لا، فرنسا ليست مشتعلة | احتجاجات

على مدى الأسابيع الماضية، هيمنت صور المباني المحترقة وشوارع التسوق المدمرة على التغطية الإعلامية الدولية لفرنسا. وقد أعلنت العناوين: «فرنسا تحترق»، «فرنسا في فوضى»، «فوضى في فرنسا»، مركزة على الجانب العنيف من حركة طلابية سلمية في الأساس تطالب بظروف أفضل للتعليم.

لفهم أسباب ما حدث في الماضي وما يحدث اليوم، لنبدأ بفحص كلمة «العنف». ففي السياق الحالي تُستخدم الكلمة على نحو غير دقيق لوصف واجهة متجر محطمة، أو شرطي يصيب متظاهراً بجروح، أو سيارة أُضرمت فيها النار، أو رصاص يُطلق على حشد غير مسلح. وهذا الخلط يميل إلى وضع الأضرار المادية والاعتداءات على الأشخاص، والثورة والقمع الذي يواجهها، في المستوى نفسه.

ميّز رئيس الأساقفة البرازيلي دوم هيلدر كامارا، وهو من أنصار اللاهوت التحرري، بين ثلاثة أنواع من العنف: الأول عنف الظلم الذي يقمع، والثاني عنف الثورة التي يثيرها هذا الظلم، والثالث عنف القمع. وأود أن أضيف شكلاً آخر: عنف اللامساواة والتمييز والإذلال الاجتماعي والحياة الهشة. فالنظام الاجتماعي قد يكون عنيفاً حتى في هدوءه الظاهر.

ويذكّرنا التاريخ الفرنسي بمدى تداخل الثورات، والظلم الذي يغذيها، والقمع الذي يرد عليها. ومن الأحداث الشهيرة اقتحام سجن الباستيل في ١٤ يوليو ١٧٨٩، قبيل اندلاع الثورة الفرنسية. كان ذلك عملاً من عصيان مسلح قام به ثوريون رفضوا ملكية مطلقة قمعية، ورأوا في السجن رمزاً لتجاوزاتها. أطلق المدافعون عن الحصن النار على المهاجمين فقتلوا نحو مائة شخص. وبعد استسلامهم قُتل حاكم الباستيل برنارد رينيه جوردان دي لوني، ووُضع رأسه على رمح وطيف به في الشوارع. وفي الأسابيع التالية بدأ الفلاحون يقتحمون أملاك الأرستقراطيين وينهبونها ويحرقون سندات الملكية التي كانت تسجل الحقوق الإقطاعية، لأن تلك الوثائق جسدت الهيمنة الإقطاعية التي كانوا يخضعون لها.

يقرأ  كتلة دول جنوب شرق آسيا تعقد اجتماعًا لبحث سبل إنهاء النزاع بين تايلاند وكمبوديا

وبعد ثلاث سنوات، في ١٠ أغسطس ١٧٩٢، اقتحم الثوريون المقر الملكي في قصر التويلري، فأدى ذلك إلى مقتل مئات من الحرس السويسري. وفي سبتمبر، وفي مناخ من الذعر أمام الغزو الأجنبي، أعدمت مجموعات مسلحة أكثر من ألف سجين، بينهم كهنة كاثوليك ومجرمون اعتُقلوا في جرائم عادية. كانت تلك الانفجارات من الغضب الشعبي متجذرة في العنف النظامي للنظام القديم: امتيازات الولادة، والقمع الإقطاعي، واللامساواة الضريبية، والتعسف في استخدام القوة والقمع. فالعنف الشعبي لا يمكن فصله عن عنف نظام اجتماعي قائم على الهيمنة.

وطوال القرن التاسع عشر، استمرت القوى المحركة نفسها، أي الخوف والغضب من أصحاب السلطة، في تغذية العنف الجماعي. في فبراير ١٨٣١، نهب حشد معادٍ لرجال الدين قصر رئيس الأساقفة في باريس ودمر أثاثه، مستهدفاً كنيسة مرتبطة بالملك المخلوع. وفي ١٨٧١، وبعد هزيمة فرنسا في الحرب الفرنسية البروسية، ثار آلاف الباريسيين الساخطين وأسسوا كومونة باريس. وقد أخذوا رهائن في محاولة لإقناع حكومة فرساي بوقف قصفهم. ثم وقع قتل الرهائن في «الأسبوع الدامي»، حين ارتكب جيش فرساي مذبحة بحق آلاف الباريسيين.

غير أن العنف الاجتماعي لم يتخذ دائماً الشكل الصاخب للثورة وقمعها. فقد عبر أيضاً عن نفسه في تحركات العمال واستهداف المصانع والآلات وممثلي أصحاب العمل. في ٢٦ يناير ١٨٨٦، في ديكازفيل، تعرض المهندس جول واترين، نائب مدير المناجم المحلية، للضرب وأُلقي من نافذة وقُتل على يد حشد من عمال المناجم غاضبين من سوء ظروف العمل. وقد أنتج اسمه كلمة جديدة هي «واتريناد»، أي قتل مدير أو رئيس عمل.

وفي أرمنتيير، عام ١٩٠٣، تحول إضراب في قطاع النسيج إلى نهب للمتاجر. وفي ليموج، بعد ثلاث سنوات، أجبر المتظاهرون أبواب المصانع على الانفتاح ودخلوها، وحطموا الخزف في أحد المصانع. كما نُهب متجران لبيع الأسلحة وفُجرت عبوة ناسفة خارج منزل أحد المدراء. وفي ١٩٦٨، أطلقت احتجاجات طلابية تطالب بظروف جامعية أفضل تحركاً مجتمعياً واسعاً، ضم ملايين العمال الذين أضربوا. ورافقت المتاريس في الحي اللاتيني بباريس سيارات مقلوبة أو محترقة، وإلقاء الحجارة، واستخدام قنابل المولوتوف. وفي نانت، احتُجز مدير شركة سود أفياسيون داخل مصنعه عدة أيام. وفي السنوات التالية، وضعت عملية إزالة التصنيع العمال مرة أخرى في وضع هش، فدفعت موجة جديدة من الاحتجاجات العمالية. في ١٩٧٩، واجه عمال الصلب في لونغوي ودنين تسريحات جماعية، فشاركوا في تحركات تركت وراءها أبواباً محطمة وملفات مبعثرة في مقر إدارة بريي، وسيارات محترقة وواجهات متاجر محطمة.

يقرأ  أوكرانيا وأوروبا: لا مفر من التعامل مع ترامب

وفي ٢٠٠٩، بعد إعلان إغلاق مصنع كونتيننتال في كليروا، نهب الموظفون مقر إدارة كومبيين. وفي ٢٠١٥، تعرض مسؤولان تنفيذيان في شركة إير فرانس للاعتداء خلال مظاهرة ضد تسريح العمال. وفي ٢٠١٦، خلال الاحتجاجات على إصلاحات قانون العمل التي سمحت لأصحاب العمل بفصل العمال بسهولة أكبر، حُطمت واجهات متاجر وهوجمت مركبات شرطة. وبعد عامين، أعطت احتجاجات «السترات الصفراء» بسبب مطالب اقتصادية لهذه الأعمال ظهوراً غير مسبوق. وفي ديسمبر ٢٠١٨، شُوه قوس النصر ونُهبت متاجر. ومع ذلك، تميز هذا التحرك أيضاً بإصابات خطيرة لحقت بكثير من المتظاهرين على يد قوات الأمن.

كما أدت تحركات المزارعين والصيادين إلى أعمال احتجاجية لافتة، استهدفت خصوصاً ممثلي الدولة والمباني العامة. في ١٩٩٤، تحولت مظاهرة للصيادين احتجاجاً على أزمة قطاعهم إلى مواجهات مع قوات الأمن، وتسببت في حريق دمر برلمان بريتاني. وفي ١٩٩٩، نهب المزارعون مكتب وزيرة البيئة دومينيك فوانيه.

لكن ليس كل العنف الجماعي يندرج ضمن حركات احتجاجية منظمة. فبعضه ينفجر بعد أحداث مأساوية، ويبلور غضباً متراكماً وتوترات اجتماعية. في ٢٠٠٥، وبعد وفاة زيد بنّا وبونا تراوري، أسفرت احتجاجات في أحياء باريس الشعبية عن إحراق آلاف المركبات وهجمات على مباني عامة. وفي صدى قاتم، وبعد ١٨ عاماً، وبعد مقتل نائل مرزوق على يد شرطي في نانتير، إحدى ضواحي باريس، تعرضت مركبات ومتاجر للاعتداء.

إن هذا التاريخ الطويل يعلمنا أن العنف الشعبي ليس جديداً ولا متجانساً. فمن إحراق أرشيف الملكية الإقطاعية إلى تخريب آلة في مصنع، إلى نهب مقر للشرطة، إلى إحراق متجر، قد يكون لهذه الأفعال أهداف مختلفة. لكن التدمير المادي كثيراً ما يشكل لغة سياسية موجهة إلى رموز سلطة يُنظر إليها على أنها صمّاء أو ظالمة. والأعمال الأكثر صخباً تنفذها غالباً أقلية، ولا يمكن أن تحدد وحدها تحركات سلمية في معظمها. علاوة على ذلك، لا ينبغي لممارسات المتظاهرين أن تحجب العنف الذي يسري في المجتمع. ومن ثم، فإن القول إن العنف اندلع اليوم فجأة في فرنسا كانت سلمية من قبل هو سوء فهم لجزء جوهري من هذا التاريخ السياسي والاجتماعي.

يقرأ  دعم الانتقال الوظيفي من خلال التعلم والتطوير المهني

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن صاحبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

أضف تعليق