عندما أُعلن «وقف إطلاق النار» في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، عرفنا كم كان هناك الكثير مما يحتاج إلى إصلاح. ولأول مرة منذ وقت طويل، ظننا أننا قد نحصل على فسحة للتنفس كي نفعل ذلك.
ظننا أن الأدوية والمعدات ستصل بصورة أكثر انتظامًا. وأن المستشفيات والعيادات ستبدأ في استعادة عملها. وأن المرضى سيتمكنون من مغادرة غزة لتلقي العلاج. وأن فرقًا طبية طارئة ستأتي من الخارج لدعم العاملين الصحيين المنهكين في غزة. وأننا سنستطيع أخيرًا أن ننظر إلى ما هو أبعد من الأزمة القادمة، وأن نخطط لكيفية رعاية الناس في الأشهر والسنوات المقبلة.
لم يحدث أي من ذلك.
بعد ثلاث سنوات من الإبادة الجماعية، لا يكاد يوجد وقت لالتقاط الأنفاس. يُطلب منا أن نفعل أكثر بكثير مما يستطيع نظام الصحة المنهار في غزة تحمله، بينما لا تزال عمليات التسليم المنتظم للمستلزمات والمعدات الطبية مقيّدة، وعمليات الإجلاء الطبي متعثرة.
ما زال الناس يصلون إلى عياداتنا مصابين بإصابات خطيرة لأن القصف الإسرائيلي مستمر. قُتل أكثر من 1470 شخصًا منذ بدء «وقف إطلاق النار». وحتى الوصول إلى مركز صحي أصبح يعرّض المرضى للخطر. ومع تدهور الوضع الأمني، اضطرت خدمات تدعمها منظمة المساعدات الطبية للفلسطينيين إلى التوقف في أجزاء من غزة. وفي الشهر الماضي، قُتل مريض يبلغ 65 عامًا بنيران طائرة مسيرة إسرائيلية رباعية المراوح أثناء تلقيه العلاج في مركز صحي تدعمه المنظمة في جباليا.
وبينما نعالج الواصلين الجدد بإصابات جديدة، نحاول أيضًا رعاية مرضى قد يستغرق علاجهم أشهرًا أو سنوات.
الذين فقدوا أطرافهم يحتاجون إلى إعادة تأهيل وأطراف صناعية وعمليات جراحية إضافية، لكن السلطات الإسرائيلية تقيّد بشدة المستلزمات اللازمة. والأطفال الذين نجوا من سوء التغذية الحاد يعيشون الآن مع فقر الدم وتقزم النمو، وهما يحتاجان إلى علاج، بينما يجد مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم صعوبة في الحصول على أدويتهم. ومرضى السرطان لا يستطيعون الحصول على العلاج الإشعاعي الذي يحتاجونه، ومرضى الفشل الكلوي لا يمكنهم الاعتماد على غسيل الكلى المنتظم.
وفي الشهر الماضي، فقدت زميلة لي في منظمة المساعدات الطبية للفلسطينيين في غزة عمتها إكتمال. في شباط/فبراير، شعرت إكتمال أن هناك شيئًا غير طبيعي، فأجرت خزعة، لكن المختبر، كما كثير من المختبرات في غزة، لم يكن لديه المستلزمات لفحص العينة في الوقت المناسب. وبعد أكثر من شهر عرفت أنها مصابة بسرطان عنق الرحم، وهو مرض يمكن علاجه عادة إذا اكتُشف مبكرًا.
أجرت عملية جراحية في نيسان/أبريل، لكن تعافيها كان بطيئًا ومؤلمًا، ثم أصيبت بمضاعفات كلوية تحتاج إلى علاج تخصصي غير متوفر في غزة. قدّمت عائلتها طلبًا للإجلاء الطبي، لكن الإجراءات كانت بطيئة وغامضة وروتينية. وعندما وافقت السلطات الإسرائيلية عليه، كانت حالتها قد أصبحت حرجة. سافرت إلى مصر على أمل أن تحصل أخيرًا على الرعاية التي تحتاجها، لكنها توفيت بعد أسبوعين.
حالة إكتمال ليست فريدة. وبحسب منظمة الصحة العالمية، لا يزال أكثر من 15 ألف شخص في غزة ينتظرون الإجلاء الطبي؛ وإذا تأخر الأمر كثيرًا، فقد يفقد كثير من هؤلاء المرضى حياتهم بسبب موت كان يمكن منعه.
وكانت لدينا حالة مأساوية أخرى الشهر الماضي: توفي مولود مصاب بحالة قلبية خطيرة في مجمع الصحابة الطبي، وهو مستشفى تدعمه منظمة المساعدات الطبية للفلسطينيين. كان المولود بحاجة إلى جراحة عاجلة غير متوفرة في غزة. كان الأطباء يعرفون ما يلزم، لكن لم تكن لديهم وسيلة لتقديمه.
أحيانًا نجد صعوبة في تقديم العلاج لأن حتى المستلزمات الطبية الأساسية بدأت تنفد. كما تعاني المستشفيات من نقص في السوائل الوريدية والتخدير والمستلزمات الجراحية. وحتى الأكسجين شحيح.
يضطر العاملون في كثير من المستشفيات إلى حمل الأسطوانات إلى محطة مركزية لإعادة تعبئتها. وفي كل أنحاء غزة، يعتمد أكثر من 500 مريض على الأكسجين، بعضهم على مدار الساعة: مرضى السرطان والتليف الرئوي وأمراض القلب، والرضّع والأطفال في العناية المركزة.
في آب/أغسطس، حذّرت وزارة الصحة الفلسطينية من أن 22 من أصل 34 محطة أكسجين في غزة توقفت عن العمل، وأن أربعًا فقط من 30 آلة تُستخدم لتعبئة أسطوانات الأكسجين لا تزال تعمل.
والمحطات التي ما زالت تعمل قد تتعطل قريبًا. تواصل السلطات الإسرائيلية منع قطع الغيار اللازمة لإصلاحها، وتصنفها على أنها مواد «ذات استخدام مزدوج». ولأسباب مشابهة، لا يوجد في غزة جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي يعمل، ولا يخدم حوالي مليوني شخص سوى جهاز أو جهازين للتصوير المقطعي.
ويُترك الأطباء أحيانًا لاتخاذ قراراتهم من دون الصور أو الفحوصات أو الأدوية التي يعتمدون عليها عادة.
فالسرطان الذي كان يمكن اكتشافه مبكرًا يصبح أصعب في العلاج. والإصابة التي كان يمكن أن تتحسن بإعادة التأهيل تتحول إلى إعاقة دائمة. والطفل الذي كان يحتاج إلى غذاء مناسب وعلاج قد يبقى معه سوء التغذية المزمن وتقزم النمو وصعوبات النمو التي قد تستمر مدى الحياة.
قيل لنا إن «وقف إطلاق النار» سيمنح الناس في غزة وقتًا للشفاء وإعادة البناء. لكن هذا لم يحدث. ما زالت القيود التي حالت بين إكتمال وتشخيصها وعلاجها وإجلائها قائمة، وحكايتها واحدة من آلاف الحكايات في غزة خلال العام الماضي.
لكل تأخير ثمن. فكل أسبوع يُحجب فيه دواء، أو يتعذر فيه إجراء تصوير، أو يُمنع فيه مريض من الخروج، تتجاوز فيه حالة شخص ما النقطة التي كان يمكن علاجها فيها.
لقد نفد وقت إكتمال. والآن، آلاف الناس في غزة ينفد وقتهم أيضًا.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن كاتبه، ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.