أحيانًا عليك فقط أن تعانق تلك الفقمة ذات الأنياب لوحات برونو بونتيرولي السريالية الطريفة تعيد صياغة علاقتنا بعالم الحيوان

أحد أغزر مصادر المتعة في المشهد الإبداعي لبونتيرولي يكمن في الوفرة الهائلة من الشخصيات الضيفة التي تتنقّل وتعاود الظهور في أعماله الحديثة. تصوير المسيح يتكرر كثيراً، غالباً مربوطاً على صليب آلامه، لكنه في الكثير من الأحيان يظهر مستمتعاً يحلّق في السماء كطائرة أو يتحادث مع مجموعة من الزوّار المتجمّعين حوله. الحورية الغريبة من لوحة 2011 «La nature double» — رأس سمكي ملتصق بسيقان بشرية مرتبطة بجذع إنساني فوق ذيل سمكي — تعود لتظهر متجوّلة في خلفيات عدد من الأعمال الأحدث. ورجال الثلج يتكرّرون كمراقبين، وأحياناً كممثلين في كوميديات متنوعة تنسج البشر مع المخلوقات.

تكرار هذه الوجوه يجعل أعمال بونتيرولي السابقة في حوار دائم مع مزاجه الحالي الذي يؤمِّن حالة بهلوانية بين الإنسان والحيوان. كما يقول الفنان: «منذ البداية وأنا أرسم ما يمكن تسميته بصور-قصائد». قبل أن ينكبّ على عالم الحيوانات أنتج سلسلة عن السحب، وأخرى عن رجال الثلج، ومروراً بفترة مخصصة للمسيح. جزء من ما جذبني إلى هذه الحرفة هو العثور على فكرة مرحة، شيء مثير بصرياً يرويه العمل. تلك الأفكار القديمة غالباً ما تتسلّل إلى اللوحات الجديدة؛ فالأفكار السابقة تبني محيط اللوحة وتمنحها حياة. كمثال، طاحونة هواء تقطع سحابة إلى قطع كأنّها شرائح لحم، فتبدو السحابة وكأنّها نسيج من لحم حي. هناك جانب من ذلك يعنى بمزج المواد، وفي رأيه متعة في إضفاء الحيوة على الأشياء الجامدة وتخيّلها في نقضها: حية، من لحم وعظم.

صور-القصائد هي تجلٍّ حديث لدافعٍ متأصّل في الصنع والخلق. يصرّ بونتيرولي: «لقد أحببت دائماً الرسم والتشكيل وصنع الأشكال… ولطالما شكّلت جزءاً من كياني». طوال طفولته ظلّت الفنون هواية؛ «لم أنشأ في بيتٍ فني»، يوضح، والعيش في قرى زراعية صغيرة بجنوب فرنسا لم يوفّر له من الفرص كثيراً للذهاب إلى المتاحف أو المعارض. هذا لم يكن ما شغف به برونو الصغير؛ كان مولعاً بالديناصورات وبالطبيعة، يقضي أقصى ما يستطيع من الوقت يستكشف الخارج ويتفاعل مع العالم الطبيعي.

يقرأ  مجلة جوكستابوز أوسكار موريلو — «بئر الماء» معرض في كوريمانزوتو، مكسيكو سيتي

الانتقال إلى باريس في شبابه قلب المعادلة: عالم الغرافيتي القاسي الذي يعلّم واجهات المباني لفت انتباهه أولاً، قبل أن تجذبه روائع المتاحف داخل مدينة الأنوار. «أردت شيئاً مختلفاً. اكتشاف السرياليين وأعمالهم كان كشرارة في ذهني»، يروي. الدروس المسائية منحتْه فرصة لصقل هويته الفنية؛ والعمل من موديلات حية ومن الكرّاسه اليومية أكسبه تقديراً عميقاً للتجسيد. القفز إلى الزيتية كان تحدياً احتضنه بكامل حماسه: ساعات مطوّلة من الممارسة، غالباً اعتمادية على الكتب ومحاكاة تحف المتاحف، رسّخت لديه تحكّماً في الوسيلة يبدو جليّاً في أعماله اليوم.

تتيح له الألوان الزيتية أيضاً مجالاً لصقل نزوعه نحو الدقة في الخط واللون. «أنا اعجب بخطوط الرسم والنقوش والطباعة وما شابه، لقدرتها على الدقة—حتى إنني لا أبلغ الدقة التي أطمح إليها، لا سيما في رسومي»، يقول. إذا كانت اللوحات تشكّل نصف ممارسته الفنية، فالرّسومات والاسكتشات تشكّل النصف الآخر. غالباً ما تكون الرسومات حرة، مركزة على الحركة والظل؛ تبدو كأسئلة تُطرح: أحياناً متردّدة، وأحياناً حاسمة، لكنها ضرورية لصياغة العبارات المفتوحة التي تتكوّن منها لوحات الزيت.

أضف تعليق