون وطنها. لكن العلاقات نمت مع مرور الوقت.

اليوم أصبحت آسيا الوسطى وجهة سياحية لكوريين جنوبيين، وبالنسبة لبعض الناس في المنطقة، تمتد جاذبية سيول إلى ما هو أبعد من الموسيقى وصناعة التجميل والمسلسلات.

قالت توليولييفا: «العمال من آسيا الوسطى في كوريا يُعاملون أيضاً بشكل أفضل من المهاجرين في روسيا، حيث يصبح الوضع خطيراً أكثر فأكثر». وأضافت: «اليوم تقدم كوريا فرصاً أكبر للمهاجرين من آسيا الوسطى؛ إنهم يشعرون بالدعم. ويمكن للقادمين من أوزبكستان وقيرغيزستان، وقريباً كازاخستان أيضاً، الانضمام إلى برامج خاصة للعمال، ودراسة اللغة مجاناً، والانتقال إلى كوريا للعمل في مواقع البناء».

في منطقة تحاول تنويع شراكاتها خارج الصين وروسيا، يمكن أن يُنظر إلى كوريا الجنوبية كشريك أقل حساسية سياسياً.

قال كوشكومبايف: «هناك أيضاً عنصر جيوسياسي. تريد سيول موقعاً أقوى وأكثر وضوحاً في منطقة تنشط فيها بالفعل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي وتركيا ودول الخليج». وأضاف: «لكن من المرجح أن يبقى النهج الكوري مدفوعاً تجارياً ومنخفض الصوت نسبياً، لا جيوسياسياً بشكل علني».

يقرأ  الأكثر فتكًا — عملية إسرائيلية في غزة قيد التنفيذ | برامج تلفزيونية

أضف تعليق