خسارة فادحة في الخليل بعد هدم مصانع عائلة القواسمي
وقف سفيان القواسمي قرب أنقاض مصانعه في منطقة فرش الهوا بالخليل، في الضفة الغربية المحتلة، وهو يتحسر على عمل تجاري رآه يختفي تحت الركام. فقد دمرت جرافات إسرائيلية المصانع يوم الجمعة دون أي إنذار أو إشعار مسبق، وذلك بعد هجوم مسلح نفذه فلسطينيان في ذلك الصباح قرب المدخل الغربي للخليل. وأدى الهجوم إلى مقتل جنديين إسرائيليين والمسلحين الفلسطينيين الاثنين، كما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الإعلان عن عملية عسكرية واسعة النطاق في الخليل، وإلى إصدار أوامر بإعداد ترتيبات لإغلاق أوسع للضفة الغربية المحتلة.
تستخدم إسرائيل عمليات الهدم بانتظام لمعاقبة الفلسطينيين، وغالباً أفراد عائلات المهاجمين، لكن حالة القواسمي كانت مختلفة، إذ جاء الهدم بسبب قرب منشآته من موقع الهجوم. وتندد منظمات حقوق الإنسان بهذه الممارسة التي تُعد عقاباً جماعياً. وقد برر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عمليات الهدم بأنها تثبت الردع وتفرض ثمناً.
دمرت الجرافات الإسرائيلية مشروعاً بنته عائلة القواسمي على مدى حياة كاملة، وكان يوفر مصدر رزق لأكثر من 70 شخصاً. المصنع الأول، الذي كان ينتج الخزف، بعمر القواسمي نفسه، فقد أُسس قبل 50 عاماً، وبعد 15 عاماً افتتحت العائلة مصنعاً للرخام. ازدهرت أعمالهم وأصبحت واحدة من أهم العمليات الصناعية في الضفة الغربية، مع تصدير البضائع إلى إسرائيل.
خلال ساعات قليلة يوم الجمعة، اختفى مصنع الخزف ومصنع الرخام، إلى جانب عدة مبانٍ مجاورة، منها منزل من ثلاثة طوابق ومنشآت تجارية متعددة. وفي الوقت نفسه، تعرضت المدينة لاقتحام عسكري إسرائيلي شمل إغلاق جميع المداخل، والمداهمات، والاعتقالات، والإجلاء القسري لأكثر من 3000 فلسطيني من منازلهم، ما ألحق اضطراباً شديداً بحياة السكان والنشاط التجاري في المدينة. كانت الرسالة واضحة: ستعاقب المدينة بأكملها بسبب ما فعله المهاجمان.
بقيت مركبات عسكرية إسرائيلية في الخليل، التي أُغلقت عقب هجوم الجمعة على جنود إسرائيليين.
خسارة مدمرة
قال القواسمي إنه لم تُتح له فرصة إخراج البضائع من مستودعات ومصانع العائلة قبل بدء الهدم، فبقي المخزون مدفوناً تحت الأنقاض حتى الآن. وأضاف: «تمكنا من استعادة بعض ألواح الرخام وتخزينها في منشآت تعود لأصدقاء قريبين، لكن معظم المخزون دُمّر».
وأوضح أن 1300 متر مربع من ممتلكات مشروعهم دُمّرت، بما في ذلك مكاتب العائلة. ويقدّر الخسائر بما لا يقل عن 60 مليون شيكل، أي نحو 19 مليون دولار. وهذه الخسائر مدمرة لعائلة القواسمي، لكنها أيضاً للاقتصاد الأوسع في الخليل وللاقتصاد الفلسطيني ككل.
وفقاً لغرفة تجارة وصناعة الخليل، تشكل الخليل ركيزة أساسية في الاقتصاد الفلسطيني، وتسهم بنحو 42 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني. وتضم أكثر من 23000 منشأة اقتصادية، بينها أكثر من 5000 منشأة صناعية وحرفية توظف نحو 40000 عاملاً. ويتميز اقتصاد الخليل بتنوع واضح، ويشمل قطاعات الحجر والرخام، والبلاستيك، والمعادن، وإنتاج الغذاء، والجلود والأحذية، والزجاج، إلى جانب نشاط تجاري وزراعي قوي.
وقال عدنان النتشة، نائب رئيس غرفة تجارة الخليل، للجزيرة إنه لا توجد أرقام دقيقة حتى الآن عن إجمالي الخسائر الناتجة عن العملية العسكرية الإسرائيلية. وأشار إلى أن العمل جارٍ لجمع إحصاءات عن الأضرار التي لحقت بالمنشآت التجارية والمنازل، وهي خسائر تُقدّر بملايين الدولارات.
وأوضح النتشة أن الإجراءات الإسرائيلية الواسعة، بما فيها إغلاق مناطق من المدينة، وتهجير السكان من منازلهم، وهدم المباني، وإغلاق المتاجر، فاقمت الوضع الاقتصادي الصعب أصلاً في الخليل، التي توجد في مركزها التجاري مستوطنة إسرائيلية غير قانونية تعرقل بشدة حركة الفلسطينيين والتجارة فيها. وقال: «لم يتمكن أصحاب الأعمال من تشغيل منشآتهم لأن العمال لم يستطيعوا الوصول إلى أماكن عملهم، ولم يتمكن الموظفون من الوصول إلى وظائفهم. وتأثير هذه الإجراءات لا يقتصر على الخليل، بل يمتد إلى الاقتصاد الفلسطيني بأكمله». وأضاف أن العمل مستمر لتقييم الخسائر والأضرار الناتجة عن العملية الإسرائيلية المستمرة حتى الآن.
أدت العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل إلى ترك الشوارع شبه خالية.
تجارة مشلولة
تواصل القوات الإسرائيلية فرض الإغلاق على الخليل، بما في ذلك إقامة حواجز ترابية ومكعبات خرسانية في أنحاء المدينة، مع تنفيذ مداهمات. ونتيجة لذلك، تعطل النشاط الاقتصادي بشدة.
وقال إبراهيم أحمرو، صاحب متجر خضار في حي الجلدة، أحد المناطق التي استهدفتها العملية الإسرائيلية، إنه كان يرتب بضاعته يوم الجمعة استعداداً ليوم السبت، وهو عادة أكثر أيام التجارة ازدحاماً بسبب وصول حافلات تقل فلسطينيين من مواطني إسرائيل لشراء منتجات أرخص. لكن آليات عسكرية اقتحمت المنطقة فجأة، وأجبر الجنود أحمرو على مغادرة متجره فوراً. ويقول إنه لم تُتح له فرصة تشغيل وحدات التبريد التي كانت ستمنع تلف بضاعته، ولم يُسمح له باستعادة مركبته التي بقيت واقفة أمام المتجر.
وأضاف: «غادرت أنا وأخي والموظفون، وقد ظننا أن الأمر لن يستمر سوى ساعات قليلة. لكننا فوجئنا بإغلاق كامل للمنطقة، ولم نتمكن من الوصول إلى متاجرنا، ففقدنا كل ما بداخلها بعد أن تُركت دون رعاية لعدة أيام».
وفي صباح الأحد، تمكن أحمرو من العودة للاطمئنان على بضاعته رغم الوجود العسكري الكثيف في المنطقة. وبمجرد أن دخل، قال إن الجنود اعتدوا عليه داخل المتجر وأجبروه على الخروج. توسّل إليهم ليسمحوا له بإخراج بعض الصناديق على الأقل، فمنحوه بضع دقائق لفعل ذلك. وقال: «وضعت الصناديق على بعد 400 متر من المتاجر، حتى يتمكن السكان المحليون الذين يواجهون الإغلاق من أخذ ما يحتاجون إليه». وقال وهو يتنهد: إن خسائري في هذه السلع وحدها تتجاوز 50 ألف شيكل، أي ما يعادل نحو 16 ألفًا و200 دولار.
وقال الخبير الاقتصادي علي عويوي إن القيود العسكرية الإسرائيلية وعمليات الإغلاق المفروضة على الخليل خلقت تحديات كبيرة للمؤسسات التجارية والصناعية، التي تعتمد على الطرق في نقل مستلزمات الإنتاج وتوزيع منتجاتها.
وأوضح أن أثر الإغلاق لا يقتصر على المتاجر، بل يمتد إلى الشركات والمصانع والموردين وقطاع النقل والخدمات اللوجستية، فضلًا عن العمال الذين يضطرون إلى سلوك طرق بديلة للوصول إلى أماكن عملهم، وكل ذلك ينعكس في النهاية على المستهلكين.
وقال عويوي إنه إذا انتهت العملية الإسرائيلية خلال يوم أو يومين فقد يتعافى الاقتصاد بسرعة نسبية. أما إذا استمرت أكثر من عشرة أيام فقد يؤدي ذلك إلى مشكلات كبيرة، منها تراكم البضائع، وتعطل النقل، وتراجع الإنتاجية بسبب صعوبة حركة العمال والبضائع.
ولم تعلن إسرائيل، التي ستصوّت لاختيار برلمان جديد في انتخابات حاسمة يوم الثلاثاء، موعدًا لإنهاء الإغلاق في الخليل.
وقال عويوي إن تدمير منشآت متخصصة في تفكيك المركبات وقطع الغيار ومحال البلاط أدى إلى خسائر تقدر بنحو 70 إلى 80 مليون شيكل، أي ما يعادل 22 مليونًا و700 ألف دولار إلى 26 مليون دولار، إضافة إلى مصادرة عشرات أو ربما مئات المركبات من أصحاب هذه المنشآت.