وصلت نسخة آرت بازل الأولى في الدوحة محملة بتوقعات واضحة: جامِعون جدد، صالات عرض محتاطَة تأمل جذب اهتمام المؤسسات، ومدينة أُعيد تنظيمها مؤقتاً حول جدول المعرض. لكن ما يميّز تلك الأسبوع ليس المعرض وحده، بل كيفَ تستغل متاحف الدوحة هذه اللحظة لتوضيح حُجَّةٍ من نوع آخر: حُجَّةٍ تَميل إلى العمق والتأمل بدلَ السطحية.
في متحف الفن الإسلامي يتخذ معرض «إمبراطورية النور: رؤى وأصوات أفغانستان» موقفاً نادراً في سياق المعارض الدولية المعاصرة: لا يقدّم الموضوع كدراما محزنة ولا كمجرد تجريد نظري. بدلاً من ذلك، يبني رؤية طويلة المدى ومؤسَّسة بأدلة مادية وفكرية تُظهر أفغانستان كمفترق طرقٍ دارت عبره أفكار وموارد ومعتقدات لقرون. يمتد المعرض إلى أكثر من خمسة آلاف عام، محلِّقاً من القطع ما قبل الإسلامية مروراً بالدول الإسلامية والتحولات الإمبراطورية حتى العصر الحديث. المخطوطات والأعمال المعدنية والخزف والمنسوجات وقطعَ هندسية ومجسّمات لا تُعرض كتحف معزولة، بل كدلائل على استمرارية. تذكّرنا الجولة مراراً أن التاريخ الفني الأفغاني لم يتوقف بسبب الجغرافيا السياسية، حتى حين أعادته السياسات إلى تشكيل عنيف.
ما يمنح المعرض فعاليته هو ضبطه للعتبة والاحتفاظ بمساحة تأمل. لا تدفع القاعات بأيديولوجيا قاطعة بقدر ما تمنح الأشياء حقَّها في الظهور: شظية من خشبٍ منقوش أو إناء زجاجي مُقَطَّع بدقّة تسمح بأن يُرى عملٌ جميل وثقيل في آنٍ واحد. الأعمال المعاصرة تتواجد دون أن تُكبَل بمطلوب تبرير كل ما سبقها. النتيجة ليست عاطفية مفرطة ولا مُختَزَلة في برودة نقدية؛ إنها رصينة، إنسانية، ومقنعة.
عندما يُشاهَد «إمبراطورية النور» في سياق أسبوع آرت بازل، فإنه يعيد ترتيب المنظور: يذكّر الزائرين أن التبادل الثقافي يسبق سوق الفن بفترة طويلة، ولم يكن أبداً مرتهناً للعلامات التجارية.
على مقربة قليلة، يستضيف المتحف نفسه معرضاً ثانياً يركّز على المبنى ذاته: «آي. إم. باي وصناعة متحف الفن الإسلامي». بدلاً من تبجيل باي كعبقري منزوع السياق، يقود المعرض المُشاهد عبر عملية المعمارى وهو يتصارع مع سؤالٍ أساسي: ماذا تعني العمارة الإسلامية عندما لا تُحصر بمنطقة واحدة أو حقبة معينة؟ الرسومات والنماذج والمواد الأرشيفية تتبّع كيفية انتقال باي من التجريد إلى شكلٍ واضحٍ هندسياً، حتى نشأ المبنى كوعاء مُشكَّل لاحتضان ماضٍ طويلٍ ومعقَّد.
هذا المنظور يتسع في عرضٍ آخر بمقر الريوق: «آي. إم. باي: الحياة هي العمارة» الذي يضع مشروعه في الدوحة ضمن مسار مهني عالمي شمل واشنطن وباريس وهونغ كونغ وغيرهما. تتجلّى قوة المعرض حين يبرز صبر باي—استعداده لأن تنضج المباني ببطء عبر البحث والسفر والشك—ومعاً يُؤطِران العرضان الدوحة ليس كلوحة فارغة للثقافة، بل كمدينة تشكِّلها قرارات مدروسة وغالباً ما تكون فلسفية بشأن التاريخ والشكل.
المتحف العربي للفن الحديث (ماثاف) يسير على إيقاعٍ مختلف في عرضه السنوي: «قرارات» يستقِي من المجموعة الدائمة ليعرِض كيف تعامل الفنانون المعاصرون والحديثون في العالم العربي مع السياسة والتهجير والتركة الثقافية. لا يحول العرض الفن العربي الحديث إلى درسٍ جاف؛ بل يضع أعمالاً من لحظات متباينة في حوارٍ موثوقٍ بالمشاهد ليستخلص خطوطه بنفسه. تذكّر الأعمال أن الحداثة في المنطقة لم تتشكّل بمعزل، وأن كثيراً من الأسئلة التي تُحيِّر النقاشات اليوم—عن الهوية والسلطة والتمثيل—كانت تدور منذ عقود.
في المتحف الوطني القطري تميل المعروضات خلال الأسبوع إلى الداخل؛ معرض «إرث أمة، ذاكرة شعب: خمسون عاماً تُروى» الذي يحتفل بتاريخ المتحف، يركّز على كيف تُركَّب السرديات الوطنية وتُراجع وتُتنازع أحياناً. مقابل هندسة جان نوفيل الدرامية، تبدو هذه العروض حميمة أكثر من أن تكون ضخمة، تضع الحياة اليومية والذاكرة والاستمرارية في المقدمة بدل المهرجان البصري. للزائرين المنتقلين بين المعرض والمتاحف، يقدم المتحف الوطني أرضيةً ترتكز عليها التجربة: تذكير بأن الثقافة هنا ليست مُستوردة لأسبوعٍ واحد، بل مُعاشة على مدار السنة.
محطة الإطفاء، المبنى المدني السابق، تعمل بلهجة أقرب إلى الزمن الحاضر. باتت من أكثر فضاءات الدوحة مرونة للعرض، وخلال أسبوع آرت بازل احتضنت ثلاث معارض منفردة تتناول التجربة المعاصرة من زوايا مختلفة. العروض—لمن هم تشونغ سويونغ، هارون ميرزا، وهو تسو نين—تتراوح بين تدخلات مادية هادئة وبيئات صوتية ومرئية غامرة.
أقوى هذه العروض قد يكون «هو تسو نين: فندق الأبوريا»، تركيب فيديو متعدد القنوات يجذب المشاهد إلى سرد دائري وغير مستقر. يستمد عمله من السينما والمواد الأرشيفية وعمليات خوارزمية ليستكشف كيف تُبنى التواريخ وتُشوَّه. مشاهدة التركيب لا تشبه تتبع قصة خطية بقدر ما تشبه دخول نظام يعيد كتابة نفسه باستمرار؛ عملٌ يتطلب جهداً لكنه ممتص للغاية، خصوصاً لمن يهتم بكيفية تشكيل الصور للذاكرة السياسية.
لا شك أن إصدار آرت بازل في قطر سيُقَيَّم في نهاية المطاف بأرقام المبيعات والحضور. لكن متاحف الدوحة تبدو غير مُهتمّة بذلك الجدول الزمني. العروض المعروضة خلال هذا الأسبوع تقدّم حُجَّة أطول أمداً: أن الثقافة هنا تُبنى بالتراكم والبحث والصبر.