لكل منا مكان عزيز على قلبه، زاره منذ سنوات، ولا يزال يحتفظ في ذهنه بصورة واضحة عنه. قد يكون دربًا ريفيًا، أو ضفة نهر، أو مجرد منظر من نافذة قطار. أنت واثق أنك تتذكره كأنك رأيته بالأمس. لكن إذا عدت لزيارته بعد سنوات، تفاجئك غالبًا كم يبدو مختلفًا في الواقع.
الذاكرة، لنعترف بذلك، ليست أداة موثوقة. التفاصيل البصرية في أذهاننا تضبب، وتتغير، وتختلط ببعضها تدريجيًا مع الوقت. هذه ليست مشكلة كبيرة، فهي مجرد طريقة عمل الدماغ. والمهم أن شكل المكان ليس هو الأهم حقًا، بل الشعور الذي يمنحنا إياه.
هذا هو، إلى حد ما، موضوع مشروع «ذهب مع الغيوم»، وهو مشروع شخصي للمصمم الجرافيكي الألماني أندريه بريتز.
المساحة للبقاء فضوليًا
يعيش أندريه في بلدة تاريخية على نهر الراين، في منطقة كولونيا-بون، وقد أمضى أكثر من عقدين في تصميم الهويات البصرية والتجارب الرقمية والرسوم التوضيحية لشركات وشركات ناشئة ووكالات ومؤسسات ثقافية. لكنه يقول: «في السنوات الأخيرة، صارت المشاريع الشخصية والفنية أكثر أهمية بالنسبة لي. إنها تمنحني مساحة لأبقى فضوليًا، وأجرب، وأقترب من تطوير صوتي الإبداعي. ومشروع ذهب مع الغيوم واحد من هذه المشاريع المستقلة والشخصية».
يتكون المشروع من مجموعة رسومات سريعة وحدسية لمناظر طبيعية، وكلها مصنوعة من الذاكرة. يعمل أندريه من دون صور أو رسوم أولية ترشده، ولا يهدف إلى تصوير مكان بعينه.
يقول: «تنشأ المناظر من صور بقيت بطريقة ما في الذهن. تضبب التفاصيل أو تتغير أو يُعاد اختراعها. يتبع القلم الذاكرة من دون خطة ثابتة». والنتيجة، كما يصفها، «سلسلة من المناظر لا تصور مكانًا محددًا، ومع ذلك تبدو مألوفة».
خطوط واثقة
في صوره طابع ضبابي ودوّامي؛ مسارات متعرجة تتلوى نحو البعيد، وشجيرات محيطة تُرسم ككتل سوداء جسورة، وأشجار مختزلة إلى أشكال بسيطة تشبه الحلوى الماصة، وسحاب مجرد بضع خطوط ملتفة. كل هذا بسيط، لكن في خطوط أندريه ثقة تجعل التكوينات متماسكة وجميلة.
وبجانب المناظر الطبيعية يوجد عمل أكثر تجريدًا: ضربات فرشاة سميكة وتعبيرية، وشبكة مرسومة باليد من أسطح المنازل، وتشابك كثيف لأوراق تشبه أوراق زنابق الماء. الرسومات الأصغر تُوضع فوقها في لوحات من الليلكي والأخضر العميق والزيتوني، ما يمنح المشروع كله إحساسًا مركبًا كألبوم قصاصات.
جمع أندريه الآن كل هذه الرسومات والأعمال التجميعية في منشور من 64 صفحة، بعنوان فرعي «مناظر الذاكرة 25-26». غلافه الأزرق الفاتح يجمع رسمة واحدة مع عنوان متدرج متراكم، ويُمسك الكتاب كله بشريط مطاطي وردي.
يشرح أندريه: «التجليد البسيط والمفتوح جزء من الفكرة. يبدو الكتاب غير مكتمل وقابلًا للتغيير، وهذا يعكس طبيعة الذاكرة نفسها: شيء حي يتغير، ويتخذ أشكالًا جديدة، ويمكن أن يظهر مختلفًا مع الوقت».
هذا عميق إن فكرت فيه. فمعظم الكتب مصممة لتثبيت محتواها في مكانه؛ أما هذا الكتاب فيمنحك حرية خلط الصفحات وإعادة ترتيبها بشكل مختلف، إن أردت. وبعبارة أخرى، إنه يتصرف كثيرًا كما تفعل الذاكرة.