في مدينة تعز، جنوب غرب اليمن، وقرب الساعة العاشرة والنصف صباحاً، كان جهاز في مركز غسيل الكلى بالمستشفى الجمهوري يبدأ في تصفية السوائل الزائدة والسموم والأملاح من دم عمر مختار حمود. عمر يبلغ السادسة عشرة ويعاني من فشل كلوي، وهو واحد من مئتين وسبعين مريضاً يتلقون جلسات غسيل الكلى بانتظام في المركز داخل المدينة الخاضعة لسيطرة الحكومة. لكن مع النقص الحاد في المستلزمات الطبية والوقود تحت حصار حوثي متجدد، يخشى الأطباء أن يعجزوا قريباً عن تقديم العلاج الذي يبقي مرضاهم على قيد الحياة.
وحذّر الدكتور عصام محيوب دحان، مدير المركز، من احتمال توقف كامل خلال أيام. وقال لشبكة الجزيرة إن الحصار ونقص الديزل والمحاليل الطبية أجبرهم مؤخراً على تقليص جلسات الغسيل من أربع ساعات إلى ساعتين ونصف فقط. وأضاف أنهم يعرفون أن ذلك غير كافٍ، لكنهم لا يملكون خياراً آخر إذا أرادوا إبقاء المركز يعمل لأطول فترة ممكنة قبل توقفه تماماً.
وقال دحان إن مخزون المركز المتبقي من محاليل الغسيل المتخصصة يقترب أيضاً من النفاد. وهذه المستلزمات مكلفة، وعادة ما توفرها وزارة الصحة اليمنية كل ثلاثة أشهر، لكن الشحنة الأخيرة التي كان من المفترض أن تصل في وقت سابق من هذا الشهر لم تصل بسبب حصار الحوثيين لمدينة تعز، الذي بدأ في الأسبوع الأول من أكتوبر بعد تقدم الحوثيين في ريف تعز. وكانت المدينة قد خضعت لحصار حوثي كامل بين عامي ألفين وخمسة عشر وألفين وستة عشر، في السنوات الأولى من الحرب المستمرة في اليمن.
وفي عموم محافظة تعز، حيث تدور معارك بين قوات الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية ومقاتلي الحوثيين المتحالفين مع إيران، فإن عدد المرضى المعرضين للخطر أكبر بكثير. فقد حذّر مكتب الصحة في المحافظة في بيان صادر في الثاني عشر من أكتوبر من أن استمرار الحصار وعرقلة وصول المستلزمات الضرورية قد يعرض حياة ألف ومئة وعشرة مرضى فشل كلوي للخطر. وهؤلاء يعتمدون على خدمات الغسيل في مستشفيات المحافظة، التي تقدم مجتمعة نحو مئتين وعشر جلسات غسيل يومياً.
وأصدرت منظمات إنسانية وصحية دولية تحذيرات مماثلة بشأن تأثير الحصار على النظام الصحي الهش أصلاً في تعز. وفي يوم الخميس، دعت منظمة العفو الدولية الحوثيين إلى إعادة فتح الطرق الحيوية المؤدية إلى المدينة وحولها فوراً، محذرة من أن إغلاق الطريق الرئيسي بين تعز ومدينة عدن الساحلية الجنوبية يهدد مئات الآلاف من المدنيين بفقدان الوصول إلى الغذاء والماء والرعاية الصحية.
الوقود شريان حياة للمستشفيات
تعتمد مستشفيات تعز اعتماداً كبيراً على مولدات تعمل بالديزل، لأن جزءاً كبيراً من البنية التحتية للكهرباء في المدينة دُمّر خلال الحرب التي بدأت قبل أحد عشر عاماً ولم يُعد بناؤه. وقد أدى الحصار الحوثي المتجدد إلى تعطيل شديد في دخول الوقود، بما في ذلك الديزل اللازم لتشغيل مولدات المستشفيات والمعدات الطبية المنقذة للحياة.
وقال الدكتور شهيد العامري، نائب المدير العام للشؤون الفنية في المستشفى الجمهوري، إن النقص في الوقود كان له أثر مدمر على الخدمات الطبية. وأضاف لشبكة الجزيرة أن جزءاً كبيراً جداً من هذه المعاناة سببه نقص الديزل، إذ لا توجد لديهم احتياطيات، وقد نفد مخزونهم في وقت مبكر من الحصار، وهم الآن يشترون الديزل من السوق السوداء تقريباً كل يوم بأسعار وصلت إلى خمسة أضعاف ما كانت عليه قبل الحصار.
وحذّر العامري من أن استمرار الحصار سيؤدي إلى ارتفاع أكبر في الأسعار وتدهور إضافي في الخدمات الطبية. وقال إن المستشفى أوقف بالفعل العمل في بعض الأقسام، بينها وحدات أساسية. وأضاف أنهم يخشون، إذا استمر الوضع فترة أطول، من الوصول إلى انهيار كامل وشامل في خدمات الرعاية الصحية.
ولا يقتصر النقص على المستشفى الجمهوري. فقد حذّرت منظمة الصحة العالمية في الثاني والعشرين من أكتوبر من أن النقص الحاد في الوقود والأكسجين والأدوية والمستلزمات الطبية يهدد الرعاية الصحية المنقذة للحياة في عموم محافظة تعز، وأن بعض خدمات المستشفيات تعطلت بالفعل. وبحسب المنظمة، فقد أبلغ اثنان وأربعون مرفقاً صحياً في مدينة تعز عن نقص شديد في المستلزمات الأساسية. وتحتاج المستشفيات وسيارات الإسعاف إلى ما لا يقل عن مئة وستة وخمسين ألف لتر من الوقود شهرياً لمواصلة العمل.
وحذّرت المنظمة أيضاً من أن نقص الديزل يهدد بتعطيل إنتاج الأكسجين وضخ المياه وتبريد اللقاحات وخدمات الصرف الصحي، ما يزيد مخاطر تفشي الأمراض، لا سيما بين الأسر النازحة والفئات الأكثر هشاشة. وفي تحذير منفصل، قالت الأمم المتحدة إن القيود على الإمدادات تدفع النظام الصحي في تعز إلى حافة الانهيار، ودعت الحوثيين إلى السماح بدخول المساعدات الإنسانية والسلع الأساسية دون عوائق.
نقص الأكسجين يفاقم الأزمة
حذّر مكتب الصحة في تعز في بيانه الصادر في الثاني عشر من أكتوبر من أن استمرار القيود على إيصال الوقود قد يؤدي إلى إغلاق محطات إنتاج الأكسجين الطبي، ما يزيد الخطر على المرضى. وقال تيسير السامعي، المسؤول الإعلامي في مكتب الصحة، إن ذلك سيفاقم الأزمة بشكل كبير. وأضاف أن أقساماً طبية كثيرة تعتمد على الأكسجين، خصوصاً غرف العمليات وأقسام المرضى الداخليين ووحدات العناية المركزة والحاضنات الخاصة بالأطفال الخدّج.
وقال السامعي إن معظم المستشفيات أوقفت بالفعل خدماتها في بعض الوحدات بسبب نقص الديزل وغياب المحاليل الطبية اللازمة، إضافة إلى نقص الكوادر الطبية التي تواجه صعوبة في الوصول إلى العمل بسبب انعدام وسائل النقل. وحذّر من أنه إذا استمر التدهور بالوتيرة نفسها، فقد تتوقف بعض المستشفيات عن تقديم خدماتها في الأيام المقبلة.
وفي المستشفى الجمهوري، قال العامري إن النقص يؤثر أيضاً في التشخيص والعلاج. وقد انخفضت توفر الكواشف المختبرية إلى ما بين عشرة في المئة وخمسة عشر في المئة فقط من مستوياتها السابقة، كما أن نحو نصف الأدوية التي كانت متوفرة عادة أصبحت الآن غير متوفرة. وقال إن أسعار الأدوية المتبقية تضاعفت، ما يجعلها أبعد عن متناول مرضى يعانون أصلاً من الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في اليمن.
كما أدى استمرار القتال والقصف حول تعز إلى زيادة عدد المصابين الذين يحتاجون إلى رعاية طارئة، ما يضيف ضغطاً على مرافق تعاني بالفعل من نقص في المستلزمات الجراحية والتخدير والسوائل الوريدية.
وعبد البادي عبد الوهاب، الثالث والخمسون، مريض آخر في غسيل الكلى بالمستشفى الجمهوري، يواجه صعوبة في التعامل مع جلسات الغسيل الأقصر. وكان صوته مليئاً باليأس. وقال لشبكة الجزيرة إنه بسبب هذه الإجراءات يعاني من ضعف ولا يستطيع تحمل الألم، وإن ساعتين ونصف ليست كافية لإزالة كل السوائل والسموم من جسمه.
وقال الدكتور دحان إن حالة المريض تدهورت منذ تقصير جلساته. وأضاف أن هذه الإجراءات غير فعالة لكثير من المرضى، وأن الحل الوحيد هو إنهاء الحصار وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه.