أصداء المجاعة التاريخية في السودان تتردد في أحدث أزمة جوع

لطالما احتفظت الذاكرة الجماعية في السودان بحكايات عن مآسٍ سببها الجوع. واليوم، بينما تدفع الحرب البلاد إلى أزمة غذائية كارثية، يخشى المؤرخون والناشطون الإنسانيون أن تتكرر بعض تلك الأهوال.

الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي بدأت في أبريل 2023، أوقعت السودان في واحدة من أسوأ أزماته الغذائية في العصر الحديث، وقد تدهورت الأوضاع بشكل حاد منذ عام 2024.

عرف السودان مجاعات قاسية من قبل، كثيراً ما كان الجفاف وغيره من الصدمات البيئية يثيرها أو يزيدها سوءاً. غير أن أزمة الجوع الحالية، التي أدت إلى مجاعات في السودان عامي 2024 و2025، سببها عامل من صنع الإنسان: الحرب.

المجاعات السابقة

واحدة من أوائل أزمات الغذاء الكبرى المسجلة في ما يعرف الآن بالسودان حدثت عام 1684، في عهد سلطنة الفونج. استمرت تلك الأزمة عدة سنوات، وأدت إلى نقص حاد في الحبوب في وسط السودان. وتصف روايات تاريخية حالات دُفع فيها الناس إلى اليأس، حتى إن بعضهم أُجبر على أكل لحم الكلاب. وقد أثار الجوع نزوحاً واسعاً، فضلاً عن تفشي وباء الجدري الذي حصد أرواحاً كثيرة.

وسُجلت أزمات مماثلة مرتبطة بالمناخ عام 1750، ثم بين عامي 1835 و1838 في زمن الحكم العثماني المصري، حيث فاقمها جفاف شديد وانخفاض منسوب مياه النيل.

أما المجاعة الأكثر رسوخاً في الذاكرة الشعبية السودانية فقد وقعت بين عامي 1888 و1889، في عهد الخليفة عبد الله التعايشي.

اجتمع الجفاف وغزو الجراد والصراع ليسببا جوعاً وموتاً على نطاق واسع. وتقدر بعض الروايات التاريخية عدد الضحايا بأكثر من مليون شخص، مع أن الأرقام الدقيقة لتلك الفترة يصعب تحديدها. ويُروى أن الأزمة كانت قاسية إلى حد أن بعض الأسر أغلقت أبوابها على نفسها لتنتظر الموت بدلاً من الخروج لاستجداء الطعام.

يقرأ  النقابة تحذّر من احتمال تجدد الإضرابات ضد سي سي إي بي في ألمانيا

وشهد السودان فترات أخرى من نقص الغذاء خلال القرن العشرين. فخلال الحقبة الاستعمارية في النصف الأول من القرن، أدت موجات الجفاف وسوء المحاصيل إلى اضطرار السلطات في بعض الأحيان إلى استيراد الحبوب من الخارج.

ثم في عام 1984، في عهد الرئيس جعفر نميري، ضرب جفاف مدمر غرب السودان، بما في ذلك دارفور وكردفان، حيث خسرت المحاصيل والثروة الحيوانية على نطاق واسع، ونزح مئات الآلاف من الريف إلى العاصمة الخرطوم.

كارثة من صنع الإنسان

وعلى خلاف كثير من تلك الأزمات التاريخية، فإن المجاعة الحالية هي بالتحديد من صنع الإنسان.

فقد عطلت الحرب الإنتاج الزراعي والتجارة، وأجبرت المزارعين على ترك أراضيهم، وجعلت نقل الغذاء والمساعدات الإنسانية عبر البلاد أمراً صعباً.

وأشار عبد الله التجاني، وهو مؤرخ اجتماعي وناشط إنساني، إلى أن حجم الكارثة الحالية غير مسبوق.

وقال التجاني للجزيرة: “كانت معظم المجاعات السابقة محصورة غالباً في مناطق معينة، كما حدث عام 1984، أو في مناطق بجنوب السودان قبل انفصاله عام 2011، بينما ظلت العاصمة والمدن الكبرى تتوفر فيها ضرورات الحياة والخدمات”.

وأضاف أن هذه المرة، انتشر الجوع وانهيار الخدمات الأساسية في كل أنحاء البلاد.

وتابع: “ضربت أزمة غذائية شاملة قلب المراكز الحضرية والزراعية الكبرى في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار ودارفور وكردفان، ما دفع ملايين المواطنين إلى النزوح داخل البلاد وخارجها”.

وأشار إلى ما وصفه بأنه “التدمير الممنهج للبنية التحتية، وتعطيل المشاريع الزراعية الكبرى، واستهداف الأسواق والمخابز والمحاصيل، إلى جانب تعطيل النظام المصرفي وشبكات الاتصال، ما عزل مناطق بأكملها”.

وذكر التجاني أيضاً “القيود على وصول العاملين في المجال الإنساني، والتأخير في منح تصاريح المرور لعمال الإغاثة”. واتهم أطراف الحرب باستخدام السيطرة على إمدادات الغذاء كأداة حرب، محذراً من أن التمويل الدولي جاء أقل من حجم الأزمة.

يقرأ  قمة بريكس تنطلق في نيودلهي وسط حروب وتوترات عالمية ورسوم جمركية

إمكانات زراعية مهدرة

ويبدو حجم الأزمة صارخاً بسبب الإمكانات الزراعية التي يملكها السودان. فالبلاد لديها موارد هائلة، منها نحو 200 مليون فدان، أي 81 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، ومياه وفيرة من النيل، وثروة حيوانية واسعة، لكن إمكان السودان بأن يصبح سلة خبز عالمية لا يزال غير محقق.

وشرح محمد عبد الرحمن، وهو باحث اقتصادي، أن أزمة الأمن الغذائي الحالية تعكس فجوة تنموية واضحة، وضعفاً طويل الأمد في القطاع الزراعي السوداني، فاقمته الحرب.

وقال عبد الرحمن: “تعد الحروب والصراعات المسلحة من أكثر العوامل تأثيراً على إنتاج الغذاء، إلى جانب نزوح المزارعين عن أراضيهم، وغياب الاستقرار السياسي والسياسات الزراعية، وضعف التمويل والضمانات الحكومية، والاعتماد على أساليب الزراعة التقليدية”.

أضف تعليق