بينالي البندقية يزعم الحياد — لكنّ لا معرض فنيّ محايد أبداً

دخل بينالي فينيسيا عام 1974 صفحات التاريخ ليس لما عُرض فيه بقدر ما لِما لم يَرَ النور: المعرض نفسه. تُعزى أسباب الإلغاء إلى روايات متعدّدة؛ بعض السجلات تشي بوجود خلاف مهين بين فصائل إيطالية متنازعة، في حين تبنّى الرئيس آنذاك للبيينالي كارلو ريبا دي ميانا—الذي كان ناشطًا اشتراكيًا—حكاية مفادها أنه أغلق المعرض كوسيلة للمشاركة السياسية.

المشروع الذي أطلقه بدا بوضوح أقرب إلى احتجاج منه إلى معرض فني تقليدي، ولذلك لم تعتبِر إدارة المعرض تلك المبادرة دورة رسمية ضمن تسلسل العروض (في سجلات المعرض تُسجَّل الدورة السادسة والثلاثون في 1972 والثامنة والثلاثون في 1976). أطلق ريبا دي ميانا على المبادرة اسم «البينالي الجديد» ووسمها صراحة بأنها «مناهضة للفاشية»؛ كانت تهدف إلى الاحتجاج على سياسات القمع التي انتهجها الأوغستو بينوشيه بعد انقلاب تشيلي قبل عام. بدلًا من اللوحات الجديدة والتماثيل الضخمة، عُرضت ملصقات تدين الفاشية في فضاءات عمومية، وحمل المعرض رسميًا عنوان «الحرية في تشيلي»—وشخصيته السياسية كانت جلية لا تُخْطَأ. وصف ريبا دي ميانا ذلك الحدث بأنه «فعل تضامن واجب وإيمان ديمقراطي». مرّ أكثر من نصف قرن، والقدرة على مثل هذا التعبير العام باتت اليوم تكاد تكون منقوصة.

لمحاولة الحياد خلال شهر كامل تقريبًا، سعى البيينالي هذا العام إلى إبراز نفسه كجهة تحكيمية غير متحيزة في عالم مُضطرب. غير أن دورة 2026 تعرّضت مجددًا لانتقادات سياسية واسعة بعد تأكيد إدارة المعرض أن عدد الأجنحة الوطنية الـ99 سيتضمن جناحًا لروسيا، التي غابت عن المشاركة منذ غزوها أوكرانيا في 2022.

في خطاب علني بتاريخ الأربعاء، وقع اثنان وعشرون سياسيًا رفيع المستوى من دول أوروبية، من فرنسا إلى بولندا، رسالة مفتوحة بادرت بها لاتفيا، وصفت فيها مشاركة روسيا بأنها «مقلقة بعمق» وأشارت إلى أن وجود الجناح «يثير تساؤلات جدية بشأن احتمال توظيف الدبلوماسية الثقافية الموجهة من الدولة تحت ستار التبادل الفني». أوكرانيا وليتوانيا سبق أن أدانتا القرار، محذرتين من أن المعرض قد يتحوّل إلى «منصة لتبييض جرائم الحرب التي ترتكبها روسيا يوميًا»، في حين لوح الاتحاد الأوروبي بوقف التمويل. ووقّع آلاف الفنّانين والقيّمين رسالة مفتوحة أخرى تطالب بطرد روسيا نهائيًا. وورد فيها جملة لافتة: أن الادعاء بأن «الثقافة فوق السياسة» ليس حياديًا أبدًا.

يقرأ  المرحاض الذهبي لماوريتسيو كاتيلان — قد يصبح ملكك قريبًا

ردًّا على ذلك قال المعرض إنه يقبل طلبات المشاركة من أي دولة معترف بها إيطاليًا، وإن رفض المشاركة لمثّلته—بحسب البيان—نوعًا من القمع الثقافي. «استجابةً للاتصالات وطلبات المشاركة الواردة من الدول، ترفض لا بيانالي دي فينيسيا أي شكل من أشكال الاستبعاد أو رقابة الثقافة والفن»، جاء في نص البيان.

لم يكن هذا البيان جديدًا تمامًا بقدر ما كان تكرارًا لصوت سابق صدَر في 2024، عندما انتقدت جماعات مثل تحالف «الفن ليس إبادة» مشاركة إسرائيل بعد بدء قصفها العسكري العنيف لقطاع غزة في السنة السابقة. (لم تحظَ فلسطين مطلقًا بجناح رسمي لأنها ليست دولة معترفًا بها في إيطاليا.) كذلك خضع الجناح الإيراني في تلك السنة لتمحيصٍ عام، وطلبت حركات احتجاجية واسعة طرده. ردًّا على الضغوط، صرح المعرض لصحيفة متخصصة بأنه «قد لا يأخذ بعين الاعتبار أي عرائض تطالب باستبعاد مشاركة إسرائيل أو إيران»، لكون تلك الدول تقدمت بطلباتها بنفسها. في نهاية المطاف أغلقت الفنانة روت باتير جناح إسرائيل وطالبت بوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن، فيما واصل الجناح الإيراني عرضه.

وبخصوص روسيا، لم يتخذ المعرض قرارًا بإغلاق جناحها في 2022؛ فقد كانت تلك مبادرة من الفنانين والمنظمين الروس الذين أعلنوا أن الحرب باتت «لا تُحتمل». لكن المعرض لم يذكر كذلك أنه تداخل في الصراع عبر إقامة «بيازا أوكرانيا»—عرض مؤقت في الهواء الطلق دعما لأوكرانيا—صادرًا بيانًا يوضح أن المساحة أُقيمت «تضامنًا مع الشعب الأوكراني في أعقاب الغزو الوحشي من جانب الحكومة الروسية، وخلقًا لمساحة للنقاش والدعم للثقافة الأوكرانية». كانت تلك البادرة تذكيرًا بصدى «الحرية في تشيلي» لعام 1974، وإن كانت على نطاق أصغر.

وفي معرض تنظيمي لاحق، استعرض المعرض عام 2020 مناسبة «الحرية في تشيلي» ضمن عرض عن «لحظات انفجار الأحداث التاريخية داخل أهم معرض فني في العالم»، كما قال روبرتو تشيكوتّو آنذاك؛ وذكر في 2022 أن مثل هذه اللحظات «ليست فريدة»، وأن حرب روسيا على أوكرانيا ما هي إلا واحدة منها.

يقرأ  زلزال عنيف يهز شرق أفغانستان — لا يقل عن 10 قتلى | أخبار الزلازل

هل تخلّى البيينالي منذ ذلك الحين عن الاعتراف بهذه اللحظات؟ يبدو الأمر كذلك. لم يُصدر المعرض بيانًا منفصلًا عن أجنحة إسرائيل وإيران في 2024، ولَم يرد بعينٍ خاصة على الجدل حول الجناح الروسي في 2026، لأن البيان المتعلّق بمسألة «الاستبعاد» صدر قبل موجة الرسائل المفتوحة. يصعب تخيّل كيف يحافظ المعرض على موقفه المحايد وسط كل ذلك، لا سيما وأن مؤسسات عالمية أخرى بموقع مماثل لا تتبنّى مواقف شبيهة. كثيرون يسمّون بينالي البندقية «أولمبياد العالم الفني»؛ ولكن حتى الأولمبياد ذاته حظر روسيا منذ 2022، لأن اللجنة الأولمبية الدولية اعتبرت أن البلاد انتهكت ميثاق الألعاب بمحاولتها إشراك رياضيين من مناطق غزتها. (إن وُجد ميثاق مماثل للبيينالي، فلم يُنشر.) وممثلو المعرض لم يردّوا على طلبات التعليق.

هذا يُشير إلى أن وقت التأمل قد آن للمؤسسة؛ ليس فقط فيما يُعرض داخل قاعاتها، بل بشأن دورها في العالم عامة. كما لفتت المؤرِّخة الفنية فيتوريا مارتيني في مقال 2024، كانت الصحف الإيطالية تُسمِّي المعرض في سنوات ما بعد الحرب «الأمم المتحدة للفنون»، وهو تشبيه يحمل دلالة أن المعرض كان يعمل كجمعية دولية. ربما بات من الضروري أن يبدأ المعرض بالعمل بمثابة مؤسسة تجمعية فعلًا: الأمم المتحدة على سبيل المثال تملك لجنة أخلاقيات تُسهم في تسهيل تسوية النزاعات بين أعضائها. ألا ترى الحاجة، إذًا، لأن يستدعي البيينالي لجنة مماثلة؟

ضرورة من هذا النوع تبدو ملحة هذه الدورة، خصوصًا مع توقع مزيدٍ من الاحتجاجات. كتبت مجموعة ANGA في مقال رأي في فبراير أنها تعتزم تجديد دعواتها للاحتجاج على جناح إسرائيل، متهمة إياها بارتكاب «جرائم وحشية ضد الإنسانية». كما أعلن التجمع الروسي المناهض Pussy Riot عن نية الاحتجاج ضد حضور روسيا، وقد يواجه جناح الولايات المتحدة تدقيقًا كبيرًا بسبب السياسات العسكرية المتكررة التي تورطت فيها الولايات المتحدة في إيران ولبنان—بالتعاون مع إسرائيل—ناهيك عن الضربات والعمليات الأخرى التي أثارت إدانة حكومات في أمريكا اللاتينية وأوروبا.

يقرأ  أغلق «ذا لوم» أبوابه في متحف إنديانابوليس للفنون

في النهاية، لم تَخفِ تصريحات رئيس المعرض بيتراجيلو بوتّافوكو أن دورة 2026، بإشراف القيم كويو كوو، تركز على «فرح الفن الحقيقي، ذلك الذي يشبه الحياة بوفاء». فإذا كان الفن حقًا يَشبه الحياة هذا القدر، فَلا بد أن يعترف البيينالي بأن الاضطرابات العالمية لا تتوقّف عند عتباته.

أضف تعليق